ولقد رأيته أنا مرات يواقف الشيخ فتح الدين في أسماء رجال ويكشف عليها فيظهر الصواب مع ركن الدين.
وكنت يوماً أنا وهو عند الشيخ فتح الدين فقال: قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: عمل ابن الخطيب أصولاً في الدين أصول الدين أعوذ بالله من الشيطان الرجيم - بسم الله الرحمن الرحيم - " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد " فنفر الشيخ ركن الدين وقام وقال: قل له يا عُرّة، عمل الناس وصنفوا وما أفكروا فيك، ونفر مغضباً.
وأخبرني الشيخ فتح الدين قال: جاء إليه إنسان يصحح عليه في أمالي القالي، فأخذ الشيخ ركن الدين يُسابقه الى ألفاظ الكتاب، فبهت ذلك الرجل فقال له: لي عشرون سنة، ما كررت عليها.
وكان إذا أنشده شيئاً في أي معنى كان أنشد فيه جملة للمتقدمين والمتأخرين، كأن الجميع كان يكرر عليه البارحة.
وتولى نيابة الحكم بالقاهرة لقاضي القضاة المالكي مدة، ثم إنه تركها تديّناً منه وقال يتعذر فيها براءة الذمة، وكانت سيرته فيها حميدة، ولم يُسمع عنه أنه ارتشى في حكومة ولا حابى أحداً.
وكان كثير التلاوة وكان ينام أول الليل ثم يستفيق وقد أخذ راحة، وأخذ كتاب الشفاء لابن سينا ينظر فيه لا يكاد يخل بذلك.
قال لي الشيخ فتح الدين: قلتُ له يوماً: يا شيخ ركن الدين الى متى تنظر في هذا الكتاب؟ فقال: أريد أن أهتدي.
وكان فيه سأمٌ وضجر حتى في لعب الشطرنج، يكون في وسط الدست وقد نفضه وقطع لذة صاحبه ويقول: سئمت سئمت. وكذلك في بعض الأوقات يكون في بحث وقد حرر لك المسألة وكادت تنضج وتتضح فيترك الكلام ويمضي.
وكان حسن الودّ، جميلَ الصحبة، يتردد الى الناس ويُهنّيهم بالشهور والمواسم من غير حاجة لأحد، لأنه كان معه مالٌ له صورة ما يقارب الخمسين ألف درهم، وكان يتصدق سراً على أناس مخصوصين، وكان مع هذه العلوم لثغته بالراء قبيحة يجعلها همزة، وكنت أنا وهو قد طلعنا الى القلعة فجاء في الطريق ذكر الراء واللثغة بها، فأخذ يسرد عليّ ما يمكن من اللثغة بها وعدّ أنها تغير لغالب حروف المعجم، وأخذ يذكر أمثلة ذلك.
وكان إذا رأى أحداً يضرب كلباً أو يؤذيه يخاصمه وينهره ويقول له: ليس تقفل هذا أمَا هو شريكك في الحيوانية؟ وكان خطه مغربياً وليس بجيد، وكنت كثيراً ما أجتمع به وآخذ من فوائده الغامضة، وكتبت له استدعاء في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، ونسخته: المسؤول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العلامة جامع شتات الفضائل، وارث علوم الأوائل، حجة المناظرين سيف المتكلمين:
سبّاق غايات الورى في بحثه ... فالبرقُ يسري في السحاب بحثّه
ويهبّ منه بالصواب صبا لها ... بردٌ على الأكباد ساعة نفثه
ويضوع من تلك المباحث ما يُرى ... أشهى من المسك السحيق وبثه
المتكلم الذي ذهلت بصائر أولي المنطق نحوه، وأنتجت مقدماته المطلوب عنوة ووقف السيف عند حدّه فما للآمدي في مداه خطوه، وحاز رتب النهاية فما لأبي المعالي بعدها خطوه، فهو الرازي على الرازي، لأن قطب علومه من مصره ومحصوله ذهب قبل دخول أوانه وعصره، والفقيه الذي رفع لصاحب الموطأ أعلام مذهبه مُذهبة، فمالكٌ عنه رضوان، وأسفر وجوه اختياره خالية من كلف التكلف حالية بالدليل والبرهان، وأبرزها في حلاوة عبارته فهو جلاّب الجُلاّب، وأظهر الأدلة من مكامن أماكنها، وطالما جمحت تلك الأوابد على الطُلاّب.
