بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 173

الى دمشق في أواخر السنة المذكورة، وأقام بدمشق مدة، ثم توجه الى القاهرة وأقام بها مدة، الى أن رُتّب موقّعاً في الدست بدمشق، فحضر إليها في شهر رجب، فيما أظن سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. ولم يزل على حاله الى أن توجه الى القدس، وتوفي في يومين في التاريخ.
وكنت أنا قد كتبت إليه بعد خروجي من مصر متوجهاً الى الرحبة كاتب الدّرج:
لما أتيت دِمشقاً بعد مصر وفي ... عطفيَّ منك بقايا الفضل للراجي
عُظِّمتُ من أجل مولانا وصحبته ... وقيل هذا بمصر صاحبُ التاج
وينهي بعد رفع الدعاء، وحمل لواء الولاء، وإشادة بناء الثناء، أن المملوك سطّرها وشوقُه قد ضاقت به الرحبة، وأغار على مثاقيل الصّبر فما ترك عند حبّة القلب حبة، وذكّره الأيام السالفة، حتى عاد نسيبه بها أعظم نسبه:
كأني لم أكن في مصرَ يوماً ... قطعْتُ به الوصال مع الأحبه
ونلتُ القرب من سادات دَسْتٍ ... محلّهم علا كيوانَ رُتبه
إذا عانيت في الإنشا حُلاهم ... تراهم بالنجوم الزهر أشبه
وإن سابقتهم علماً وفضلاً ... فأنت إذا نطقت سُكَيْتَ حلبه
فما ابن الصيرفي إذا أتاهم ... يُساوي عندهم في الفضل حبّه
خصوصاً تاجهم سقي الغوادي ... محلٌّ ضمّه واخضلّ تُربه
إذا أخذ اليراع فليس بين ال ... طروس وبين زهر الروض نسبه
وإن نطق استبان المرءُ منه ... محاسن تستبي في الحال لُبَّه


صفحه 174

وليس الملك محتاجاً الى أن ... يُعدّ كتائباً إن عدّ كتبه
له الفضلان في نظم ونثر ... إذا ما جال في شعر وخطبه
أيا مولاي عفواً عن محبّ ... تهجّم فالبعاد أذاب قلبه
بعثتُ بها إليك عسى تراها ... على بعد من المملوك قربه
فكتب هو الجواب:
شكراً لغرس بروض الفضل قد نبتا ... وودّه في صميم القلب قد ثبتا
أهدى إليّ كتاباً كنت أرقُبُه ... أزال عني من عيث النوى العَنَتا
مباركاً جاء بالحسنى فأحْسنَ لي ... وكيف لا وهو من عند الخليل أتى
لا زالت ألفاظه حلية الممالك، وودّه في النفوس ثابتاً وللقلوب خير مالك، ومنزله من فضل الله رحيب الساحات معموراً بالسماحات في رحبة مالك، وينهي ورود مشرّف سمح ببيانه، ونفح بعرفانه، وجنح الى عوائد إحسانه ولمح أشرف المعاني بإنسانه، وربح إذا بدا بفصل خطابه وفضل بنانه، أبى الله إلا أن يكون له الفضل في ابتدائه، والفوز بسبق تحيته وإنشائه، فقبّله المملوك تقبيلاً، وفضّه فإذا البيان جاء معه كان قَبيلا، ورأى أدباً غضاً، ونظماً ونثراً فاقا مَن سلفَ عصرَه وتقضّى. ولقد ذكر مولانا بأوقات قُربه، على أن المملوك ما زال يذكرها، وأقرّ عيناً ما برحت تشهد محاسنه وتنظرها:
أبلغ أخانا أدام الله نعمته ... أني وإن كنتُ لا ألقاه ألقاه
الله يعلم أني لست أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساه


