بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 219

وباكرتْه تحياتٌ نوافِحُها ... من الجنان تحيّيه فتُحييه
وكتبت إليه لما قدمت الى دمشق من القاهرة:
كان سمعي في مصر بالشيخ فت ... ح الدين يَجني الآداب وهي شهيّهْ
يا لها غُربةً بأرض دمشقٍ ... أعوَزَتْني الفواكهَ الفتحيّهْ
وكتبت إليه:
يا حافظاً كم لرواياته ... من جنةٍ في بطنِ قِرطاسِ
كم شذىً من سُنّة المصطفى ... قد ضاع من حفظكِ للناس
وكتبت على كتابه بشرى اللبيب:
بُشرى اللبيب لباب النظم للبشر ... في مدح سيدنا المختار من مضَرِ
لما بدا الشيخُ فتح الدين ينظمه ... تأرّجتْ نسمةُ الآصال والبُكر
بحرٌ ولكنه أهدى الدراري وال ... بحور من شأنها الإتيان بالدُرر
تجلو عليكَ معانيه العرائسَ في ... بيتٍ من الشعر لا بيتٍ من الشَعَرِ
وبيني وبينه رحمه الله تعالى مكاتبات كثيرة. كتبت إليه من الرحبة وهو:
سلوا نسمة الوادي إذا هي هبّت ... سُحَيراً وهزّت في الربا كلَّ أيكةِ
فكم لي في أثنائها من رسالة ... أضمّنها شوقي إليكم ووحشتي
وما طابَ رياها الى أن تضمّنتْ ... ثنائي على عليائكم وتحيتي
إذا عانقتْ في الروض أغصان بانه ... حكت خطراتِ الغيد لما تثنّتِ
وإن نبهتْ ورقَ الحمائم أعلنت ... وأغنتْ عن الأوتار لما تغنّتِ


صفحه 220

وإن سحبتْ ذيلاً بمنعرج اللوى ... تحلّ عُرى أزهاره حيث حلّتِ
وإن صافحتْ وجه الرياض فإنما ... تقبّل من أوطانكم كل تُربةِ
فمنّوا بإهداءِ السلام على فتىً ... تردّد منه الروحُ في جسم ميّت
يُقبّل من فرطِ الجوى عتباتِكُم ... وذلك فرضٌ عنده غيرُ سنّةِ
وينشر من طيب الثّناء عليكم ... محاسن ينسى نشرُها كل روضة
ويبكي إذا ما استخبرَ البرق عنكمُ ... وقد بسمتْ منه ثُغورُ الدجُنّةِ
وإن رتّل الذكرى تداعتْ صبابةً ... له الوُرقُ فارتاحت وناحتْ وحنّتِ
ولما رأت ريحُ الصّبا ما تكنّه ... أضالعه اعتلّت لذاك وأنّتِ
رعى الله أياماً تقضتْ بقُربكمْ ... وحيّا محلاً كنتم فيه جيرتي
ولا شكَرَ الرّحمنُ أيام بيننا ... فليستْ سواءً والتي قبلُ ولّتِ
ولو أنصفَ الدهرَ الخؤونُ الذي قضت ... صُروفُ لياليه ببيْني وفرقتي
لما سِرْتُ عن ذاكَ الجِناب الذي حوى ... من الفضلِ والعلياء كل عظيمةِ
ولو كان يُشرى القُربُ بالنفس ما غلا ... ومَن لي لو نِلتُ المُنى بالمنية
عسى الدهرُ أن يدني الى ظلّ قُربكم ... مُحباً رأى في البُعد كل مشقّة
ووالله ما حالتْ عن العهد مُهجتي ... وكم مُرهفاتٍ لو تسلّت لسُلّتِ
وما ضرّكم لو زار طيفُ خيالكم ... فخفّفَ من وجدي ونفّس كُربتي
وكيف يخوضُ الطّيفُ لُجَّ مدامعي ... ومن بعدكم تعرف النومَ مُقلتي
فكتب هو الجواب عن ذلك:


صفحه 221

مننتَ بنُعمى بلّغت كل منيةٍ ... ونلتُ بها المأمولَ قبل منيّتي
وأهدتْ الى قلبي الجريح قرارَهُ ... وجادتْ على طرفي القريح بقُرّةِ
مُشرَّفةٌ لم يأت عصرٌ بمثلها ... سقَتْ دارَ مُهديها سوافجُ عبرتي
وصلتَ بها عهدَ المسرّة مُحسناً ... وأنعمتَ لي منها بأحسن وُصلتي
وشرّفتَ من ذكري وشنّفتَ مَسمعي ... وأعليتَ من قدري وأغْليت قيمتي
فها أنا منها في صُعودٍ كأنما ... أحاول ما بين الكواكب ثُورَتي
وأهديتها عذراء بالحسن أفردتْ ... وما بينَ أغصانِ اليراع تثنّتِ
جلَتْ كل معنىً من بديعك باهرٍ ... وأبدت فُنوناً من علومكَ جلّتِ
ونادت فلبّتها المعاني مُجيبةً ... ولو غيرُها نادى المَعافي لندّتِ
حوتْ قصباتث السّبقِ كل غايةٍ ... فلم تكُ فيها كالتي قبلُ كلّتِ
فمن دُرّ نَظْمٍ لا يُسامُ لمفلسٍ ... ومن نَثر دُر لا يُسامى بنثرةِ
ومن وَشي خَطٍ فيه نُزّهت ناظري ... ومن سحر معنىً فيه أنشأتُ نشأتي
إليكَ صلاح الدين أشكو صبابتي ... وأرفع فيما رابني منك قصّتي
أقول بأن القلب مثواك دائماً ... وأشكو إليكَ الشوقَ في كل لحظةِ
وأشكر أياماً تقضّتْ بقربكم ... وقلّ لها شُكري وإن هي حلّتِ
وأشكر لكَ الأيام تلك بعينها ... فأعجبُ من شكري لها وشكيتي
تصدّت لنا بالوصلُ تُطعمُنا به ... فلما أجبناها تجنّت وصدّتِ
ولو أنها منّت بطول بقائها ... جنينا ثمارَ الوصل من حيثُ منّتِ
لعَمري أشواقي إليك شديدةٌ ... فهل تُفرج الأيام بالقُرب كُربتي
وإني لما سِرتَ عني ولم أكن ... بداري لبُعدي عنك في دار غُربتي
تناءَيتَ عن طرفي وأنت بمهجتي ... فها بصري يشكو إليك بصيرتي


صفحه 222

يقبّل كذا وينهي ورود المشرف فأكرِم به وارداً، وأَعزز علي به وافداً، يجلو على الأبصار ما شاء من زَيْن، ويَجلي عن البصائر ما شاء من رين، حائزاً من نظمه ونثره ربح الصناعتين، فائزاً من سحر بيانه ودرّ بنانه بأمدِّ الشرفين، والسّبق في الطرفين، والاستيلاء على الأمدين، والاستعلاء على الصّدفين، فمدّ الملوك إليه راحته، واستمدّ منه راحته، وأدار منه راحه، وألفى لديه انشراحه، ونال به على الدهر اقتراحه، بعدما وجد من فراق من به وجد، وقد أضرم بقلبه من نار الخليل لفقد الخليل ما وقَد، فراح كليم اشتياق في أليم احتراق، ينادي بلسان الأشواق:
قد لسعت حيّة النّوى كبدي ... ولا طبيب لها ولا راقِ
فوافته وقد شطت الدار، وتنادى عنه المزار، تحية باهى بلطفه الصبا وباهر في حسنها شمس الضحى، وبعرفها زهر الرُبا، فقال يا بشراي بعهدها الوفيّ وجمالها اليوسفي، أصدرت عن بشر أم ملَكْ، أم عن ملك البلاغة الذي ملك من درّ القول ما ملك، وترك لغيره من مخشلبه ما ترك، وأما فقده، حرسه الله تعالى، وهو بدمشق الفواكه الفتحية، فقد وقف المملوك على ما تضمنته تلك التحية، وهزّت منه عطفاً لتلك الأريحية، وإنما يجتني كما قال المقرّ الشهابي حرسه الله تعالى من غرس بدا صلاحه، ورُوِّضُ فلاحُه، وتفتح زهره فراق اختتامه بالمسك وافتتاحه، المملوك يلتمس التشريف بخدمه ومراسيمه ومهمّاته، والله يحرسه في حركاته وسكناته، إن شاء الله تعالى.


