بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 212

وسرّ الصناعتين، وهو مجمع البحرين، فما طلُّ الغمامة؟، وله النظر الثاقب في دقائقهما، فمَن زرقاء اليمامة، إن سام نظماً فمَن شاعر تِهامَه؟، وإن شاء إنشاء فله التقدم على قُدامه، فإن وشّى طِرساً فما ابن هلال إلا كالقُلامة، أن أجيز لك ما عندي فكأنما أن أتجاوز حدّي، لولا أن الإقرار بأن الرواية عن الأقران نهج مَهْيَع، والاعتراف بأن للكبير من بحر الصغير الاغتراف وإن لم يكن مَشْرَعه ذلك المَشرع. فنعم قد أجزت لك ما رويتُه من أنواع العلوم وما حملته على الشرط المعروف والعُرف المَعلوم، وما تضمّنه الاستدعاء الرقيم بخطك الكريم مما اقتدحه زندي الشّحاح وجادت به لي السجايا الشحاح من فنون الأدب التي باعُك فيها من باعي أمدّ، وسهمك في مراميها من سهمي أسدّ. وأذنت لك في إصلاح ما تعثُر عليه من الزلل والوهم والخلل الصادر عن غفلة اعترت النقل، أو وَهلة اعترضت الفهم، فيما صدر عن قريحتي القريحة من النثر والنّظم، وفيما تراه من استبدال لفظ بغيره مما لعله أنجى من المرهوب، أو أنجع في نيل المطلوب، أو أجرى في سنن الفصاحة على الأسلوب، وقد أجزتُ لك إجازة خاصة، يرى جوازها بعضُ مَن لا يرى جواز الإجازة العامة، أن تروي عني ما لي من تصنيف أبقيته في أي معنىً انتقيته فمن ذلك ... وذكر رحمه الله تعالى ههنا ما له من التصانيف، وقد ذكرتها آنفاً. وقد أجزت لك أيّدك الله جميع ذلك بشرط التحري فيما هنالك، تبركاً بالدخول في هذه الحلبة، وتمسّكاً باقتفاء السّلف في ارتقاء هذه الرُتبة، وإقبالاً من نشر السنّة على ما هو أمنية المتمني، وامتثالاً لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " بلّغوا عني " فقد أخبرنا أبو العزّ عبد العزيز بن عبد المنعم بن علي الحراني رحمه الله تعالى بقراءة والدي عليه وأنا أسمع


صفحه 213

سنة ست وسبعين وست مئة، قال: أخبرنا أبو علي بن أبي القاسم البغدادي قراءةً عليه وأنا أسمع منه سنة ست مئة، وقبل ذلك سنة تسع وتسعين وخمس مئة، وأنا محضر في الخامسة، قال: أخبرنا القاضي أبو بكر الأنصاري قاضي المارستان سماعاً عليه سنة أربع وعشرين وخمس مئة: قال: أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في سنة ست وأربعين وأربع مئة، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن يسار السابوري بالبصرة، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري حدثنا محمد بن ابراهيم بن كثير الصوري، حدثنا الفريابي، عن ابن ثوبان، عن حسّان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بلّغوا عني ولو آية وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومَن كذب عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار ".
أبو كبشة تابعي ثقة، والصحيح أنه لا يُعرف اسمه.
ومولدي في رابع عشر ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وست مئة بالقاهرة، وفي


صفحه 214

هذه السنة أجاز لي الشيخ المُسند نجيب الدين أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرّاني، وكان أبي رحمه الله يخبرني أنه كَناني، وأجلسني في حجره، وكان يسأله عني بعد ذلك. وأجاز لي بعده جماعة.
ثم في سنة خمس وسبعين حضرت مجلس سماع الحديث عند جماعة من الأعيان، منهم الحبر الإمام شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي ابن أخي الحافظ عبد الغني المقدسي، وأثبت اسمي في الطباق حاضراً في الرابعة.
ثم في سنة خمس وثمانين كتبت الحديث عن شيخنا الإمام قطب الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن القسطلاني رحمه الله بخطي، وقرأت عليه بلفظي، وعلى الشيوخ من أصحاب المسند أبي حفص بن طبرزد والعلامة أبي اليُمن الكندي والقاضي أبي القاسم الحرستاني والصوفي أبي عبد الله بن البنّا وأبي الحسن بن البنا، وغيرهم بمصر والاسكندرية والشام والحجاز وغير ذلك.
وأجاز لي جماعة من الرواة بالحجاز والعراق والشام وإفريقية والأندلس وغيرهم يطول ذكرهم.
وحبّذا، أيدك الله، اختيارك من طلب الحديث الدرجة العالية، وإيثارك أن تكون مع الفرقة الناجية، لا الفرقة التاوية، فقد أخبرنا الشيخان أبو محمد عبد اللطيف وعبد العزيز ابنا الشيخ أبي محمد عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن الصّيْقل الحراني، الأول إجازة، والثاني سماعاً قالا: أخبرنا ضياء بن الخُرَيف، محمد بن عبد الباقي، أخبرنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوف بن مُطير اللّخمي، حدّثنا محمد بن


