حضر شمس الدين هذا الى دمشق وأنا بها رأيته، وكان شكلاً حسناً مليح الوجه أظنه لم يبلغ الأربعين. وأقام بدمشق بعض سنة أو أكثر، وأقرأ الناس بالجامع الأموي، ثم توجه الى حلب فحظي هناك، وتصدر وأفاد، وولي وظائف.
ولم تطل مدّته حتى توفي رحمه الله في حلب ليلة الإثنين ثاني شهر رمضان سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
سألت شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى فأثنى عليه ثناء كثيراً، وقال: له على مختصر ابن الحاجب بعض شرح، وشرح قصيدة ابن الحاجب في العروض.
محمد بن محمد بن الحسن
ابن أبي الحسين بن صالح بن علي بن يحيى بن طاهر بن محمد بن الخطيب أبي يحيى عبد الرحيم بن نباته. الشيخ شمس الدين الفارقي الأصل، المصري المولد، والد الشاعر جمال الدين محمد بن نباته.
كان الشيخ شمس الدين هذا من أشياخ الحديث بدمشق، وكان ساكناً خيراً قليل الكلام، منجمعاً عن الناس. وكان يباشر شهادة الخاص بداريا ودومة. وكان كل ما يحصّله ينفقه على أحفاده أولاد ولده.
وتولى دار الحديث النورية بدمشق بعد الشيخ زين الدين بن المزي، وكان في الديار المصرية شاهداً بديوان الجاشنكير.
وسمع من العزّ الحرّاني، وابن خطيب المزة، وغازي الحلاوي، وأبي بكر بن إسماعيل الأنماطي وغيرهم، وكان له بدمشق سكن بالظاهرية، سمعت عليه بعض أجزاء بدمشق، وأجاز لي بخطه سنة ثلاثين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني صفر سنة خمسين وسبع مئة.
ومولده بمصر سنة ست وستين وست مئة.
محمد بن محمد بن مينا
بميم مكسورة وياء آخر الحروف ساكنة وبعدها نونٌ وألف ممدودة، الشيخ الإمام الفاضل العالم شمس الدين البعلبكي الشافعي.
سمع من القاسم بن عساكر، ومن عيسى المطعّم وغيرهما.
وكان فقيهاً فاضلاً، عارفاً بالجدال مناضلاً، قرأ الفقه وبرع، وبلغ غايةً قصّر عنها من شرد حظه لما شرع، وكان على ذهنه إشكالات في المذهب، وإيرادات من ناظره فيها سبقه ولو كان أشهب. وعنده شكوك في غير الفقه عَقِدة، ومؤاخذات يتعب بها منتقيه ومنتقده، إلا أنه ينحرف كثيراً، ويهدم بذلك له مجداً أثيراً.
ولم يزل على حاله الى أن حلّت المنايا بابن مينا، ولم ينفعه طبّ ابن سينا.
وتوفي رحمه الله في شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق وهو في حدود الخمسين.
اجتمعت به غير مرة، وكتب عني شيئاً، وكان يعجبني ذهنه وحديثه، وكان
الشيخ كمال الدين بن الزملكاني يثني على ذهنه، وكان قد توجّه الى بغداد بعدما أفتى وناظر وأعاد بالنظامية وعاد الى دمشق، وسكن الرواحيّة. وما كان يخلو من تعبّد، وتولى قضاء الإقليم بدمشق، وخلّف لما مات دنيا صالحة، ووصّى بأن يصرف ثلث ماله على فقراء الفقهاء، كل إنسان عشرة دراهم.
محمد بن محمد بن يعقوب
القاضي عماد الدين الأنصاري المصري المعروف بابن النويري، بالنون والواو والياء آخر الحروف والراء.
