ونقلت من خط ابن دمرتاش له:
حتى إذا رقّ جلبابُ الدجى وسرتْ ... من تحت أذياله مسكيّة النفس
تبسّم الصبح إعجاباً بخلوَتِنا ... ووصْلِنا الطاهر الخالي من الدنس
ونقلت منه له:
بالروح أفدي منطقياً علا ... برتبة النحو على نَشْوِه
منطقه العذب الشهي الذي ... قد جذب القلب الى نحوه
ونقلت منه له:
جيادك يا من طبّق الأرض عدْلُه ... وحاز بأعلى الجدّ أعلى المناصب
إذا سابقتها في المهامهِ غرّةً ... رياح الصّبا عادت لها كالجنائب
ولو لم تكن في ظهرها كعبة المنى ... لما شبهت آثارها بالمحارب
ونقلت منه له:
يا سيدي أوحشْتَ قوماً ما لهم ... عن حسن منظرك الجميل بديلُ
وتعللت شمس النهار فما لها ... من بعد بُعدك بكرةٌ وأصيلُ
وبكى السحابُ مُساعداً لتفجعي ... من طول هجرك والنسيم عليلُ
ومن شعره:
انظر الى الأزهار تلق رؤوسها ... شابت وطفل ثمارها ما أدركا
وعبيرها قد ضاع من أكمامها ... وغدا بأذيال الصبا متمسكا
ومنه:
ولما أشارت بالبنانِ وودّعت ... وقد أظهرت للكاشحين تشهّدا
طفقْنا نبوسُ الأرض نوهم أننا ... نصلّي الضحى خوفاً عليها من العدا
ومما نقلته من خطه له:
يقولون شبهت الغزال بأهيفٍ ... وهذا دليل في المحبة واضحُ
ولو لم يكن لحظ الغزال كلحظه اح ... وراراً لما تاقت إليه الجوارحُ
قلت: يشبه قول ابن دانيال:
بي من أمير شكار ... وجدٌ يذيب الجوانح
لما حكى الظبي جيداً ... حنت إليه الجوارح
ونقلت منه له:
يقول لي الدولابُ راض حبيبك ال ... ملول بما يهوى من الخير والنفع
فإني من عود خُلقْتُ وها أنا ... إذا مال عني الغصن أسقيه من دمعي
ومن شعره دوبيت:
الصبُّ بك المتعوبُ والمعتوب ... والقلب بك الملسوب والمسلوب
يا من طلبت لحاظُه سَفك دمي ... مَهلاً ضعُفَ الطالب والمطلوب
قيل: إن الشيخ صدر الدين بن الوكيل رحمه الله تعالى كان يقول: وددتُ لو أنه كان يأخذ مني جميع شعري ويعطيني هذين (البيتين.
محمد بن محمد بن أحمد
ابن عبد الواحد، عماد الدين بن شرف الدين بن الزملكاني، وهو ابن عم الشيخ كمال الدين بن الزملكاني.
كان شكلاً حسناً طوالاً، وكان خطه حسناً، وكان ينظم إلا أنه قليل.
كان قد سعى بالقاهرة على أن يكون كاتب إنشاء بدمشق، وقام بأمره الأمير سيف الدين بغا الدوادار في أيام السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فوقف القاضي شهاب الدين بن فضل الله في طريقه وأبطل ما كان قُرّر من أمره. وكان أخيراً ناظر السُّبع الكبير وغيره.
ومولده فيما أظن سنة إحدى وتسعين وست مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني عشر شهر رجب الفرد سنة اثنتين وستين وسبع مئة بدمشق.
محمد بن محمد بن سهل
الوزير العالم الزاهد الأزدي الغرناطي.
سمع من ابن الرضي الطبري، وقدِم دمشق، وقرأ الصحيح على الحجّار، وصحيح مسلم على ابن العسقلاني، وقرأ بالسبع في صغره على ابن بشر وابن أبي الأحوص.
وبرع في معرفة الاسطرلاب.