صفحه 215

أحمد بن هاشم البعلبكي، حدثنا عبد الملك بن الإصبع البعلبكي: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كُلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة ".
وبالإسناد الى الخطيب: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني بأصبهان قال: سمعت عبد الله بن القاسم يقول: سمعت أحمد بن محمد بن رُوّه يقول حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال: حُدّثت عن أحمد بن حنبل، وذكر حديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تفترق الأمة على نيّف وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة " فقال: إن لم يكونوا أصحابَ الحديث فلا أدري مَن هم.
وبه الى أبي بكر الخطيب قال: حدثني محمد بن أبي الحسن قال: أخبرني أبو القاسم بن سختويه قال: سمعت أبا العباس أحمد بن منصور الحافظ بصور يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن عبد الله بن بشر نفسا يقول: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام فقلت: يا رسول الله: مَن الفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة؟ قال: أنتم يا أصحاب الحديث.
وبه الى الخطيب قال: أخبرني محمد بن علي الأصبهاني حدّثنا الحسين بن محمد بن الوليد التستري بها. حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن يوسف بن مسعدة إملاءً، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن سلاّم يقول: أنشدني عبدة بن زياد الأصبهاني من قوله:


صفحه 216

دينُ النبي محمد أخبارُ ... نِعمَ المطيّةُ للفتى الآثارُ
لا تُخدعنّ عن الحديث وأهله ... فالرأي ليلٌ والحديث نهارُ
ولربّما غلط الفتى سُبُل الهدى ... والشمس بازغةٌ لها أنوارُ
وأنشدني والدي أبو عمرو محمد، قال: أنشدني والدي أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس رحمهما الله تعالى قال: أنشدني الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج النباتي قال: أنشدني أبو الوليد سعد السعود بن أحمد بن هشام قال: أنشدني الحافظ أبو العباس أحمد بن عبد الملك قال: أنشدنا أبو أسامة يعقوب، قال: أنشدني والدي الفقيه الحافظ أبو محمد بن حزم لنفسه:
مَن عذيري من أناس جهلوا ... ثم ظنّوا أنهم أهلُ النظرْ
ركبوا الرأي عناداً فسروا ... في ظلام تاه فيه من غبَرْ
وطريقُ الرشد نهجٌ مهْيعٌ ... مثلما أبصرتُ في الأفق القمرْ
وهو الإجماع والنّص الذي ... ليس إلا في كتابٍ أو أثرْ
والله المسؤول أن يلهمنا رشداً يدلّنا عليه، ودلالة تهدينا الى ما يُزلِفنا لديه، وهداية يسعى نورها بين أيدينا إذا وقفنا يوم العرض بين يديه بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى.
وكنت بصفد لما بلغتني وفاته رحمه الله تعالى:
فلقد ألمْتُ فما الحِمامُ بصادحٍ ... أسفاً ولا أغصانها بموائسِ


صفحه 217

قلت أرثيه رحمه الله تعالى:
ما بعدَ فقدك لي أُنس أرجّيه ... ولا سرورٌ من الدنيا أقضيهِ
إن متُّ بعدَك من وجدٍ ومن حزَن ... فحقُّ فضلك عند من يوفيه
ومن يعلّم فيك الوُرق إن جهلت ... نُواحها أو تناسته فتُمليه
أما لَطافةُ أنفاس النّسيم فقدْ ... نسيتُها غيرَ لُطفٍ كنتَ تُبديه
وإن ترشّفتُ عذْب الماء أذْكرني ... زُلالُه خُلُقاً قد كنتَ تحويه
يا راحلاً فوقَ أعناقِ الرجال وأج ... فانُ الملائكِ تحت العَرشِ تبْكيهِ
وذاهباً سارَ لا يلوي على أحد ... والذّكْرُ ينشرهُ واللحْدُ يطويه
وماضياً غفر الله الكريم له ... باللُّطفِ حاضرهُ منه وباديه
وباتَ بالحُور والولدان مُشتغلاً ... إذا أقبلتْ تتهادى في تلقّيه
حتى غدا في جنان الخُلدِ مُبتهجاً ... والقلب بالحُزن يَفنى في تلظّيه
لهفي على ذلك الشخص الكريم وقد ... دعاه نحو البلى في التَّرب داعيه
وحيرتي فيه لا تقضي عليّ ولا ... تُقضى لواعِجُها حتى أوفّيه
أُجزى الأسى عبَراتي كالعَقيقِ وقد ... أصمّ سمعي وأصْمى القلبَ ناعيْه
يا وحشة الدّهر في عين الأنام فقد ... خلَتْ وجوهُ الليالي من معانيه
ووحشة الدرس إن تُنشر مُلاءتُهُ ... ولم تطرّز حواشيها أماليه
يا حافظاً ضاع نشرُ العِلم منه الى ... أن كاد يعرفْهُ مَن لا يسمّيه
صان الرّواية بالإسْنادِ فامْتنعَتْ ... ثُغورها حين خاطَتْها عواليه
واستضْعَفت بارقاتُ الجوّ أنفُسَها ... في فَهمِ مشكلةٍ عن أن تُجاريهِ
حفظْتَ سنّة خيرِ المرسلين فما ... أراكَ تُمسي مُضاعاً عند باريه