كان من أجود الناس طباعاً، ويحفظ الكتاب العزيز ويتلوه كثيراً، ويصوم الخميس دائماً، وله عقيدة في الفقراء وخدم في الأنظام الكبار بمصر والشام. تولى نظر المرج والغوطة والإقليم، ونقل من ذلك الى صحابة الديوان بدمشق والى نظر صفد، باشره غير مرة، والى نظر الكرك مدة طويلة، وأعيد بعده الى صفد، وآخر وقت ولي ديوان طرابلس.
وتوفي رحمه الله تعالى في عشر الثمانين، ورأيته بصفد غير مرة، وكانت وفاته في طرابلس في حادي عشر شعبان سنة سبع عشرة وسبع مئة.
محمد بن محمد بن عطايا
الوزير سعد الدين.
كان أولاً ناظر البيوت بالقاهرة، ورسم له بالوزارة في ثاني عشر شهر رمضان سنة
أربع وسبع مئة، وأقام في الوزارة الى أن عُزل عنها بضياء الدين النشائي في أوائل سنة ست وسبع مئة.
محمد بن محمد بن إبراهيم
ابن أبي القاسم، الشيخ الإمام المعمّر المسند صدر الدين أبو الفتح المَيْدومي، بفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف والدال المهملة والواو الساكنة وبعدها ميم، خاتم أصحاب النجيب عبد اللطيف.
توفي عن تسعين سنة في سنة أربع وخمسين وسبع مئة. انتخب عليه خلق من عواليه.
محمد بن محمد بن الحارث
ابن مسكين، القاضي الإمام فخر الدين القُرشي الزّهري نائب الحاكم بمصر والقاهرة.
حدّث عن الشهاب القرافي ببعض تصانيفه، وعن عبد السلام الدميري وغيرهما، وأجاز له جماعة.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة إحدى وستين وسبع مئة.
وكان قد أجاز لي رحمه الله تعالى بخطه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
محمد بن محمد بن محمد
بن هبة الله
ابن محمد بن هبة الله بن محمد بن يحيى بن بندار بن مميل الفارسي الشيرازي
الأصل، الدمشقي ثم المزّي، الرئيس شمس الدين أبو نصر بن عماد الدين الكاتب ابن أقضى القضاة شمس الدين أبي نصر.
سمع من جده حضوراً، ثم سماعاً، ومن عمّه تاج الدين، ومن علم الدين السّخاوي، والعَلم ابن الصابوني، والمؤتمن بن قميرة، وأبي إسحاق بن الخشوعي، وبهاء الدين بن الجُميزي، وجماعة. وأجاز له الشيخ شهاب الدين السهروردي، وبهاء الدين بن شداد، وإسماعيل بن باتكين، وابن روزبة، وخلق كثير. وتفرّد بأجزاء وعوالي، وازدحم الطلبة عليه، وألحق الصغار بالكبار. وانتقى له الشيخ صلاح الدين العلائي والبرزالي وشمس الدين الذهبي.
وكان ساكناً وقوراً متواضعاً، نزر الحديث منجمعاً عن الحديث الناس، له ملك يعيش منه. وكان بارعاً في تذهيب المصاحف، وظهرت فيه مبادئ اختلاط في سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وعشرين وست مئة.
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد
القاضي زين الدين أبو حامد بن تقي الدين العثماني الشريشي القنائي الشافعي.
اشتغل بالفقه على الشيخ جلال الدين أحمد الدشناوي وأجازه بالفتوى، وسمع منه.
وكانت له مشاركة في الأصول والنحو والأدب. وخطّه حسن، وله يد في الوراقة.
وتولى القضاء بأدفو وأسوان وتولى قفط، وقنا، وهُوْ، وعيذاب، وكان حسن السيرة، مرضيّ الطريقة، قائماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة خمس وسبع مئة بقنا.
