وسحبان المقالة حين يلفى ... بليغ القول كالفَهّ العييّ
لكم أبديت من معنىً بديع ... يروق بحلة اللفظ البهيّ
فأقسم ما الرياض حنا عليه ... ملثّ القطر هطّال الجيّ
فألبسها المزخرف والموشّى ... حيا الوسْميّ منه أو الوليّ
وأضحك نبتها ثغر الأقاحي ... فما نظم الجمان اللؤلؤي
وعطّر جوّها بشذى أريج ... من المسك الفتيق التُبتي
فلاحت كالخرائد يزدهيها ... حليّ الحسن أو حسن الحليّ
بأبهج من كلامك حين تفتي ... سؤالاً بالبديهِ أو الرويّ
وأنشدني لنفسه إجازة:
تأمّل صحيفات الوجود فإنها ... من الجانب السامي إليك رسائلُ
وقد خُط فيها إن تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ
محمد بن محمد بن علي
ابن وهب بن مطيع، كمال الدين بن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد القشيري، تقدّم ذكرُ والده وجماعةٌ من إخوته.
كان يحفظ القرآن ويتلوه كثيراً، وكرّر على مختصر مسلم للمنذري، وربما
قيل: إنه حفظه. وسمع من المنذري، ومن النجيب عبد اللطيف والعز الحرانيين، وجماعة.
قال كمال الدين الأدفوي: أخبرت أنه كرر على الوجيز، وجلس بالوراقين بالقاهرة، ودرّس بالمدرسة النجيبية بقوص، إلا أنه خالط أهل السفه، والخلطة لها تأثير، فخرج عن حدّه، وترك طرائق أبيه وجده. ولما ولي أبوه القضاء أقامه من السوق وألحقه بأهل الفسوق، قال: هكذا أخبرني جماعة من أهله وغيرهم.
وكان قوي النفس، بلغني أن وكيل بيت المال مجد الدين عيسى بن الخشاب رسم للشهود أن يكتبوا شيئاً يتعلق ببيت المال إلا بإذنه، فجاءته ورقة فيها خط كمال الدين ابن الشيخ، فطلبه، فقال له: ما سمعت ما رسمت به؟ فقال: نعم، فقال: كيف كتبت؟ قال: جاء مرسوم أقوى من مرسومك وأشدّ. قال: السلطان؟ قال: لا. قال: فمن رسم؟ قال: جاء مرسوم الفقراء، أصبحت فقيراً ما أملك شيئاً، وجاءتني ورقة أخذت فيها خمسة عشر درهماً فتبسم. وقال: لا تَعُد.
قال: وحكى لي بعض أصحابنا قال: حضرنا وهو معنا عند الشيخ عبد الغفار بن نوح، وكان الشيخ عبد الغفار كبير الصورة بقوص، يأتي إليه الولاة والقضاة والأعيان، وكان يمد رجليه في بعض الأوقات ويدّعي احتياجاً لذلك. فمد رجله ذلك اليوم فأخذ الكمال مروحة وضربه على رجله وقال: ضمّها بلا قلة أدب.
وكان كثير الصدقة مع الفاقة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثماني عشرة وسبع مئة بالقاهرة.
محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك
الشيخ شمس الدين ابن العلامة الشيخ جمال الدين بن مالك الجيّاني.
كان شيخاً حسناً، بهيّ المنظر، أحمر الوجه، منوّر الشيبة، كثير التلاوة والتلقين، لازم الجامع الأموي أكثر من أربعين سنة، وله خزانة وبيت بالمئذنة الشرقية.
سمع جزء الأنصاري بقراءة ابن جعوان على بعض الشيوخ، ولم يحدث.
رأيته غير مرة بالجامع، وكان يسأل الطلبة، فإذا قال له أحدهم: قرأت ألفية ابن مالك، يقول: ألفية والدي، ويفرح.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبع مئة.
محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك
الشيخ جمال الدين ابن العلامة ابن مالك، أخو شمس الدين المذكور أولاً.
كان مقيماً بالقاهرة. سمع من ابن البخاري الجزء الذي كتبه له عمّه الحافظ ضياء الدين من المسند والغيلانيات ولم يحدث.