صفحه 223

فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
أهلاً بها من تحية صدرتْ ... عن راحةٍ بالفضائل اشْتهرَتْ
يا حُسن ما سطرتْ أناملها ... ولطف ما نظمَتْ وما نثرَتْ
فضضْنَ عنها ختامَها فإذا ... بالشمس في حضرتي وقد سفرَتْ
فشرّفتْني وشنّفت أذني ... بدرّ ألفاظها التي بهرَتْ
أستغفر الله لو تُقابلها الن ... جومُ خرّت الأرض وانكدرَتْ
ولو درتْ نسمةٌ برقّتها ... جفّت غصون الرّبا إذا خطرَتْ
فليس للمُقلة الكحلية ما ... تفعلُ ألفاظُها التي سحرَتْ
ولا لكأس المُدام نشوتُها ... في أنفسٍ من سُلافها سكرَتْ
للأدب الغضّ في حديقتها ... أزاهر من نداك قد مُطرتْ
بالغتَ في سحرك الحلال فكم ... نظمت زهرَ الدجى وما شعرتْ
وزدتُ لطفاً فهل بعثت بها ... نفحة روضٍ مع الصباح سَرتْ
سبحان مُعطيكَ فطرة غلبتْ ... على بديع الكلام واقتدرَتْ
وراحة ما انطوتْ على قلمٍ ... إلا ووشّتْ مطارِفاً نُشرتْ
من ذا الذي في العُلا يُطاولها ... وهي على ذي المحاسن اقتصرَتْ
لا مُتّعَتْ مُقلتي برؤيتها ... إن نظرت مثلها أو انتظرتْ
مذ برّدتْ حُرقتي تحيتُها ... تلتْ شفاهي الدُعا وما فترتْ
وأصبحت أدمعٌ أكفكِفُها ... يا جيرة الفرات جرتْ
والنفس لم تستعر محبّتكم ... لكنها بالصّبابة استعرتْ
يا سيّد الناس وابنَ سيدهم ... ديارُ مصرَ بفضلكَ افتخرتْ
إذ أنت في ربعها تقوم بحف ... ظ سنّة المُصطفى إذا ذُكرت
هُنّيتَها رتبة ظفرتَ بها ... خُطا بني العلم دونَها قصُرَتْ


صفحه 224

يقبّل الأرض التي مجالس العلم بها مشهودة، وبركاتها مشهورة، وكتب السنّة الشريفة منصوصة، وكتائبها منصورة، ونفائس الآداب بها مسرودة، ونفوس أهلها مسرورة:
فهي أرضٌ تُطاول الأفقَ فخراً ... إذ عليها مَسعاك دون البِقاعِ
والقدم الذي إذا خطت يكاد يسعى إليها المنبر، ويوطئها قدرُها العلي خدّ من فسد ومن برّ، ويمسح أخمصها إذا سعت في المعالي عن برّ عنبر:
قدمٌ تستقلّ نعلَ الثريا ... مذ ترقّت في سامياتِ المساعي
واليد التي لو أرادت لنالت الكواكب، وأخجلت بجودها الغيوث الهوامع والسحب السواكب، وحملت رايات فخارها التي تزدحم تحت ظلها في السيادة مناكب الكواكب:
راحةٌ تشرف الشِّفاهُ إذا ما ... قبّلتْها للفضلِ بالإجماعِ
تقبيل محب ظفر بوصل حبيبه، وأمكنته الفرصة بغفلة كاشحهِ وغيبة رقيبه، فهو يصل القبلة بالقبلة، ويشفع النهلة بالعلة: ويستمر على ولائه الذي:
يراه على طول المدى خير صاحبِ
ويحافظ على دعائه الذي:
به تُعرف العشّاقُ عند الحبائبِ
ويبثّ من ثنائه الذي:
يضوع شَذاه في الصَّبا والجنائبِ