وأورد له كمال الدين الأدفوي أبياتاً من جملة صداق كتبه وهي:
أطِل نظراً فيه فلستَ بناظر ... نظيراً له كلاً ولست بواجِدِ
وفُزْ من مُحيّاه بلمحة ناظر ... تنَلْ ما تَرجي من سنيّ المقاصد
فكلُ سديد منهم ومُسدّدٍ ... وكل تقي عندهم ثم ماجدِ
إذا ما اغتدى سمعي بذكرِ صفاتهم ... تُخامر قلبي سَكرةُ المتواجد
محمد بن محمد بن محمد
ابن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل بن مقلّد، الشيخ الإمام المفتي بركة والده بدر الدين أبو اليسر ابن قاضي القضاة عز الدين أبي المفاخر الدمشقي الشافعي المعروف ابن الصايغ مدرس الدماغية وأخو القاضي نور الدين قاضي قضاة حلب.
سمع كثيراً من أبيه، وابن شيبان، والفخر علي، وبنت مكّي، وعدة. وحضر ابن علان. وحدث بصحيح البخاري عن اليونيني، وسمع حضوراً من فاطمة بنت عساكر، وحفظ التنبيه، ولازم حلقة الشيخ برهان الدين.
وكان دينه متيناً، وتصوّنه مبيناً. طُلب لقضاء القضاة بدمشق فامتنع، وظهرت عليه أمارات الزَّمع، فعظم قدره، ولزم الناس حمده وشكره.
وكان مقتصداً في لباسه وفي أموره بين ناسه، ودرّس وهو أمرد، ولم يبال بمن يناظره أنقضّ عليه أم ردّ، وحجّ غير مرة، وفعل في طريقه كل مبرّة:
وكان غريباً في جميع أموره ... له بركاتٌ في الورى وصلاحُ
إذا ما ادْلهمّ الليل قام لربّه ... وناجى الى أن يستنير صباحُ
ولم يزل على حاله الى أن أصبح أبو اليسر من الحياة مُعسراً، ومكّن الحِمامُ منه مخلباً ومَنسِراً.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة، جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، ودفن عند قبر والده بسفح قاسيون، وشيعه الخلائق وحملوه على أكتافهم، وكانت وفاته بعد قاضي القضاة جلال الدين القزويني بليالٍ يسيرة.
ومولده سنة ست وسبعين وست مئة.
وكان تنكز قد عظّمه واعتقد فيه لما امتنع من ولاية قضاء القضاة، فإنه حُمِل
إليه تقليده وتشريفه بالقضاء بعد القاضي جلال الدين القزويني في نصف شهر شوال سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وحضر إليه الأمراء والناس، فامتنع وتغيّر مزاجه. ثم إن أرباب الدولة عادوا إليه ثانياً، وأدّيت إليه رسالة الأمير تنكز، فأصرّ على الامتناع، فأعيد التقليد الى مصر، وزادت عظمته عند نائب الشام، فولاه خطابة القدس مُديدة، ثم إنه تركها، ولما كان بالقدس طلبه المَقادسة، ودخلوا عليه بسماع الحديث وخرجوا من هذا الى طلب الشفاعات عند ناظر الحرمين، فشفع لهم وأكثر من ذلك، فثقل أمره على الناظر، وشكا في الباطن الى تنكز وقال: هذا يُدخل روحه في غير الخطابة، ويتكلم في الولاية والعزل، فنقص بذلك قدره عند تنكز ثم إنه فيما بعد زار القدس فتعلل هناك، ونُقل الى دمشق ضعيفاً، فأقام أياماً يسيرة، وتوفي رحمه الله في التاريخ المذكور.
محمد بن محمد بن محمد
بن عبد القادر
قاضي القضاة نور الدين بن الصائغ، تقدّم تمام نسبه في ترجمة ابن عم أبي اليسر آنفاً.
كان خيّراً ساكناً وقوراً، سمع من أحمد بن هبة الله بن عساكر.
ولاه الفخري في نوبة الناصر أحمد قضاء العساكر بدمشق، وتوجه مع العسكر الى القاهرة، ثم إنه عُزل بعد ذلك، وبقي على تدريس الدماغية الى أن تولى قضاء القضاة بحلب بعد القاضي بدر الدين بن الخشّاب سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
ولم يزل بحلب الى أن توفي رحمه الله في شوال سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون حلب.