فذا السّجعُ سجعٌ ليس في النثر مثله ... وهذا جناسٌ ليس يُحسنُهُ الشعر
فلو رأى الميكالي نمطه العالي وتنسّم شذى غاليته العزيز الغالي لقال عطّلت هذه المحاسن حالي الحالي وكنت من قبلها ما أظن اللآلئ إلا لي، ولو ظفر الحظيري بتلك الدّرر حلّى بها تصنيفه، ولو بلغ العماد الكاتب هذه النكت رفعها على عرشه وعوّذها بآية الكرسي، ودخل دار صمته وأغلق باب الفتح القُدسي، فعينُ الله على هذه الكلم التي نفثت في العُقَد، وأيقظت جدّ هذا الفن الذي كان قد رقد، فقد أصاب الناس بالسهام، وأصبْتَ أنت بالقرطاس، وجاؤوا في كلامهم بالذاوي الذابل وجئت أنت بالغضّ اليانع الغِراس، وأبعدت أنت في مَرمى هذا الفن فقاربوا، ولكن أين الناس من هذا الجناس، وسبقت الى الغاية، ولو وقفت ما في وقوفك ساعةً من باس، وقد قيل: بُدئ الشعر بأمير وخُتم بأمير، يريدون امرأ القيس وأبا فراس، وكذا أقول بدئ بالبُستي وخُتم بمولانا، وكلاكما أبو الفتح فصحّ القياس.
وقد أثنيت على تلك الروضة ولو وفّقت لانثنيت وما أثنيت، ووقفتُ عند
قدري فما أجبت، ولكن اتّقحت وما استحيَيت، على أني لو وجدت لساناً قائلاً لقلت، فإني قد وجدت أول البيت وقد شغل وصف مثال مولانا عن شكوى حال المملوك الشاقة، وأرجو أنني أوصيها شفاها إما في الدنيا وإما في يوم الحاقة:
إن نعِشْ نلتقي وإلا فما ... أشْغل مَن مات عن جميع الأنامْ
قلت: كأن هذه الخاتمة كانت مني فألاً عليه، فإنا لم نلتق، وحالت المنية بينه وبين الجواب، والمرجو من الحلم الكريم أن يجمعنا في دار كرامته ورحمته.
وأنشدني رحمه الله تعالى من لفظه لنفسه ما كتبه الى ابن عمه:
تمنّاها وما عقدَ التّمائمْ ... وشابُ وحبُها في القلب دائمْ
وحكّم لحظها فقضى عليه ... فأين مجيره من جور حاكمْ
وطارحها الغرام به فقالتْ ... علمتُ فقال ماذا فعلُ عالم
معلله المتيّم والغواني ... حبالُ وعودها أبداً رمائم
أما لي في وصالك من نصيب ... ولا لك في عذابي من مساهم
ولا لي ملجأ في الخطب إلا ... سليلُ الملك ذو المنن الجسائم
الى ابنِ أبي الحسين الحُسنُ يُعزى ... وثغر الجود عن جدواه باسم
هُمامٌ بالحروب له اهتمامٌ ... بفتكٍ في العِدا لا في الغنائم
فيُعمل رأيه الماضي شباه ... إذا نبت الأسنّة واللهاذم
ويثبت حيث مُشتجر الغوالي ... ويمضي حيثُ لا يمضي الصوارمْ
ويأمن عنده اللاجي إليه ... ولو حفّتْ بمهجته الضّراغم
ويقصده السليم فلا يُبالي ... بما أعياه من سمّ الأراقمْ
وهي طويلة، وهذا القدر منها كاف.