وله نظم. وكان حسن الأخلاق جميل الهيئة، باشر بعض الجهات ولما توفي خلّف جملة.
وتوفي بالقاهرة عاشر شعبان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
محمد بن محمد بن عبد الرحمن
البليغ الفصيح الصدر الرئيس بدر الدين أبو عبد الله الخطيب بالجامع الأموي بدمشق ابن قاضي القضاة جلال الدين القزويني.
كان وافر الحشمة، ظاهر النعمة، جميل البزة، نبيل الوجاهة والعزة، كثير التجمل، غزير التحمل، سافر الوضاءة، غامر الوجه بالإضاءة، إذا رقا منبره أو توقل صهوته وأظهر من وجهه مضمره قال الناس: أترى ضمّ خطيباً أم ترى ضمّخ طيباً، وكان يؤدي الخطبة فصيحاً، ويوردها إيراداً مليحاً.
وكان في كل عام يتوجه الى الديار المصرية يزور والده ويكيد بذلك ضده وحاسده، فيقيم هناك مدة، ويقضي له وللناس أشغالاً عدة، ويلبس هناك تشريفاً، وفي دمشق إذا عاد مثله، ويسرّ بذلك قبيلة وأهله:
وأسعدُ الناس من لاقى بلا تعبٍ ... مبدا السعادة في مبدا شبيبته
ولم يزل بدرُه في مطالع سعوده ومعارج صعوده الى أن خُسِف في تمامه، وتجرع كؤوس حِمامه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني جمادى الآخرة سنة اثنين وأربعين وسبع مئة، ودفن في مقابر الصوفية، وقد كمّل الأربعين أو تجاوزها قليلاً.
وكان قد خطب في حياة والده قبل أن يلي القضاء وفي حياة المشايخ الكبار مثل الشيخ كمال الدين بن الزملكاني والشيخ برهان الدين بن تاج الدين والشيخ تقي الدين بن تيمية. ولما طُلب والده الى مصر وتولى قضاء القضاة بالشام استقل هو بالخطابة فيما أظن، ولما طُلب والده ثانياً لقضاء الديار المصرية بقي هو في الوظيفة. وكان في كل سنة يتوجه على البريد الى مصر ويحضر عند السلطان ويلبس تشريفاً ويقيم عند والده مدة ثم يعود الى دمشق على البريد، وكانت له بذلك وجاهة زائدة وصيت بعيد، وقضى سعادة وافرة.
ولما عاد والده الى قضاء الشام ناب والده في الحكم، وكان قد أتقن الخطابة وانصقلت عبارته وتلفظ بها فصيحاً، وقرأ في المحراب قراءة حسنة طيبة النغم.
ولما توفي والده توهّم أن يلي المنصب فما اتفق له ذلك وانعكست آماله ونقض حبل سعده وتعكّس، وكلما حاول أمراً أدبر ولم ينجب فيه.
وطُلب الى مصر بوساطة الفخري ونزل عنده في القلعة، وأقام تقدير أربعة أشهر وعاد وقد أكمده الحزن، فأقام أياماً قليلة، ومات رحمه الله تعالى.
ولما توجه الى مصر بعد وفاة والده رحمهما الله تعالى كتبت أنا له توقيعاً بأن يستنيب في وظائفه من يراه الى أن يعود، ونسخته: أما بعد حمد الله الذي سيّر البدر في منازل سعوده، وأثمر رجاه الذي أنجب لصدق باطنه وظاهره عند غرس عوده، ورقاه الى درجات الكمال من إنجاز وعوده، وبلّغه أمانيه التي جاءت بها الأقدار على وفق غرضه واقتراح مقصوده. وصلاته على سيدنا محمد الذي أسرى به من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى، ونوّله من الكرامات ما لا يحصر لفضله ولا يحصى، وعلى آله وصحبه الذين لم يرَ عدوّ الدين في كمالهم نقصا، ولم يكن فيهم من يخالف له مفهوم أمر ولا نصّا، صلاة يتألق برقها في سماء الرحمة، ويترقرق ودقُها في نماء النعمة ما نسخت آية النور آية الظلمة، وأضرم الشفق جمرته من الغسق في فحمة، وسلامه الى يوم الدين.