صفحه 218

للهِ درّك من حَبر تبحّر في ... علمِ الحديث فما خابتْ مساعيه
وهل يخيبُ معاذَ الله سعيُ فتىً ... في سُنّة المصطفى أفنى لياليه
يكفيه ما خطّه في الصحف من مدح الن ... بي يكفيه هذا القدرُ يكفيه
عزّ البُخاري فيما قد أُصيب به ... مات الذي كان بين الناس يدريه
كأنه ما تحلّى سمعُ حاضره ... بلفظه عندما يروي لآليْهِ
رواية زانها منه بمعرفةٍ ... ما كلّ مَن قام بين الناس يرويه
يا رحمتاهُ لشرح التّرمذي فمَنْ ... يضمّ غُربتَهُ فينا ويُؤويهِ
لو كان أمهلهُ داعي المنون الى ... أن تنتهي في أماليه أمانيه
لكان أهداه روضاً كله زهرٌ ... أناملُ الفكر في معناهُ تَجنيه
مَن للقريض فلم أعرفْ له أحداً ... سواهُ رقّت به فينا حواشيه
ما كان ذاك الذي تلقاه يَنظمه ... شعراً ولكنه سحرٌ يعانيه
يهزّ سامعه حتى يخيّل لي ... كأس الحُميّا أدارتها قوافيه
ومَن يمرُّ على القِرطاس راحتهُ ... فينبتُ الزهرَ غضاً في نواحيه
ما كل من خطّ في طرس وسوّده ... بالحبر تغدو به بيضاً لياليه
ولا تخلْ كلّ من في كفّه قلمٌ ... إذا دعاه الى معنى يلبّيه
هيهات ما كان فتح الدين حين مضى ... والله إلا فريداً في معانيه
كم حاز فضلاً يقول القائلون له ... لو جازك الليلُ لابيضّت لياليه
لا تسأل الناس سلني عن خلائقه ... لتأخذ الماء عني من مجاريه
ماذا أقول وما للناس من صفةٍ ... محمودة قطُّ إلا رُكّبتْ فيه
كالشمس كل الورى تدري محاسنها ... والكافُ زائدةٌ لا كافُ تشبيه
سقى الغمامُ ضريحاً قد تضمّنه ... صوْباً إذا انهلّ لا ترْقا غواديه


صفحه 219

وباكرتْه تحياتٌ نوافِحُها ... من الجنان تحيّيه فتُحييه
وكتبت إليه لما قدمت الى دمشق من القاهرة:
كان سمعي في مصر بالشيخ فت ... ح الدين يَجني الآداب وهي شهيّهْ
يا لها غُربةً بأرض دمشقٍ ... أعوَزَتْني الفواكهَ الفتحيّهْ
وكتبت إليه:
يا حافظاً كم لرواياته ... من جنةٍ في بطنِ قِرطاسِ
كم شذىً من سُنّة المصطفى ... قد ضاع من حفظكِ للناس
وكتبت على كتابه بشرى اللبيب:
بُشرى اللبيب لباب النظم للبشر ... في مدح سيدنا المختار من مضَرِ
لما بدا الشيخُ فتح الدين ينظمه ... تأرّجتْ نسمةُ الآصال والبُكر
بحرٌ ولكنه أهدى الدراري وال ... بحور من شأنها الإتيان بالدُرر
تجلو عليكَ معانيه العرائسَ في ... بيتٍ من الشعر لا بيتٍ من الشَعَرِ
وبيني وبينه رحمه الله تعالى مكاتبات كثيرة. كتبت إليه من الرحبة وهو:
سلوا نسمة الوادي إذا هي هبّت ... سُحَيراً وهزّت في الربا كلَّ أيكةِ
فكم لي في أثنائها من رسالة ... أضمّنها شوقي إليكم ووحشتي
وما طابَ رياها الى أن تضمّنتْ ... ثنائي على عليائكم وتحيتي
إذا عانقتْ في الروض أغصان بانه ... حكت خطراتِ الغيد لما تثنّتِ
وإن نبهتْ ورقَ الحمائم أعلنت ... وأغنتْ عن الأوتار لما تغنّتِ