والكبرياء، الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، خالق الأرض والسماء، وجاعل الإصباح والإمساء، والشكر له على ما مَنّ به من تضاعفِ الآلاء وترادفِ النعماء، نحمده ونذكره، ونعبده ونشكره لتفرده باستحقاق ذلك وتوفر ما يستغرق الحمد والشكر هنالك، مع ما خصّنا به من العلم وأضاء به بضيائها من نور الفهم.
ونصلي على نبيه محمد سيد العُرب والعُجم، وعلى آله وأصحابه الذين فازوا من كل فضل بعظم الحظ ووفور القُسم، أجزت لفلان وذكرني:
جمّاع أشتات الفضائل والذي ... سبق السّراع ببطئه وبمكثه
فكأنهم يتعثّرون بجدولٍ ... ويسير في سهل الطريق وبرثه
أزرى بسحب بيانهم في هطلها ... فيما يبين بطلّه وبدثّه
جميع ما يجوز لي أن أرويه مما رويته من أصناف المرويات أو قلته نظماً أو نثراً، أو اخترعته من مسألة علمية مُفتتحاً، أو اخترته من أقوال العلماء واستنبطت الدليل عليه مرجّحاً مما لم أضعه في تصنيف ولا أجمعه في تأليف على مشرط ذلك عند أهل الأثر:
وفّقه الله لما يرتضي ... في القول والفعل وما يدري
وزاده فضلاً الى فَضله ... بما به يأمن في الحشر
فهذه الدار بما تحتوي ... دارُ أذىً ملأى من الشرّ
ذلّت بينهم بغرور فهم ... في عمَهٍ عنه وفي سكر
قد خدعَتْهم بزخاريفها ... معقبة للغدر بالغدر
تريهم بشراً ويا وَيحهم ... كم تحت ذاك البشر من مَكر
بينا ترى مبتهجاً ناعماً ... ذا فرج بالنهي والأمر
آمن ما كان وأقصى مُنىً ... فاجأه قاصمة الظهر
فعدِّ عنها واشتغل بالذي ... يوليك خيراً آخر الدهر
فإنما الخير خصيصٌ بما ... تلقاه بعد الموت والنشر
هذا إذا مَنّ الذي ترتجي ... رحماه بالصفح والغفر
وزاد رضواناً فهذا الذي ... يُدعى به لأطول العمر
ويؤيد هذا ما أخبرناه الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد الورع المُسند تقي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن الواسطي، قراءة عليه ونحن نسمع بدمشق في شوال سنة إحدى وتسعين وست مئة، قيل لي: أخبركم أبو البركات داود بن أحمد بن ملاعب البغدادي قراءة عليه بدمشق، وأبو الفرج الفتح بن عبد الله بن عبد السلام البغدادي قراءة عليه ببغداد قالا: أخبرنا الخطيب أبو منصور أنوشتكين بن عبد الله الرضواني، قراءة عليه: أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد البُسري. ح وأخبرنا ابن ملاعب وأبو عليّ الحسن بن إسحاق ابن الجواليقي، قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الزاغوني، أخبرنا الشريف أبو نصر محمد بن محمد بن علي
الزينبي، قالا: أخبرنا أبو الطاهر محمد بن عبد الرحمن المخلّص الذهبي، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا خلف بن هشام البزاز سنة ست وعشرين ومئتين حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن نحفر الخندق، وننقل التراب على أكتافنا: " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة " مختصر.
وهذا الحديث من أعلى ما أرويه، نسأل الله حالاً يرضاها ونرضاها، إنه سميع الدعاء، فعّالٌ لما يشاء، وله الحمد والمنّة. كتبه محمد القوبع ليلة التاسع والعشرين من رجب سنة ذ ك ج.
