بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 237

مرسوماً. لقد آل فضل الكتاب إليها وآلى فصل الخطاب لا وقف إلا بين يديها، لقد صدرت عن رياض الأدب فجنَت زهره اليانع، لقد أخذت بآفاق سماء البلاغة فلها قمراها والنجوم الطوالع، لقد أفحمت قائلة:
مَن يُساجلُني يُساجل ماجداً ... يملأ من آدابه كلَّ ذَنوبِ
لقد حسُنَت حتى كأن محاسناً ... تقسّمها هذا الأنام عيوبُ
هي الشمس تدنو وهي ناءٍ محلّها ... وما كلُ دانٍ للأنام قريبُ
تخطّت الى الحُضْر الجيادَ نباهةً ... وهيهات من ذاك الجناب جنيبُ
وحيّت فأحيت بالأماني متيّماً ... حبيبٌ إليه أن يُلمّ حبيبُ
يذكّرني ذاك الجمال جمالها ... فليلي كما شاء الغرامُ رحيبُ
وما لي إلا أنةٌ بعد أنةٍ ... وما لي إلا زفرةٌ ونحيبُ
حنيناً لعهدٍ غادر القلب رهنه ... وعلّم دمعَ العين كيف يصوبُ
وذكرى خليلٍ لم يغبْ غيرُ شخصه ... وفي كل قلبٍ من هواهُ نصيب
ولولا حديثُ النفس عنه بعودِه ... وأن المنى تدعو به فيجيب


صفحه 238

لما استعذب الماء الزلال لأنه ... إذا مازج الماء الزلال يَطيبُ
فبادرها المملوك لبنائها متعرفاً، وبأرحبها متعرفاً، وبولائها متمسكاً وبثنائها متمسكاً، شوقاً إليها لا يبيد ولو عمّر عمر لبيد، واقفاً على آمال اللقاء وقوفَ غيلان بدار ميّة، عاكفاً على أرجاء الرجاء عكوف توبة على حب ليلى الأخيلية، والله يتولاه في حالتيه ظاعناً ومقيماً، ويجعل السّعد له حيث حلّ خديناً والنُجْحَ خَديماً، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
تنوحُ حماماتُ اللوى فأَجيبُ ... ويحضُرُ عندي عائدي فأغيبُ
وقد ملّ فرشُ السّقْم طولَ تقلّقي ... عليه بجنبي إذ تهبُّ جَنوبُ
ولما بكتْ عيني نواكَ تعلّمتْ ... دموعُ السّحاب الغرّ كيف تصوبُ
أيا برقُ إن حاكيتُ قلبي فلم يكن ... لنارِكَ مع هذا الخفوقِ لهيبُ
ويا غيثُ إن ساجلْتَ دمعي فإنه ... يفوتك مع ذا أنةٌ ونحيبُ
ويا غصنَ إن هزّت معاطفك الصّبا ... فما لك قلبٌ بالغرام يذوبُ
إذا جفّ جفني ذاب قلبي أدمُعاً ... فلله قلبٌ عاد وهو قليبُ
أبيتُ بجفنٍ ليس يعرفُ ما الكرى ... وأيُ حياةٍ بالسهاد تطيب
وقلبٍ إذا ما قرّ عادتْهُ لوعةٌ ... فيعروه من بعد القرار وجيبُ
ألا إنّ دهراً قد رماني بصَرفِهِ ... لدَهْرٌ إذا فكرت فيه عجيب
ويكفي أني بين أهلي ومعشري ... وصحبي لبُعدي عن حِماك غريبُ


صفحه 239

يقبّل الأرض وينهي ورود المثال الذي تصدّق به مولانا منعماً، وأهده خميلةً فكم شفى زهرُها المنعّم من عمى، وبعثه قلادة فكم أزال درّها المنظّم من ظمأ وأقامه حجة، على أن مُرسله يكون في الإحسان والآداب مالكاً ومتمِّماً، فبلَلْتُ برؤيته غلة الظّمأ البَرْح، وعاينت ما شاده من بنيان البيان، فقلت لبلقيس عيني ادخلي الصّرح، وقمت من حقوقه الواجبة عليّ بما يطول فيه الشرح، وتلقّيته بالضمّ الى قلب لا يجبر منه الكسر غير الفتح، وأسمَت ناظري من طرسه في روضهِ الأُنُف، وقسمت حليّه على أعضائي فللجيد القلائد وللفرق التيجان وللأذن الشُنُف، ووردت منهله الصافي والتحفت بظله الضّافي، واجتليت من وجهه بشراً قابله الشُكر بالقلم الحافي، وعكفت منه على كعبة الفضل فلله ما نشر في استلامي وطوى في طوافي، وكلّفت قلبي الطائر جواباً فلم تقوَ القوادم وظهر الخواء في الخوافي، وقلت هذا الفنّ الذي ما له ضريب، وهذا وصل الحبيب البعيد، قد نلته برغم الرقيب القريب:
فيا عينيّ بِيتا في اعتناقٍ ... ويا نومي قدمْتَ على السّلامهْ


