سرتْ فعين السرور ما نظرتْ ... في دوحها الأُنس أغصُناً نضرت
ولا نسيم الصبا سرت سِحراً ... إلا كدأب الهجير إذا هجرت
ولا تغنّت في الأيك ساجعةً ... فأطلقت مونعاً ولا أسرت
ولا تثنّى للراح غانية ... أوتارها واللحاظ كم وترت
ولا سمت مُقلةُ المَشوق الى ... لقياك نحو المقام مذ سمرت
يا عجباً من بحار عبرته ... ما أُخمدت ناره التي استعرت
كدّرتْ مذ غبت عنه عشيته ... فيا لأنس نجومه انكدرت
على هواك القلوب قد فُطرت ... لولا تمني لقائك انفطرت
يا مُقلةً مذ غبتم سخنتْ ... هل عشية إن حضرتمُ حضرت
ويا حياةً صفت بقربكم ... هل يُرتجي عودُها وما كدرتْ
يقبّل اليد العالية الصلاحية، لا زالت صالحة الشيم، سافحة الديم بل الباسطة الكريمة، لا برحت واسطة عقد الكرم، بل الأرض المنيفة بحلوله لا فتئت مواطن النعم، ومواطئ أولي الهمم:
تقبيل ملآن الجنا ... ن بحبه دون الأممْ
متندّم لفراقه ... لو كان ينفعه النّدمْ
لو كان يطرقُهُ الكرى ... لكنه لمّا ينمْ
لهفي على عصر به ... ولّى حميداً لم يُذَمْ
شوقي له شوق العلي ... ل لما شفاه من السّقمْ
شُكري له شُكرُ الريا ... ض السحبَ جادت بالدّيم
ذكري لأيام به ... مرت كما مر الحلم
وحلتْ كما مرّت ليا ... لي الشريف بذي سلَمْ
وينهي ورود المشرّفة العالية قدراً، الحالية من البدائع الروائع دراً، المؤتقة في رياض الفصاحة زهراً، المطلعة في سماء البلاغة زهراً، وكلف بها كلف عمرو بعراره، والفرزدق بنواره، وأقسم من طرسها بحمرة الشّفق، ومن نِقْسها بالليل وما وسق، ومن غرر معانيها السامية على غير مُعانيها بالقمر إذا اتّسق لتليت أهل البلاغة، فظلت أعناقهم لها خاضعين، وجليت على أرباب اليراعة وألباب البراعة فقالتا: أتينا طائعين، انقياداً لطفيل أعنيتها، وبترياً من مطاعنة أبي براءٍ ملاعب أسنتها، كل يلمحها بطرف كليل وشخص ضئيل، ويرجع عن مجاراتها بأمل حسير وقلب كسير، فلا يُجري في ميدانها خيل طراده ولو قام مقام قسٍ في إياده، وأين حميمه من حمياها أم أين سهيله من ثرياها، لشد ما ارتفعت منها المطالع وانقطعت دونها المطامع، فما الظن بوحيد يحتاج الى الذمام وربيط في الرّغاب لا عهد له في السرايا ولا أنس له بالدخول في القتام أن يجول في حلبة الرهان أو يَطول الى مقاتل
الفرسان أو يُسابق بسكّيته مجلي الميدان، أو يناطق بباقل من سحب ذيلاً على سحبان، وهل تستفاد تلك المواد من غير ذلك المواد، وهل استولى على أمد تلك الجواد غير ذلك الجواد، وأن يكاثر البحار الزواخر من ورده الثماد، وأن يطاول الأنجم الزواهر من قرارته الوهاد، فما تفوه السليم الصدق إلا بالتسليم لذلك السبق والتعظيم لذلك الحق اعترافاً بما قد حواه رافع ذلك المنار وجامع تلك المبار.
وأما أمره بالمسارعة الى المراجعة والمعاجلة الى المساجلة وما غادره لغيره من متردّم، ولو شنّ على الآداب إغارة ربيعة بن مكدم، فلم يرجع المملوك الى جواب ينجده وخطاب يسعفه بالمراد ويسعده إلا التمثل بقول القائل:
وأخذْتَ أطرافَ الكلام فلم تدعْ ... قولاً يُقالُ ولا بديعاً يُدّعى
وأما تمثيله ببيت أبي العلاء ما هو فيه من علو المكان لإنابته ابن عمه الحصى عن المرجان فما مكاثره بالأدب، وعيونه تنسل إليه من كل حدب إلا المكاثر بياءَي أنيسيان بل لعله حرسه الله تعالى عنّ له المرور ببلاد ابن عنين بلاد بها الحصباء درّ أو ثنى عنانه الى منزل ابن اللبّانة:
نزلنا بكافورٍ وتبرٍ وجوهرٍ ... يُقال له الحَصباءُ والرملُ والترْبُ
أو أجتاز بنهر أخي مناز وحصاهُ تروع حالية العذارى، فورده وأمواجه تطرد، إما يرد أو يبترد، لكنه عاكسهم في التشبيه، ونافسهم في التمويه، فاستعبد كلامهم كلامه الحُرّ، وكان ما جاء به من الحصى أنفس مما جاؤوا به من الدرّ، فتأخّروا وإن تقدّموا، وتقدّم وإن تأخر، وكانت بدائهه لبدائه سواه تسحر، وبدائعه من بديع سواه تسخر.