وكان في بلده وافر الجلالة، غامر الإنالة، سافر الإيالة، تزهّد وحضر الى الديار المصرية، وأعرض عن المناصب العصرية، فما كاد يلحقه ابن أدهم زُهداً، ولا أشهب علماً ورفداً. وكان يبرّ الناس ويتحيّلُ على كتمان أمره، ويفرّق الذهب وهو يتقّد في جمره، والشمس لا تخفى بكل مكان والحرف لا تُعدَم ماهيّته بين التحريك والإسكان:
سروا ونجوم الليل زُهرٌ طوالعٌ ... فنمّ عليهم في الظلام التنسم
ولم يزل على حاله الى أن نزلت شدة الموت بابن سهل، وبكاه حتى الحزن والسهل.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الأربعاء ثاني عُشري المحرم سنة ثلاثين وسبع مئة قافلاً من الحج.
ومولده سنة اثنتين وستين وست مئة.
قال الشيخ تاج الدين أحمد بن مكتوم النحوي يرثيه:
مات ابن سهل فماتت ... من بعده المكرماتُ
ولم يخلّف مثيلاً ... أمثاله الصِيدُ ماتوا
وقلت: أنا فيه لما سمعتُ بموته:
مات ابن سهل ومنا قلّت الحيلُ ... وللعفاة فضاق السهل والجبلُ
مات الوزير الذي كان الملوك به ... في غبطة ولديه العلم والعمل
الزاهد العابد السامي الرفيع ذُرى ... العالم العامل المستأمن البطل
عليه مني سلام الله ما صدحت ... ورق لها في حواشي دَوْحها زجلُ
وقلت أرثيه:
موت ابن سهل قد كان صعباً ... لكل عاف وكل طالب
يحق والله أن يُرثى ... من قد حوى هذه المناقب
توفي أبوه سنة سبعين، وجده سنة سبع وثلاثين. وحج هو سنة سبع وثمانين وعاد، ثم إنه قدم مصر سنة عشرين وسبع مئة، وحجّ وجاور سنتين.
وكان في بلده يرجعون إليه والى رأيه وحُرمة عقله فيمن يولونه المملكة ويلقبونه الوزير، وكان فيه ورعٌ شديد، وتعفّف وصيانة وديانة وكرم ومروّة وحلم وعلم.
وأخذ عنه الشيخ قطب الدين عبد الكريم، وكان شيخاً وقوراً حسن الهيئة مليح الشيبة لا يتعمم ويتطيلس على طاقية.
ورأيته عند شيخنا العلامة أثير الدين، وأخبرني هو وغيره عنه أنه يتصدق سراً من ماله الذي يحمل إليه من أملاكه في الغرب، وعرفه الناس، وصاروا يقصدونه، فإذا طلب منه أحد شيئاً أنكر ذلك، وقال: ليس ما قيل لك صحيحاً، ثم إنه يتركه بعد يوم أو أكثر ويأتي إليه وهو غافل ويلقي في حجره كاغداً فيه ذهب، ويمر
ولا يقف له، ويتصدّق من الستين ديناراً فما دونها، واستنسخ البحر المحيط تفسير القرآن لشيخنا أثير الدين، وشرح التسهيل له وغير ذلك وجهزه الى الغرب.
محمد بن محمد بن المفضّل
ابن عبد المنعم بن حسين بن حمزة بن حسين بن أحمد بن علي بن طاهر بن حبيش، القاضي الإمام المفتي الخطيب موفّق الدين ابن القاضي عز الدين أبي اليسر ابن القاضي نجم الدين أبي المكارم ابن القاضي مهذب الدين أبي عدي ابن القاضي تاج الدين أبي سالم ابن القاضي أمين الدين أبي القاسم حسين بن حمزة، البهراني القضاعي الحموي الشافعي، المعروف بابن حبيش.