صفحه 240

وأقسم أن البيان ما نكّب عما دبّجه مولانا ونكّت، ولا أجراه الله على لسانه إلا لما سكّت البلغاء وبكّت، ولا آتاه هذه النقود إلا وقد خلّصت القلوب من رقّ غيره وفكّر، ولا وهبه الله هذه الكلم الجوامع إلا أن الأوائل أحسوا بطول رسائلهم فقطّعوها من حيث رقّت، والصحيح من حيث ركّت، فما كل كاتب يده فم ولسانه فيه قلم، ولا كل متكلم حُش بيانه تأتّم الهداة به كأنه علَم، ولا كل بليغ إذا خاطب الوليّ كلاً أو كلّم العدوّ كلَمْ، لأن مولانا حرسه الله تعالى لا يتكلّف إذا أنشا، ولا يتخلّف إذا وشّى، والسّجع أهون عنده من النفس الذي يردده أو أخف، والدرّ الذي يقذفه من رأس قلمه أكبر من الدرّ الذي في قعر البحر وأشفّ، وإذا راضَ قلمه روّض الطّروس من وقته، وإذا أفاض كلمَهُ فوّض البيان أمر مقته ومِقته، وما كلمُه إلا بحر، والقوافي أمواج، وما قلمه إلا ملك البلاغة فإذا امتطى يده ركضت به من الطّروس على حلل الديباج، فلهذا أخملت رسائله الخمائل، وتعلّمت منها الصّبا لطف الشمائل، وأخذت بآفاق البلاغة فلها قمرها الطوالع ولغيرها نجومها الأوافل، وانتقت أعالي الفضائل، وتركت للناس فضالة الأسافل:
وهذا الحقّ ليس به خفاءٌ ... فدعني من بُنيّات الطريقِ
فأما درّه الذي خرطه الجناس في ذلك السلك فما أحقّه وأولاه بقول ابن سناء الملك:


صفحه 241

فذا السّجعُ سجعٌ ليس في النثر مثله ... وهذا جناسٌ ليس يُحسنُهُ الشعر
فلو رأى الميكالي نمطه العالي وتنسّم شذى غاليته العزيز الغالي لقال عطّلت هذه المحاسن حالي الحالي وكنت من قبلها ما أظن اللآلئ إلا لي، ولو ظفر الحظيري بتلك الدّرر حلّى بها تصنيفه، ولو بلغ العماد الكاتب هذه النكت رفعها على عرشه وعوّذها بآية الكرسي، ودخل دار صمته وأغلق باب الفتح القُدسي، فعينُ الله على هذه الكلم التي نفثت في العُقَد، وأيقظت جدّ هذا الفن الذي كان قد رقد، فقد أصاب الناس بالسهام، وأصبْتَ أنت بالقرطاس، وجاؤوا في كلامهم بالذاوي الذابل وجئت أنت بالغضّ اليانع الغِراس، وأبعدت أنت في مَرمى هذا الفن فقاربوا، ولكن أين الناس من هذا الجناس، وسبقت الى الغاية، ولو وقفت ما في وقوفك ساعةً من باس، وقد قيل: بُدئ الشعر بأمير وخُتم بأمير، يريدون امرأ القيس وأبا فراس، وكذا أقول بدئ بالبُستي وخُتم بمولانا، وكلاكما أبو الفتح فصحّ القياس.
وقد أثنيت على تلك الروضة ولو وفّقت لانثنيت وما أثنيت، ووقفتُ عند