وأنشدني من لفظه لنفسه غير مرة:
فقري لمعروفك المعروفِ يغنيني ... يا مَن أرجّيه والتقصيرُ يرجيني
إن أوبَقَتْني الخطايا عن مدى شرفٍ ... نجا بإدراكه الناجون من دوني
أو غضّ من أملي ما شاءَ من عملي ... فإنّ لي حسنَ ظن فيك يكفيني
وأنشدني من لفظه لنفسه:
صرفت الناس عن بالي ... فحبلُ ودادهم بالي
وحبلُ الله معتصمي ... به علّقتُ آمالي
ومَن يسلِ الورى طُرّاً ... فإني عنهمُ سالي
فلا وجهي لذي جاهٍ ... ولا ميلي لذي مالِ
وأنشدني من لفظه لنفسه:
عذيري من دهرٍ تصدّى معاتباً ... لمستمنح العُتبى فأقصدَ من قصدْ
رجوتَ به وصلَ الحبيب فعندما ... تبدّى له المعشوقُ قابله الرصَدْ
وأنشدني من لفظه لنفسه ملغزاً في قراقوش:
ظبيٌ من التُرك هضيم الحشا ... مهفهفُ القدّ رشيقُ القوامْ
للطّرفِ من تذكاره عبرةٌ ... والقلب شوقٌ أرّق المُستهامْ
وأنشدني إجازة، ومن خطه نقلت:
إن غضّ من فقرنا قومٌ مُنحوا ... وكل حزبٍ بما أوتوهُ قد فرحوا
إن هم أضاعوا لحفظ المال دينهمُ ... فإنهم خسروا أضعاف ما ربحوا
وأنشدني في لفظه لنفسه:
يا بديع الجمال شُكرُ جمالُكْ ... أن توافي عشّاقه بوصالكْ
لِنتَ عطفاً لهم وقلبُك قاسٍ ... فهم يأخذون من ذا لذلكْ
غير أن الجمال أولى بذا الحُس ... نِ ومَن للبدور مثل كمالك
قابلتْ وجهك السماءُ فشكل ال ... بدر ما في مرآتها من مثالكْ
مثّلتُه لكن رسوم صداها ... كلّفته فقصّرتْ عن مثالِكْ
محمد بن محمد بن يوسف
ابن نصر، صاحب الأندلس أمير المسلمين أبو عبد الله بن الأحمر الخزرجي.
كان ملكاً جميلاً نبيهاً نبيلاً حسن السياسة ظاهر الرياسة، عاقلاً وقوراً، فاضلاً يرسل من ذهنه على صيد المعاني صقوراً، متظاهراً بالدين متجاهراً بقمع الملحدين، له نظم أرق من هبّة نسيم سحَرْ، وأخلب من لحظ غادة إذا رمق وسحر.
وكان قد قرأ العربية على الأستاذ أبي الحسن الأُبّذي وراح وهو على طريقه يحتذي.
ولم يزل على حاله الى أن خانه زمانه، وغدر به سلطانه، فخُلع ثم غُرِّق، ووزع سعده وفُرّق، وذلك في سنة تسع وتسعين وست مئة.
وكان قد بويع السلطان أبو عبد الله بعد والده سنة إحدى وسبعين وست مئة، فتملك ثمانية أعوام، ثم إنه وثب عليه أخوه أبو الجيوش نصر، وظفر به وسجنه مدة، ثم جهّزه الى بلده شلوبينيّة، فحبسه بها الى أن تحرّك على نصر ابنُ أخته الغالب بالله وطلب نصر أخاه المخلوع الى غرناطة فجعله عنده بالحمراء في بيت أخته، ومرض أبو الجيوش نصر، فأغمي عليه ثلاثة أيام، فأحضر الكبراء أخاه ليملّكوه، فلما عوفي أبو الجيوش تعجّب من مجيئه وأخبر فغرّقه خوفاً من شهامته، وكان خلعُهُ وتغريقه في السنة المذكورة.
أخذرني من لفظه شيخنا الإمام العلامة أثير الدين قال: رأيته بغرناطة مراراً بالمصلى، وأنشدته قصيدة امتدحته بها، وحضرت عنده إنشاد الشعراء في بعض أعياده، ويُذكر أن له نظماً، وقد اشتهر عنه وهو قوله يخاطب وزيره أبا سلطان عزيز بن علي الداني:
تذكّر عزيز ليالينا ... وأُنسا نعاطي على الفرقدينْ
ونحن ندبّر في مُلكنا ... ونُعطى النُضار بكلتا اليدينْ
وقد طلب الصُلح منا اللعي ... ن فما فاز إلا بخفّي حُنين
إذا ما تُكاثر إرساله ... يكون الجوابُ شبا المرهفين
فلمْ لا تشمّر عن ساعدٍ ... وتضرب بالسيف في المغربين
وقد خدمتنا ملوك الزما ... ن وقد قصدتْنا من العدوتين
فنسأل من ربّنا عونَهُ ... على ما نوينا من الجانبين
ومما ذكر عنه قوله:
أيا ربة الحسن التذي أذهبت نُسكي ... على كل حال أنت لابدّ لي منكِ
فإما بذُلٍ وهو أليقُ بالهوى ... وإما بعزّ وهو أليقُ بالملكِ
انتهى.