تفقّه بحماة، وحصّل وشارك في الفضائل، وسمع من ابن رواحة، والكمال بن طلحة، وجماعة. وروى لشيخنا الذهبي وغيره بالإجازة عن جده لأمه أبي المشكور مدرك بن أحمد بن مدرك بن حسين بن حمزة القضاعي.
وكان إماماً جليل القدر، وافر الحرمة، ظاهر الحشمة، ولي خطابة حماة، ثم خرج عنها لتهديد السلطان له لما أنكر وأراق الخمور. وقدم دمشق في ... وولي خطابتها سنة ثلاث وتسعين وست مئة، وقيل: سنة إحدى وتسعين عوضاً عن الشيخ عز الدين الفاروثي، وعزّ عليه وعلى الناس ذلك، وحضر السلطان الملك الأشرف، فلما رآه السلاح دارية أخذوه وأجلسوه الى جانب الأمير عز الدين أيبك الحموي نائب
الشام، فسأل السلطان عنه، فأخبر أنه قد عُزل، وتوهم الشيخ أن الوزير ابن السلعوس هو الذي عزله، فاعتذر السلطان إليه وقال: بلغنا أنك ضعيف. فقال: من صلى مئة ركعة بألف " قل هو الله أحد " يعجز عن صلاة الفرض؟ يعني صلاة النصف، فلم يلتفتوا إليه وانكسر قلبُه.
ثم في هذه الجمعة هرب حسام الدين لاجين فاغتمّ السلطان لذلك، وتوجه هو والأمراء والعسكر يفتشون عليه، وكانوا قد أطلعوا المنبر الى الميدان الأخضر، فصلى موفق الدين بالعوام، والسلطان والعساكر مهجّجون في طلب حسام الدين لاجين، ثم إن السلطان عاد بالعساكر بعد العصر يوم العيد، فقال بعض الشعراء في ذلك:
خطب الموفق إذ تولى خطبة ... شق العصا بين الملوك وفرّقا
وأظنه إن قال ثانية غدا ... دينُ الأنام وشملُه متفرِّقا
وقال آخر:
إن الموفق لما ... في خطبة قد ترفّق
في جمعة العيد شمل ال ... ملوك كالخطب فرّق
وكان مع ذا وهذا ... في الحال غير موفّق
وكان هذا الخطيب موفق الدين رجلاً صالحاً ديّناً خيراً، ولكن لم يرزق سعادة في هذه الحركة.
ثم إن الموفق طلب الى حماة بكتاب من صاحبها في ذي القعدة سنة سبع وتسعين
وست مئة من بعد وفاة قاضي القضاة جمال الدين بن واصل رحمه الله تعالى، فتوجه من دمشق الى حماة، وولى بها القضاء مدة.
ثم إنه قدم من دمشق جافلاً من التتار. فتوفي رحمه الله تعالى بدرب القاضي الفاضل فييوم السبت سادس عشري جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وست مئة، ودفن برّاً بباب الفراديس ظاهر دمشق.
ومولده في جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وست مئة.
وكان من أهل الدين والخير والصلاح، رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد بن هبة الله
ابن يحيى بن بندار بن مميل، القاضي الرئيس الكبير الصدر تاج الدين أبو الفضل ابن القاضي شمس الدين بن نصر الشيرازي.
كان من أعيان الدماشقة، ولي وكالة بيت المال والحسبة ونظر الدواوين ونظر ديوان الخزندار، وتنقل في المناصب، وباشر الوظائف الكبار، ورأس.
قال شيخنا علم الدين البرزالي رحمه الله تعالى: روى لنا عن ابن عبد الدائم، وسمع من والده وعمه وجماعة.
وتوفي رحمه الله تعالى بالمزة في بستانه في رابع شهر رجب الفرد سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ست وخمسين وست مئة، رحمه الله.
وجرى بينه وبين شمس الدين محمد ابن الشيخ عفيف الدين التلمساني منافسة بسبب شخص مشهور، وعمل شمس الدين مقامة بسبب ذلك. وكان هذا تاج الدين