والنحوي الذي تركت لُمعهُ الخليل أخفش، وأعرت الكسائي ثوب فخره الذي بهر به سيبويه وأدهش، فأبعد ابن عصفور حتى ضار عن مُقرّبه، وأمات ابن يعيش لمّا أخلق مُذهب مَذهبه.
والأديب الذي هو روضٌ جمع زهر الآداب وحبْرٌ قلّد العقد أجياد فنّه الذي هو لبّ الألباب، وكامل أخذ عنه كتّاب الأدب أدب الكُتاب، فإذان نظم قلت: هذه الدّراري في أبراجها تتّسق، أو خِلْتَ الدُرر تتنضدّ في ازدواجها وتنتسق، أو
نثر فالزهر يتطلع من كمامه غبَّ غمامه، والأَلفات غصون ترنّح معاطفها بحمائم همزه التي هي كهمز حمامه.
والطبيب الذي تحلى منه أبقراط وسقط عن درجته سُقراط، فالفارابي ألفاه رابياً، وابن مسكويه أمسك عنه مُحاشياً لا محابياً، وابن سينا انطبق قانونه على جميع جزئياته وكلياته، وطلب الشفاء والنجاة من إشاراته وتنبيهاته، فلو عالج نسيم الصبا لما اعتلّ في سحره، أو الجفن المريض لزانه وزاده من حوَره، ركن الدين أبي عبد الله محمد بن محمد عبد الرحمن الجعفري المالكي:
لا زال روض العلم من فضله ... في كل وقت طيّب النَشْر
وكل ما يبدعُه للورى ... تطويه في الأحشاء للنشر
وتزدهي الدنيا بما حازَهُ ... حتى تُرى دائمة البشر
إجازة كاتب هذه الأحرف ما له من مَقول منظوم أو منثور، وضع أو تأليف، جمع أو تصنيف، الى غير ذلك على اختلاف الأوضاع وتباين الأجناس والأنواع.
وذكرت أشياء مذكورة في الاستدعاء.
فأجاب بخطه رحمه الله تعالى: يقول العبد الفقير الى رحمه ربه وعفوه عما تعاظم من ذنبه محمد بن عبد الرحمن القُرشي الجعفري المعروف بابن القُوبع: بعد حمد الله ذي المجد والسّناء والعظمة
والكبرياء، الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، خالق الأرض والسماء، وجاعل الإصباح والإمساء، والشكر له على ما مَنّ به من تضاعفِ الآلاء وترادفِ النعماء، نحمده ونذكره، ونعبده ونشكره لتفرده باستحقاق ذلك وتوفر ما يستغرق الحمد والشكر هنالك، مع ما خصّنا به من العلم وأضاء به بضيائها من نور الفهم.
ونصلي على نبيه محمد سيد العُرب والعُجم، وعلى آله وأصحابه الذين فازوا من كل فضل بعظم الحظ ووفور القُسم، أجزت لفلان وذكرني:
جمّاع أشتات الفضائل والذي ... سبق السّراع ببطئه وبمكثه
فكأنهم يتعثّرون بجدولٍ ... ويسير في سهل الطريق وبرثه
أزرى بسحب بيانهم في هطلها ... فيما يبين بطلّه وبدثّه
جميع ما يجوز لي أن أرويه مما رويته من أصناف المرويات أو قلته نظماً أو نثراً، أو اخترعته من مسألة علمية مُفتتحاً، أو اخترته من أقوال العلماء واستنبطت الدليل عليه مرجّحاً مما لم أضعه في تصنيف ولا أجمعه في تأليف على مشرط ذلك عند أهل الأثر:
وفّقه الله لما يرتضي ... في القول والفعل وما يدري
وزاده فضلاً الى فَضله ... بما به يأمن في الحشر
فهذه الدار بما تحتوي ... دارُ أذىً ملأى من الشرّ
ذلّت بينهم بغرور فهم ... في عمَهٍ عنه وفي سكر
قد خدعَتْهم بزخاريفها ... معقبة للغدر بالغدر
تريهم بشراً ويا وَيحهم ... كم تحت ذاك البشر من مَكر
بينا ترى مبتهجاً ناعماً ... ذا فرج بالنهي والأمر
آمن ما كان وأقصى مُنىً ... فاجأه قاصمة الظهر
فعدِّ عنها واشتغل بالذي ... يوليك خيراً آخر الدهر