وأما تشبهه بالهمة الشهابية وتشوّفه الى الهمة العدوية فلابد بمشيئة الله تعالى أن تعدّى العدوية قربه على بعاده، وتعمر العُمرية أرجاء رجائه بعوده الى معاده، والقطر يسبق الدين السواجم، والزهر يعبق وما انشقّت عنه الكمائم:
وإن رجاءً كاملاً في جميلةٍ ... لكَالمالِ في الأكياس تحت الخواتمِ
والله يعمر ببقائه أنداءَه، ويسرّ بلقائه أوداءَه بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
وكتبت أنا إليه من دمشق في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة:
يا عذولاً في لومه قد تفصّح ... ويرى أنه بذاك تنصّحْ
ليس عندي من الجوى بي جوابٌ ... هذه أدمعي تقول وتشرح
قف على غير مسمعي واسأل الصّب ... رَ فما عنده سوى الله يفتحْ
كم ينادي السلو بالحرب أولى ... وينادي الغرام بالصلح أصلحْ
قِستُ بين السلو والوجد حتى ... صحّ أن الغرام أرجى وأرجح
كيف صبري عن أرض مصرٍ وفيها ... لي قوم أسمى الأنام وأسمح
لو تعاطي الجبالُ كأس حديث ... عنهم مال عطفُها وترنّح
هات قل لي من أين تلقى لفتح الد ... ين مثلاً إن كنت للحقّ تجنح
خادمٌ سنّة النبي وهذا ال ... فضل أنجى يوم الحساب وأنجحْ
كلما خط باليراع حديثاً ... كبّر الله في الطّروس وسبّح
إن تقسْ خطه بروض نديّ ... صحّ هذا وجفّ ذاك وصوّح
كل عين كأنها طرفُ حبٍ ... ما توقّى الفؤاد لما توقحْ
أي قلب بالحزن والهم يصدا ... وحمام الأسجاع فيه يصدحْ
بنظامٍ كالدر لما تنقى ... ومعانٍ كالسحر لما تُنقّح
لو يجاري برقَ الدُجى ما تنحّى ... أو يباري قس النهى ما تنحنح
لا أكفر قولي إذ قلت دهري ... قد توشى من فضله وتوشح
ما رياضُ قضيبها قد تلوى ... فيه زهرٌ يُزهى بلونٍ تلوّح
جاد قطرُ الندى بها وتفتّى ... وغدا وردٌ نصبُها قد تفتّح
مثل أخلاقه التي قد حواها ... بل أراها بالحُسن أملى وأملحْ
قوبلت نسخةُ المعالي عليها ... وأجاز الجمال ذاك وصحّحْ
آه وا وحشَتا لذاك المُحيّا ... والسجايا التي أبرُّ وأوضحْ
لا أرى في الزمان أسعدَ ممّنْ ... قد تمسى بوجهه وتصبّحْ
فكتب الجواب عن ذلك:
صادحاتُ الحمام في الدوح تصدحْ ... بغرامي فالعين للبين تسفحْ
رجّعت شدوها فبرّح بي شو ... قٌ مقيم لظاعنٍ ليس يبرحْ
فرّقت بيننا صُروف الليالي ... فهل الدهرُ بالتواصلِ يسمح
فتنادي بك المنى من قريب ... بعد قفرٍ من التباعد أقبح
إن لي مطمعاً بقربك يأسو ... ما غدا الناس بالتباعد يجرح
كلما شام بارقُ الشام طرفي ... قلت شوقاً لوصلك: الله يفتحْ
ولقلبي منه خُفوقٌ ونارٌ ... ولطرفي منه سحائب سُيَّحْ
يا صلاح الدين الذي فاقَ أهل ال ... عصر حلما عنه الرواسي تزحزح
وبليغاً ما رام يأتيه عفواً ... وفصيحاً ما احتاجَ أن يتفصّح
لو رآه غيلانُ قصّر عن قص ... دِ بلالٍ وصدّ عن زجرِ صيدح
وفّر النفس عن منى كل وفر ... ورأى العِلمَ منه أرجى وأرجح
وغذاء الأرواح أشرف مما ... تغتذيه الأجسام قدراً وأصلح
سبّح الله من رآكَ إماماً ... كم له في بحار علمك مسبحْ
حائزاً من بدائع بني هلالٍ ... سحرَ نثرٍ بدُرِّ خطٍ موشّح
كعلي وضعاً ورقّة إبْرا ... هيم طبعاً بل أنت أسمى وأسمح
يا خليل الآداب ما اختلّ منها ... فالصحيح الذي عليك يصحَّح