وأنشدني لنفسه إجازة، ومن خطه نقلت:
جوى يتلظّى في الفؤاد استعارُهُ ... ودمعٌ هتونٌ لا يكفّ انهماره
يحاول هذا بَردَ ذاك بصوبه ... وليس بماء العين تطفأ ناره
وُلوعاً بمن حاز الجمال بأسره ... فحاز الفؤاد المستهام إسارُه
كلِفْتُ به بَدريّ ما فوق طوقه ... ودعصيّ ما يثني عليه إزاره
غزال له صدري كناسٌ ومرتع ... ومن حب قلبي شيحه وعراره
من السُمر عُدمي الصبر أحمر خده ... إذا ما بدا ياقوته ونضاره
جرى سابحاً ماء الشباب بروضه ... فأزهر فيه وردُه وبهارُه
يشبّ ضراماً في حشاي نعيمه ... فيبدو بأنفاس الصعاد شراره
وينثر دمعي منه نظم مؤشر ... كنور الأقاحي حفّه جُلّناره
يُعَلّ بعَذْبٍ من برود رضابه ... تفاوح منه مسكه وعقاره
وسهد أجفاني بوسنان أدعجٍ ... يحيّر فكري غنجه واحوراره
حكاني ضعفاً أو حكى منه موثقاً ... وخصراً نحيلاً عال صبري اختصاره
معنىً بردف لا ينوء بثقله ... فيا شدَّ ما يلقى من الجار جاره
على أنّ ذا مُثرٍ وذلك معسِرٌ ... ومن محنتي إعساره ويساره
تألّف من هذا وذا غُصنُ بانة ... توافت به أزهاره وثماره
تجمّع فيه كلُ حُسن مُفرّق ... فصار له قطباً عليه مداره
زلال ولكنْ أين مني وروده ... وكدْنٌ ولكن أين مني اهتصاره
وسَلسال راحٍ صدّعني كأسه ... وغودر عندي سكرُه وخماره
وبدر تمام مشرق الضوء باهرٌ ... لأفقي منه مَحْقُه وسراره
دنا ونأى فالدارُ غيرُ بعيدة ... ولكنّ بُعْداً صدُّه ونفاره
وحين درى إن شد أسري حبُّه ... أحلّ بي البلوى وساء اقتداره
ومنها:
حكت ليلتي من فقدي النوم يومها ... كما قد حكى ليلي ظلاماً نهاره
كتمت الهوى لكنْ بدمعي وزفرتي ... وسقمي تساوى سرُّه وجهاره
ثلاث سجلات عليّ بأنني ... أمام غرام قلّ فيك استتاره
أورّي بنظمي في العذار وتارةً ... بمن إن تفنّى القرط أصفى سواره
وجلّ الذي أهوى عن الحلي زينة ... ولما يقارب أن يدب عذاره
أراحةَ نفسي كيف صرت عذابها ... وجنة قلبي كيف منك استعاره
ونقلت منه يمدح الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد:
ولو غيرُ الزمان يكون قرني ... للاقى الحتف من ليثٍ جريّ
تحاماه الكماة إذا ادلهمّت ... دُجى الهبوات في ضنك حميّ
وطبّقتِ الفضاء فلا ضياء ... سوى لمعان أبيض مشرفيّ
وأرمدتِ العيون وكل طرف ... عمٍ إلا لأسمر سمهري
بحيثُ عبابُ بحر الموت يرمي ... بموج من بنات الأعوجي
عليها كل أروع هبرزيّ ... يغالب كل أغلب شمّري
تراه يرى الظُّبى ثغراً شنيباً ... من الإفرند في ظَلْم شهيّ
ويعتقد الرماح قدود هيفٍ ... فيمنحها معانقة الهديّ
هنالك ترى الفتى القرشي يحمي ... حماة المجد والحسب السنيّ
وتعلم أن أصلاً هاشمياً ... تفرع بالنضار الجعفريّ
ولو أن الجعافرة استبدّت ... به يمنى الهُمام القوبعي
منها في المديح:
الى صدر الأئمة باتّفاق ... وقدوةِ كل حَبْر ألمعيّ
ومَن بالاجتهاد غدا فريداً ... وحاز الفضل بالقدح العليّ