قلت: وقد نظمت جوابه كأني حاضره في وزنه ورويّه:
متى لاق بالعُشاق عزٌ وسطوة ... كأنك من ذُل المحبة في شكِّ
تلقَ الهوى مع ما ملكتَ بذلّة ... لتُنظم مع أهل المحبة في سِلكِ
ولكنه ظرّف في كونه قدّم لفظ الذل على العز.
محمد بن محمد بن محمد
ابن محمد بن عبد القادر، الإمام المفتي المدرّس ناصر الدين بن الصايغ الدمشقي.
كان من أعيان الفقهاء وسمع كثيراً ونظر في الرجال، وعني بالمتون، وسمع من
القاضي، والمطعّم، وعدة. وكتب عن شيخنا الذهبي. وقال شيخنا عنه: له عبادة وإنابة وتسنّن.
وتوفي رحمه الله تعالى في طاعون دمشق سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وسبع مئة.
كان مدرّس العمادية.
محمد بن محمد بن محمد
الشيخ الفقيه القاضي فخر الدين أبو عبد الله الشافعي المعروف بابن الصقلّي.
ناب في الحكم بالحكر ظاهر القاهرة الى حين وفاته، وصنّف كتاب التنجيز في تصحيح التعجيز وولي قضاء دمياط.
توفي رحمه الله تعالى في أواخر ذي القعدة سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وقد قارب السبعين.
محمد بن محمد بن محمد
ابن خليفة بن نصر الله القاضي الرئيس الفاضل الكاتب أمين الدين ابن القاضي نجيب الدين بن القاضي كمال الدين بن النحاس.
أتقن القلمين إنشاءً وحساباً، وتجاوز غاية الفنين، فإذا دعاهما أجابا، وكان فيه رئاسة تشرّبها قلبه قديماً، وصحب الناس على اختلاف حالتيه خادماً وخديماً.
ولما كان في ديوان الأمير سيف الدين تنكز رأى من العز والوجاهة والصدارة والنباهة ما فاق به أبناء جنسه، وجنى ثمر غرسه، ونفخ في ضرم الكرم، وأبقى من الثناء ما لا انصرف ذكره ولا انصرم. ثم إن الدهر قلب له المجنّ، وأسدف ليلُ خموله وجنّ، وانحرف عليه مخدومه، وغابت من إقباله نجومه، ثم إنه حنّ عليه بعض حنوّ وأسمى قدره بعض سمو.
ولم يزل في عمالة الخزانة معروفاً بالضبط والأمانة الى أن نحّى النحاس عن الحياة أجلُه، ولم ينفعه ريثه ولا عجله.
وتوفي رحمه الله تعالى فجأة يوم الخميس سابع شهر رجب الفرد سنة سبع وخمسين وسبع مئة.
ومولده في غالب الظن في سنة إحدى وثمانين.
بات ليلة الخميس وأصبح بكرة نهاره، فحكى لبعض أصحابه، قال: رأيت في بارحتي كأني دخلت الحمام ومتّ، وفي البارحة الأولى رأيت مثل ذلك، ثم إنه اشترى لأهله حلوى، لأنه كان ليلة الرغائب، وجهّزها مع أهله الى تربة ولده بالمزة، وقال: أنا العصر عندكم، ثم إنه دخل الحمام وخرج منه، فمات فجأة، وما أذّن العصر إلا وهو عند أهله كما قال، ولكن على النعش.
وكان أول أمره قد توجه مع الأمير سيف الدين طقطاي الجمدار الى نيابة الكرك، ثم إنه عاد واستخدمه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى صاحب ديوانه عوضاً عن القاضي محيي الدين، فصال وجال، وكان له ذكر في دمشق وصيت وسمعة الى أن تغيّر عليه بعد مدة فعزله، وأخذ منه بعض شيء، واستمر في إحدى وظيفتيه