فإنه لما كان الجناب الكريم العالي البدري له على الأبواب الشريفة في كل حين وفادة، وفاز من حسن النظر الشريف في كل أوان من الإنعام بإفاءة وإفادة، وخطر في برود الوقار بين أغصان السيادة، وتجمّل بملابس العلم الشريف مطرّزة برقوم السعادة، واتّصف بمكارم ارتجال معانيها لا يبادى ولا يباده، واقتفى سنن والده، وكان أفضل من سعى ومن برّ، ورقى بأهبة الخطابة درج منبره فكان بدراً بدا في سحابة عنبر، وأسال الدموع بمواعظه الصادقة الصادعة، وأذاب القلوب بحكمه النافذة النافعة، وناب في الأحكام وفصل القضايا المعضلة، وألقى الدروس، فجلا دياجي المسائل المشكلة، وجلس في المحافل فكانت تفاصيل الرياسة فيه مُجمَلة.
وتصدّر في المجالس فما شك أحدٌ في أن هذا البدر أولى بهذه المنزلة، وطُلب الآن الى الأبواب الشريفة خلّد الله سلطانها، فأعمل الى الأبواب الشريفة ركابه وأحمدَ غُدوَّه إليها وإيابه، وسيكون قدومه عليها مقروناً بالنجح المبين، ومقول سعادته " ادخُلوا مصر إن شاء الله آمنين ".وكان لابد لوظائفه المباركة من يسدّ فيها غيبته، ويقوم فيها إلى أن يقدر الله أوبته.
فلذلك رسم بالأمر العالي أن يستنيب عنه في الخطابة الشريفة وغيراها مما هو به معذوق ومنوط بمباشرته من يراه أهلاً لذلك، ويعتقد أنه في هذه الجادة خير سالك الى أن يعود بدراً منيراً وينقلب الى أهله مسروراً، والله تعالى يقدّر له السعود حيثما توجّه، ويجعل النجح قرينه في كل سبيل سلك فجّه، والخط الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه حجة بمقتضاه إن شاء الله تعالى.
محمد بن محمد
الأمير الفاضل سيف الدين أبو بكر بن صلاح الدين أبي الحسن ابن الملك الأمجد مجد الدين الحسن ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين داود ابن المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
كان فقيهاً فاضلاً، وله شعر، مدح الخليفة والسلطان وقاضي القضاة ابن صصرى والشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وأجابه عنها ابن الزملكاني، وأقام بحماة مدة، وحضر المدارس معيداً، ثم إنه عاد الى دمشق وأقام بها. وسمع على الفاروثي وغيره.
وتوفي رحمه الله تعالى عاشر جمادى الآخرة سنة ثلاثين وسبع مئة.
محمد بن محمد بن عبد المنعم
القاضي البليغ الكاتب الناظم الناثر تاج الدين أبو سعد السعدي المعروف بابن البرنباري.
كان كاتباً مطيعاً ومترسّلاً منطقياً، خطه أنهج من الروضة الغنّاء وأخلب للقلب من الحدقة الوسنا. كتب الرقاع والتوقيعات والثّلث من أحسن ما يكون، وكان لبقاً في كتابته وفي الحركات والسكون، وكان خبيراً بمصطلح الديوان وبما يكتبه الى الملوك من صاحب التخت والإيوان، وكان يكتب من رأس القلم، ويأتي في كتبه وتواقيعه بما ينسي نسمات الضال والسلم:
جرى معه الجارون حتى إذا انتهوا ... الى الغاية القصوى جرى وأقاموا
فليس لشمسٍ مذ أنار إنارة ... وليس لبدر حيث تمّ تمامُ
فهو كان أحد الكتاب الكلمة الذين رأيتهم وبعتهم في الاختيار وشريتهم، وخبرتهم وذخرتهم وقرأتهم، والى مآدب هذه الصناعة دعوتهم وقريتهم.
ولم يزل الى أن توجه الى القدس ليزور ويستنتج أم الحظ وهي مِقلاتٌ نزور. فهناك وافاه حمامه، وبكاه من الفضل غمامه، وناح عليه حمامُه.