صفحه 225

ويصف أشواقه التي لا يعلم قرارها إلا الذي أوجبَها وقررها، ولا يدري قدرها إلا الذي حكم بها وقدّرها، ولا يعرف ألمها إلا القلب الذي لمّها، ولا يجبر ضيمها إلا الفؤاد الذي ضمّها، فهي الأشواق التي استعارت الجحيمُ استعارَها، ونفتْ عن الجفون قرّتها وعن الجوانح قرارها، وأعدمت النفس في الصباح صلاحها وفي المساء مسارّها.
وحنيني إذا تصدّى لنفسي ... صدّ لهوي عن ارتياد ارتياحي
علّم الوُرقَ حُزنها في الأو ... راقِ تتلوهُ في نواحي النواحي
لا يردّ الجوى اغتباطُ الغتباقٍ ... من حنيني ولا اصطبارُ اصطباحي
يا لها هفوةً مسيري عنكمُ ... قذفَتْ بي الى اطّرادِ اطّراحي
ودرتْ أنني لي الذنبُ في البُع ... دِ فجارَت على اجتراءِ اجتراحي
فآهاً على الديار المصرية وأوقاتها، وسقياً لمعاهد أُنسها لنفسها ولذاتها لذاتها، ورعياً لتلك المنازل التي لا تخرج الأقمار عن هالاتها، وحفظاً لتلك الوجوه التي:
للشمس أضواءٌ على جبهاتها
وشكراً لتلك النفوس التي:
المجد يغلبُها على علاتها
ذُكر الأنام لنا فكن قصيدة ... أنت البديع الفرد من أبياتها
وما أقول بل ما أنتظر إلا نظرة شهابية، ولا أترقب إلا همة عدوية عمرية، تُنقذني من نار هذه الغربه، وتعيدني الى خير عالم وألطف تربه، وتتعطّف على من غدرت به أيامه ولياليه، وأتى كما حكمت عليه الأقدار بذنب عقابه فيه:


صفحه 226

وكأنني بها كما عوّدَتْني ... عطفتْها عليّ تلك المعاطفْ
ثم قالت دعوهُ يحظى بوصلٍ ... إذ له مدةً على الباب واقفْ
فلله عزماتها التي لو شاءت جمعت بين الضبّ والنون، وأبدلت بالمنى موارد المنون، وما ذلك عليها بمشيئة الله تعالى بعزير ولا عتيد، وما هي إلا كلمة تدخل بالمملوك الى دار السعادة كما عوّدت من باب البريد.
وأما المثال العالي أعلاه الله تعالى وجعل القلوب في عليّ قدره تتوالى، فأعود الى وصفه نثراً وأستعير من كلماته في تقريظه درّا، فأقول: إنه اشتمل على المحاسن وغدا أنموذج الجنة التي خمرها مغتال وماؤها غير آسن، تقطر البلاغة من كلمه، وتشفّ الفصاحة من وراء ما سطّر بقلمه، وتغني رياضه الناضرة عن أراك الحمى وعن سلمه، ويهز الواقف على معانيه بالطرف من قرنه الى قدمه، يتحيّر الناظر فيه لتردده بين روض وأفق، ويتخيّر الماهر من لفظه تاجاً لفرقٍ أو قلادة لعنق:
قُل فكمْ من جواهرٍ بنظامِ ... وُدُّها أنها بفيكَ كلامُ
وأما عبودية المملوك التي تقدّمت فوالله ما توهم المملوك أن سيدي، حرسه الله تعالى، يتكلّف لها جواباً، ولا يفتح من بيوت نظمه المَصون لهذه الطارقة باباً. ولو تحقق هذا الأمر لأعطاها حِيلَهُ وحَيلَه وشدّ على شنّ الإغارة على المعاني الجامحة خَيله، وأعمل فكرة في تهذيب ما يهديه حتى يقال: هذا كتاب ليلة وألف ليلة.
ولما كان هذا مقام افتراص، واقتناء لجواهر كلِمِ سيدي واقتناص بعث هذه