صفحه 175

ولقد تجمّلت بمولانا جهة تصدّر أخبارها بأقلامه، وتصْدر مهماتها بمتين كلامه، ويبدو صلاحُها بألفاظه التي هي كالزُلال في رقته والدُرّ في نظامه، فبسط الله ظلال مَن أمتع هذه المملكة بمولانا، وسيّر ركابه إليها، وطالما أولاه الخير وأولانا، قد شمل البعيد والقريب بفضله، وعمّر مصر بسؤدده، وغمر الشام بفضله:
كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... كرماً ويبعث للبعيد سحائبا
ثم يعود المملوك الى وصف محاسن مولانا التي مكنت في القلب حُبّه، وأرضت بالود مملوكه وتِربه، وشيّدت له في الأفئدة أعظم رتبة:
أتتنا من ودادك خيرُ هبّه ... فنعّمَ طيبها عيش الأحبه
وزارتنا على نأيٍ فأهدت ... لنا أنساً به أنسي تنبّه
تذكّرني بزورتها ائتلافاً ... ووقتاً طالما مُتّعت قربه
نأى عن مصر من مولاي أُنسٌ ... فألْفى بعدها رحباً ورحْبَه
للفظك في الطروس عُقودُ معنى ... بها دُرُّ الترائب قد تشبّه
وخطك لم يزل درّاً ثميناً ... له بالجوهر الشفّاف نسبه
بنانكَ منبر يرقى عليه ... يراعٌ كم لها في الطرس خطبه
خطبت من المعاني كلَّ بكر ... فلبّت بالإجابة خير خطبه
كأنك قد رقيت الأفق عَفوا ... فأعطى طرسُك الميمون شُهبه
فدُمت معظّماً في كل أرضٍ ... تنال من السعود أجلَّ رُتْبه


صفحه 176

وكتب هو إليّ ونحن بالمخيم السلطاني على طَنان ملغزاً:
يا مبدعاً في النظم والنثر ... وفاضلاً في علمه يُثْري
ومودعاً مُهرقه كل ما ... يُزري بحسن الدرّ والتبر
إن أُحكمت ألفاظُه أصبحت ... قواطعاً تربي على البُتْر
ما صامتٌ تنطق أفضالُه ... وكاتمٌ للسرّ في الصدر
تصلحُه الراحةُ لكنه ... يُتعب في الطيّ وفي النشر
قد أشبه البيض ولكنه ... يحتاج يا ذا الفضل للسمر
تفرّق الليل بأرجائه ... كأنه وصلٌ على هجر
يسير عن أوطانه دائماً ... للنفع في البر وفي البحر
إذا كان يوماً ضيف قومٍ غدا ... يقري وخير الناس من يقري
فهات لي عنه جواباً كما ... عوّدتني يا عالي القدر
فحللته في كتاب وكتبت الجواب:
أروضةٌ تبسم عن زهر ... أم أكؤسٌ دارت من الخمر
أم نظم مولانا فإني الذي ... أعدّه من جُملة السِّحر
إذ كلُ حرف منك شمسٌ وإن ... سامَحتَ قلت الكوكبُ الدرّي
يا فاضلاً ما مُشتهى نظمه ... في الناس إلا قطعُ الزهر
وكاتباً أصبح من خطهِ ... يغني عن الخطيّة السُمر
حلَلْتُ ما ألغزته في الذي ... تجلوه لي في حبر الحِبْر


صفحه 177

ما فاه بالنطق ولكنه ... له فنون النظم والنثر
يُخبرنا عما مضى وانقضى ... وما جرى في سالف الدهر
لا يكذب القول إذا ما ورى ... فقد حكى صدق أبي ذرّ
وعنده للحسن ديباجة ... سبيهة بالليل والفجر
ذُرَّتْ على كافوره مِسكةٌ ... ليس لها نشرٌ مع النشر
كم أقسم الباري به مرةً ... مرّت لنا في محكم الذكر
يا حسن ما قد قلت يقري وهل ... تعرف في الأيام من يقري
وما قراه غير سمع الذي ... يبُثُّه باللبّ والفكر
هذا جوابٌ إن تكن راضياً ... به فيا عزي ويا فخري
وإن أكن أخطأت في حله ... فابسط على ما اعتدته عُذري
لا زلتَ ترقى صاعداً في العُلا ... الى محلّ الأنجم الزهر
وكتبت أنا إليه عقيب ذلك:
بلّغك الله الأماني فقد ... أطربني لغزك لمّا أتى
يحلو إذا كرّرت إنشاده ... وكيف لا يحلو وفيه كتا
وكتب إليّ أيضاً ونحن بالمخيم على المنوفية:
طرُق الصواب بك استبان سبيلها ... وبك استقام على السواء دليلها
كم خلّةٍ محمودة أوتيتَها ... في المكرمات وأنت أنت خليلها
ما مُلغَزٌ الفاءُ منه كلامه ... وحروفه ما شانهن قليلها
لا شيء تحجبه وكم من دونه ... من حاجب فعُلاه ثم أثيلُها