صفحه 242

قدري فما أجبت، ولكن اتّقحت وما استحيَيت، على أني لو وجدت لساناً قائلاً لقلت، فإني قد وجدت أول البيت وقد شغل وصف مثال مولانا عن شكوى حال المملوك الشاقة، وأرجو أنني أوصيها شفاها إما في الدنيا وإما في يوم الحاقة:
إن نعِشْ نلتقي وإلا فما ... أشْغل مَن مات عن جميع الأنامْ
قلت: كأن هذه الخاتمة كانت مني فألاً عليه، فإنا لم نلتق، وحالت المنية بينه وبين الجواب، والمرجو من الحلم الكريم أن يجمعنا في دار كرامته ورحمته.
وأنشدني رحمه الله تعالى من لفظه لنفسه ما كتبه الى ابن عمه:
تمنّاها وما عقدَ التّمائمْ ... وشابُ وحبُها في القلب دائمْ
وحكّم لحظها فقضى عليه ... فأين مجيره من جور حاكمْ
وطارحها الغرام به فقالتْ ... علمتُ فقال ماذا فعلُ عالم
معلله المتيّم والغواني ... حبالُ وعودها أبداً رمائم
أما لي في وصالك من نصيب ... ولا لك في عذابي من مساهم
ولا لي ملجأ في الخطب إلا ... سليلُ الملك ذو المنن الجسائم
الى ابنِ أبي الحسين الحُسنُ يُعزى ... وثغر الجود عن جدواه باسم
هُمامٌ بالحروب له اهتمامٌ ... بفتكٍ في العِدا لا في الغنائم
فيُعمل رأيه الماضي شباه ... إذا نبت الأسنّة واللهاذم
ويثبت حيث مُشتجر الغوالي ... ويمضي حيثُ لا يمضي الصوارمْ


صفحه 243

ويأمن عنده اللاجي إليه ... ولو حفّتْ بمهجته الضّراغم
ويقصده السليم فلا يُبالي ... بما أعياه من سمّ الأراقمْ
وهي طويلة، وهذا القدر منها كاف.
وأنشدني من لفظه لنفسه غير مرة:
فقري لمعروفك المعروفِ يغنيني ... يا مَن أرجّيه والتقصيرُ يرجيني
إن أوبَقَتْني الخطايا عن مدى شرفٍ ... نجا بإدراكه الناجون من دوني
أو غضّ من أملي ما شاءَ من عملي ... فإنّ لي حسنَ ظن فيك يكفيني
وأنشدني من لفظه لنفسه:
صرفت الناس عن بالي ... فحبلُ ودادهم بالي
وحبلُ الله معتصمي ... به علّقتُ آمالي
ومَن يسلِ الورى طُرّاً ... فإني عنهمُ سالي
فلا وجهي لذي جاهٍ ... ولا ميلي لذي مالِ
وأنشدني من لفظه لنفسه:
عذيري من دهرٍ تصدّى معاتباً ... لمستمنح العُتبى فأقصدَ من قصدْ
رجوتَ به وصلَ الحبيب فعندما ... تبدّى له المعشوقُ قابله الرصَدْ
وأنشدني من لفظه لنفسه ملغزاً في قراقوش:
ظبيٌ من التُرك هضيم الحشا ... مهفهفُ القدّ رشيقُ القوامْ
للطّرفِ من تذكاره عبرةٌ ... والقلب شوقٌ أرّق المُستهامْ


صفحه 244

وأنشدني إجازة، ومن خطه نقلت:
إن غضّ من فقرنا قومٌ مُنحوا ... وكل حزبٍ بما أوتوهُ قد فرحوا
إن هم أضاعوا لحفظ المال دينهمُ ... فإنهم خسروا أضعاف ما ربحوا
وأنشدني في لفظه لنفسه:
يا بديع الجمال شُكرُ جمالُكْ ... أن توافي عشّاقه بوصالكْ
لِنتَ عطفاً لهم وقلبُك قاسٍ ... فهم يأخذون من ذا لذلكْ
غير أن الجمال أولى بذا الحُس ... نِ ومَن للبدور مثل كمالك
قابلتْ وجهك السماءُ فشكل ال ... بدر ما في مرآتها من مثالكْ
مثّلتُه لكن رسوم صداها ... كلّفته فقصّرتْ عن مثالِكْ

محمد بن محمد بن يوسف
ابن نصر، صاحب الأندلس أمير المسلمين أبو عبد الله بن الأحمر الخزرجي.
كان ملكاً جميلاً نبيهاً نبيلاً حسن السياسة ظاهر الرياسة، عاقلاً وقوراً، فاضلاً يرسل من ذهنه على صيد المعاني صقوراً، متظاهراً بالدين متجاهراً بقمع الملحدين، له نظم أرق من هبّة نسيم سحَرْ، وأخلب من لحظ غادة إذا رمق وسحر.