كم على الدهر من حُلالها جمالٌ ... ما لمسرى مؤمِّلٍ فيه مسرح
سمطها فائزٌ بدُرِّ معانٍ ... سقطُها من زِناد فكركَ يقدح
كلّ عذراء تسبي كل لبٍ ... بسنا عن سناءِ علمك يُلمح
زارت الصبِّ في ليالٍ من البُع ... دِ فلما دنت رأى الصبح أصبحْ
قلدت بالعقيان سحر بيانٍ ... ليس فيه للفتح بعدك مطمحْ
ختم النّظمُ منك بحر قريضٍ ... ما أراهُ من بعدِ ختمك يُفتح
وكتب هو إلي رحمه الله تعالى وأنا بصفد في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة:
سُررتم فإني بعدكم غير مسرور ... وكم لي على الأطلال وقفة مهجورِ
ولا حسَّ إلا حس صائحة الصّدى ... ولا أُنسَ إلا أنس عيسٍ ويعفور
فيا وحدةَ الداعي صداهُ جوابهُ ... ويا وحشةَ الساعي الى غير معمورِ
إذا قلت سيري قال سيري مُحاكياً ... وإن قلتُ زُوري قال لي مثلها زُوري
وما سرّني بالقُرب أني استزرتُها ... ولا ساءني بالبُعدي قولي لها سيري
فيا ويحَ قلبي كم يعلّله المُنى ... علالةَ دُنيا استعبدت كل مغرور
تواصل وصل الطيف في سنة الكرى ... ولست إذا استيقظتَ منه بمحبور
وتدنو دنوّ الآلِ لا ينقعُ الصّدى ... وتخلبُ آمالاً بخُلّبها الزورِ
تُنيل المُنى من سالمَتْهُ خديعةً ... وتُعقب من نيل المنى كل محذور
فدعها وثق بالله فالله كافلٌ ... برزقك ما أبقاك وارضَ بمقدور
وكن شاكراً يسراً وبالعُسر راضياً ... فأجرُ الرضا والشكرِ أفضلَ مذخورِ
فكتبت أنا الجواب عن ذلك:
هل البرقُ قد وشّى مطارفَ ديجورِ ... أو الصبحُ قد غشّى دُجى الأفقِ بالنورِ
وهل نسمةُ الأسحار جُرّت ذيولُها ... على زهر روضٍ طيّب النشر ممطورِ
وهيهاتَ بل جاءتْ تحيةُ جيرةٍ ... الى مُغرمٍ في قبضة البعد مأسورِ
أتته وما فيه لعائد سُقمه ... سوى أنه تنبثّ من قلب مصدورِ
فلما تهادت في حُليّ فصاحة ... من النظم عن سحر البلاغة مأثور
أكبّ على تقبيلها بعد ضمها ... الى خاطرٍ من لوعة البين مكسور
وأجرى لها دمع المآقي ولم يكن ... يقابل منظوماً سواه بمنثور
فأرشفه كأسَ السُلاف خطابُها ... وغازله من لحظها أعينُ الحورِ
فكم حكمةٍ فيها لها الحكم في النهى ... وكم مثلٍ في غاية الحسن مشهورِ
يرى كل سطر في محاسن وضعه ... كمسكِ عذارٍ فوقَ وجنةِ كافورِ
فلا ألفٌ إلا حكت غُصنَ بانةٍ ... وهمزتُها من فوقها مثلُ شُحرور
فأصلح لا يثني الى الأرض جيدَهُ ... غراماً ولم يعدِل بها وردةَ الجوري
وقد كانت الأطماع نامت لياسها ... فلما أتت قال الغرامُ لها ثوري
وزادت جفون العين سُهداً كأنما ... حبَتْها بكحل منه في الجفن مذروري
وكان الدجى كالعام فاحتقرتْ به ... وقالت له ميعادُك النفخُ في الصور
ولا ترضَ من نار الحشا باتقادها ... فقد قذفتْ في كل عضو بتنور
وما شكرتْ عيني على سفحِ عبرتي ... على أن محصول البُكى غير محصور
وقالت أما نحيا الدموع لشدة ... فدعها تفِضْ من زاخرِ اللّج مسجور
ولو كنتُ ألقى في البُكا فرجاً لما ... مضى اليوم حتى كنتُ أولَ مغرور
ولو كنت ألقى الصبر هانت مصيبتي ... ولكنه للحظّ في غير مقدور
فإن تبعثوا لي من زكاة اصطباركم ... فإني لما تهدونه جدُّ مضرور
سلوا الليل هل آنستُ فيه برقدة ... فما هو ممن راح يشهدُ بالزورِ
فكم لي فيه صعقةٌ موسويةٌ ... وللقلب من تذكاركم دكةُ الطور