صفحه 178

إن طال مُلّ وخيره يا صاح ما ... قد طال والنعماء طاب طويلها
وإذا أهلَّ الوفد من ميقاتهم ... طُويت غمامته وزال طليلها
كم أوضحوا مزقاً فأخفاه ومع ... هذا إبانته دنا تعجيلها
ومحلّه كمحلّ مولانا غَدا ... يسمو فرفعته رسا تأصيلها
فاحلله لا برحت يراعك كالظبى ... فصريرها منه يمدّ صليلها
فحللته في شاش وكتبت الجواب:
جاءت تُدار على النفوس شمولها ... وتُجرُّ من فوق الرياض ذيولها
أبياتك الغُرّ التي أبدعتها ... تُطوى على جُمل الجمال فُصولها
ويسير في الآفاق ذكرك لي بها ... وتهبّ بالإقبال منك قبولها
قد ألغزت لي في مسمى واحد ... وله مقادير تفاوتَ طولها
كغمامة ترخى على ليل الشبا ... ب الغضّ أو صبح المشيب فضولها
لا يستحيل إذا قلَبْتَ حروفه ... بالعكس بل يبقى لها مدلولها
وحروفه بيتٌ وباقي لفظه ... آس على التصحيف رُحت أقولها
هذا الجواب وغاية الفضل التي ... قد نلتها في النظم لست أطولها
فلك النجوم تسير في فلك العلا ... ما شانها بعد الطلوع أفولها
وكتب هو إليّ عقيب ذلك:
المسك منك ختام ... وراحتاك غمام
الخطّ روض نديم ... واللفظ حلو مدام
والسحرُ قولك لكنْ ... السحر أمرٌ حرام


صفحه 179

أجبتني عن معمّىً ... بسرعة لا تُرام
في القلب حُبُّك ثاو ... له أقام غرام
فأنت حقاً خليلٌ ... على الخليل السلام
فكتبت أنا الجواب إليه:
أجوهرٌ أم كلام ... وقهوة أم نظام
أم البدورُ تجلّت ... فانجاب عنها الظلام
أم الحدائق وشّى ... منها البرود غمام
غُصونُها ألفاتٌ ... والهمز فيها حمام
أشبّه السطر كاساً ... فيها المعالي مُدام
أو أعيناً فاتنات ... يصبو لها المستهام
وحشوها السحر بادٍ ... ولا أقول السقام
أقلامك الحمر فيها ... للنائبات سهام
كم قد أصابت لمرمى ... ولم يفُتْها مرام
أثنت عليك المعاني ... والكاتبون الكرام
وقلّدتك المعالي ... إذ أنت فينا إمام
فأنت أشرف تاج ... في فضله لا يرام
له على كل رأسٍ ... فاءٌ وصادٌ ولام
فكتب هو الجواب أيضاً:
ألفاظك الغرّ أضحت ... بُروقهنّ تشام
لأجل ذلك سحّت ... من سحبهن ركام


صفحه 180

فاحبس سيولك إن ال ... بيوت هذي الخيام
مصرٌ بها قد تحلّت ... كما تحلى الشآم
عنها يقصر قسٌ ... والسالفون الكرام
أمثالها سائرات ... وما لهن مقام
بدورها طالعاتٌ ... لها التمام لزام
وفي العشيّ أتتني ... منها وجوه وسام
تُعزى الى العُرْب لما ... يُرعى لديها الذمام
لها العيون عيونٌ ... والنون فيها لثام
فكنّ خير سمير ... حتى تجلّى الظلام
وكلما دار دورٌ ... من خمرها حاء جام
هذا جواب جوابٍ ... قد كلّ منه الكلام
فاستر له كل عاب ... إذ أنت فينا إمام

محمد بن محمد بن عبد الله بن صغير
ناصر الدين، الطبيب المصري.
قرأ الطب والحكمة على والده، والأدب على الشيخ علاء الدين القونوي.
كان فيه ظرف الأدباء، ولطف الحكماء، وخلاعة أهل مصر، وبضاعة تنفق عند أهل كل عصر، لا يطبّ إلا أصحابه، أو بيتَ السلطان وأربابه. وهو من بيت كلهم أطباء، وفضلاء ألبّاء.