فإنما الخير خصيصٌ بما ... تلقاه بعد الموت والنشر
هذا إذا مَنّ الذي ترتجي ... رحماه بالصفح والغفر
وزاد رضواناً فهذا الذي ... يُدعى به لأطول العمر
ويؤيد هذا ما أخبرناه الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد الورع المُسند تقي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن الواسطي، قراءة عليه ونحن نسمع بدمشق في شوال سنة إحدى وتسعين وست مئة، قيل لي: أخبركم أبو البركات داود بن أحمد بن ملاعب البغدادي قراءة عليه بدمشق، وأبو الفرج الفتح بن عبد الله بن عبد السلام البغدادي قراءة عليه ببغداد قالا: أخبرنا الخطيب أبو منصور أنوشتكين بن عبد الله الرضواني، قراءة عليه: أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد البُسري. ح وأخبرنا ابن ملاعب وأبو عليّ الحسن بن إسحاق ابن الجواليقي، قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الزاغوني، أخبرنا الشريف أبو نصر محمد بن محمد بن علي
الزينبي، قالا: أخبرنا أبو الطاهر محمد بن عبد الرحمن المخلّص الذهبي، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا خلف بن هشام البزاز سنة ست وعشرين ومئتين حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن نحفر الخندق، وننقل التراب على أكتافنا: " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة " مختصر.
وهذا الحديث من أعلى ما أرويه، نسأل الله حالاً يرضاها ونرضاها، إنه سميع الدعاء، فعّالٌ لما يشاء، وله الحمد والمنّة. كتبه محمد القوبع ليلة التاسع والعشرين من رجب سنة ذ ك ج.
وأنشدني لنفسه إجازة، ومن خطه نقلت:
جوى يتلظّى في الفؤاد استعارُهُ ... ودمعٌ هتونٌ لا يكفّ انهماره
يحاول هذا بَردَ ذاك بصوبه ... وليس بماء العين تطفأ ناره
وُلوعاً بمن حاز الجمال بأسره ... فحاز الفؤاد المستهام إسارُه
كلِفْتُ به بَدريّ ما فوق طوقه ... ودعصيّ ما يثني عليه إزاره
غزال له صدري كناسٌ ومرتع ... ومن حب قلبي شيحه وعراره
من السُمر عُدمي الصبر أحمر خده ... إذا ما بدا ياقوته ونضاره
جرى سابحاً ماء الشباب بروضه ... فأزهر فيه وردُه وبهارُه
يشبّ ضراماً في حشاي نعيمه ... فيبدو بأنفاس الصعاد شراره
وينثر دمعي منه نظم مؤشر ... كنور الأقاحي حفّه جُلّناره
يُعَلّ بعَذْبٍ من برود رضابه ... تفاوح منه مسكه وعقاره
وسهد أجفاني بوسنان أدعجٍ ... يحيّر فكري غنجه واحوراره
حكاني ضعفاً أو حكى منه موثقاً ... وخصراً نحيلاً عال صبري اختصاره
معنىً بردف لا ينوء بثقله ... فيا شدَّ ما يلقى من الجار جاره
على أنّ ذا مُثرٍ وذلك معسِرٌ ... ومن محنتي إعساره ويساره
تألّف من هذا وذا غُصنُ بانة ... توافت به أزهاره وثماره
تجمّع فيه كلُ حُسن مُفرّق ... فصار له قطباً عليه مداره
زلال ولكنْ أين مني وروده ... وكدْنٌ ولكن أين مني اهتصاره
وسَلسال راحٍ صدّعني كأسه ... وغودر عندي سكرُه وخماره
وبدر تمام مشرق الضوء باهرٌ ... لأفقي منه مَحْقُه وسراره
دنا ونأى فالدارُ غيرُ بعيدة ... ولكنّ بُعْداً صدُّه ونفاره
وحين درى إن شد أسري حبُّه ... أحلّ بي البلوى وساء اقتداره