وما هو والقداح وذاك تخت ... وهذا نال بالسقي الرضيّ
صَبا للعلم صبّاً في صباه ... فأعْلِ بهمّة الصبّ الصبي
فأتقن والشبابُ له لباسٌ ... أدلة مالكٍ والشافعي
منها:
ونور جلالة يرتدّ عنه ... رسول الطرف بالحسن العيي
ومن كثرت صلاة الليل منه ... سيحسن وجهه قول النبي
منها:
بعدْلٍ عمّ أصناف البرايا ... تساوى فيه دان بالقصيّ
ضممتَ ندىً وجوداً حاتمياً ... الى رأي وحلم أحتفيّ
لديك دعائم المجد استقرت ... فحط بنو الرضى ملقى العصيّ
بحيث طوامح الآمال مهما ... رمت لم تُخطِ شاكلة الرميّ
أيا قمر الفهوم إذا ادْلهمّت ... دُجى الإشكال في غوص خفيّ
وسحبان المقالة حين يلفى ... بليغ القول كالفَهّ العييّ
لكم أبديت من معنىً بديع ... يروق بحلة اللفظ البهيّ
فأقسم ما الرياض حنا عليه ... ملثّ القطر هطّال الجيّ
فألبسها المزخرف والموشّى ... حيا الوسْميّ منه أو الوليّ
وأضحك نبتها ثغر الأقاحي ... فما نظم الجمان اللؤلؤي
وعطّر جوّها بشذى أريج ... من المسك الفتيق التُبتي
فلاحت كالخرائد يزدهيها ... حليّ الحسن أو حسن الحليّ
بأبهج من كلامك حين تفتي ... سؤالاً بالبديهِ أو الرويّ
وأنشدني لنفسه إجازة:
تأمّل صحيفات الوجود فإنها ... من الجانب السامي إليك رسائلُ
وقد خُط فيها إن تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ
محمد بن محمد بن علي
ابن وهب بن مطيع، كمال الدين بن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد القشيري، تقدّم ذكرُ والده وجماعةٌ من إخوته.
كان يحفظ القرآن ويتلوه كثيراً، وكرّر على مختصر مسلم للمنذري، وربما
قيل: إنه حفظه. وسمع من المنذري، ومن النجيب عبد اللطيف والعز الحرانيين، وجماعة.
قال كمال الدين الأدفوي: أخبرت أنه كرر على الوجيز، وجلس بالوراقين بالقاهرة، ودرّس بالمدرسة النجيبية بقوص، إلا أنه خالط أهل السفه، والخلطة لها تأثير، فخرج عن حدّه، وترك طرائق أبيه وجده. ولما ولي أبوه القضاء أقامه من السوق وألحقه بأهل الفسوق، قال: هكذا أخبرني جماعة من أهله وغيرهم.
وكان قوي النفس، بلغني أن وكيل بيت المال مجد الدين عيسى بن الخشاب رسم للشهود أن يكتبوا شيئاً يتعلق ببيت المال إلا بإذنه، فجاءته ورقة فيها خط كمال الدين ابن الشيخ، فطلبه، فقال له: ما سمعت ما رسمت به؟ فقال: نعم، فقال: كيف كتبت؟ قال: جاء مرسوم أقوى من مرسومك وأشدّ. قال: السلطان؟ قال: لا. قال: فمن رسم؟ قال: جاء مرسوم الفقراء، أصبحت فقيراً ما أملك شيئاً، وجاءتني ورقة أخذت فيها خمسة عشر درهماً فتبسم. وقال: لا تَعُد.
قال: وحكى لي بعض أصحابنا قال: حضرنا وهو معنا عند الشيخ عبد الغفار بن نوح، وكان الشيخ عبد الغفار كبير الصورة بقوص، يأتي إليه الولاة والقضاة والأعيان، وكان يمد رجليه في بعض الأوقات ويدّعي احتياجاً لذلك. فمد رجله ذلك اليوم فأخذ الكمال مروحة وضربه على رجله وقال: ضمّها بلا قلة أدب.
وكان كثير الصدقة مع الفاقة.