كان مُقرئاً جيداً عارفاً بالقراءات، حسن الصوت، مليح الأداء، أمّ بدار الحديث الأشرفية مدة، وكان الناس يقصدون الصلاة خلفه في التراويح فيمتلئ المكان ويزدحم.
وكان صيّناً ديّناً متواضعاً ظاهر الخير، وتصدّر للإقراء مدة.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة وقد تجاوز الأربعين من عمره.
محمد بن محمود بن سلمان
ابن فهد، القاضي شمس الدين صاحب ديوان الإنشاء بدمشق، وابن شيخنا العلامة شهاب الدين محمود صاحب ديوان الإنشاء بدمشق.
كان ساكناً وادعاً، رادّاً عن الظلم رادعاً، ليس من الشر في شيء وإن هان، ولا عنده كبرٌ ولا له في الملق وجهان. وكان خطه كالقلائد على اللباب، والأزهار إذا كان للنسيم فيها هبات. جمع من إنشاء والده مجاميع، وعلّق أشياء مطابيع:
كأنها من حسنها روضةٌ ... تسرح فيها مُقلةُ الناظر
ولم يزل على حاله الى أن صرعته المنايا، وصدعت شمل حياته الرزايا.
وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر شوال سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده ثامن شوال سنة تسع وستين وست مئة.
وكان يكتب خطاً نقشاً نغشاً مليحاً الى الغاية، وكان كثير التواضع لم يغيره المنصب، وكان الأمير سيف الذي يحبه ويعزه ويكره، ولما جاء والده رحمه الله تعالى الى دمشق صاحب ديوان الإنشاء كان هو حول والده يكتب المطالعة، هو والقاضي شرف الدين أبو بكر ولده، وقد تقدم ذكره، وكان إذا سافر الأمير سيف الدين تنكز الى الصيود يسافر القاضي شمس الدين معه، وتوجه معه الى الحجاز لعجز الشيخ شهاب الدين والده عن حركة السفر. ولما توفي والده رحمه الله في شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مئة كتب فيه تنكز الى السلطان فولاه صحابة ديوان الإنشاء بدمشق على عادة والده، ووصل توقيعه ...
ولم يزل على حاله الى أن توفي في التاريخ المذكور، فما طالت المدة.
ولما مات رحمه الله تعالى رثاه الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة بقصيدة أولها:
أطلق دموعك إن القلب معذورُ ... وإنه بيد الأحزان مأسورُ
وخلّ عينيك يهمي من مدامعها ... درٌ على كاتب الإنشاء منشورُ
يسوءني ويسوء الناس أجمع يا ... بيت البلاغة أن البيت مكسور
في كل يوم برغمي من منازلكم ... ينأى ويذهب محمود ومشكور
خبا الشهاب فقلنا الشمس فاعترضت ... أيدي الردى فزمان الأنس ديجور
آهاً لمنظر شمسٍ لا يُذمّ لها ... بالسعي في فلك العلياء تسيير
منها:
لهفي عليه لأخلاق مهذبة ... سعى الثناء بها والأجر مبرور
تواضعٌ لاسمه منه ازدياد عُلا ... وفي التكبّر للأسماء تصغير
وهمّة بين خُدّام العلا نشأت ... فاللفظ والعرض ريحان وكافور
لا عيب فيه سوى فكر عوائده ... للحمد رقّ وللألفاظ تحرير
حتى إذا لاح مرفوع مدائده ... وراح ذيلُ علاه وهو مجرور
تخيّرته أكفُّ الموت عارفةً ... بنقده وتنقّته المقادير
منها:
والمرء في الأصل فخّار ولا عجب ... أن راح وهو بكف الدهر مكسور
جادت ضريحك شمس الدين سارية ... يمسي صداك لديها وهو مسرور
محمد بن محمود بن معبد
الأمير بدر الدين، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق، وهو أخو الأمير علاء الدين، وقد تقدم ذكره في حرف العين، وأصلهما من بعلبك.
أخذ الأمير بدر الدين هذا العشرة، ثم الطبلخاناه، وكان الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى قد تغير عليه لما تغير على ناصر الدين دواداره، ثم رضي عنه بعد ذلك وولاه الصفقة القبلية، وكانت له نعمة طائلة، وأملاك وسعادة.
وكان يحبّ الفضلاء ويكرمهم، وعلى ذهنه تواريخ الناس ووقائعهم، وعنده
مجلدات في الأدب وغيره، ولم يكن يقدر أحد يحجّه ولا يخصمه إذا سارعه أو حاكمه، وكان شكلاً طويلاً بطيناً دون أخيه علاء الدين.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع وأربعين وسبع مئة، ودفن الى جانب بيته داخل دمشق.
محمد بن مختار
الفقيه الفاضل شرف الدين الحنفي.
كان جيد الذهن، يعرف الهندسة جيداً، وله يد طولى في الهيئة والحساب، وكان في الأصل صائغاً، فتسلط بالصياغة على معرفة كتاب الحيل لبني موسى وكان يصنع بيده أشياء غريبة ويقدّمها للأمير سيف الدين قجليس الناصري، فراج عنده بذلك، وأخذ له فقاهات في المدارس الحنفية. وكانت له يد في المنطق، وكان يجب الأدب، ولم يكن له فيه يد بل ولا ذوق.
اجتمعت به بقلعة الجبل غير مرة وجرت بيني وبينه مباحث أصولية، وكان يميل الى رأي الفلاسفة، وفيه يقول الشيخ شهاب الدين أحمد العسجدي أبياتاً أنشد فيها، منها أولها:
ليس ابنُ مختار في كفر بمختار ... وإنما كُفره تقليدُ كفّار
محمد بن مسعود
ابن أيوب بن التوزي، بالتاء ثالثة الحروف وبعد الواو زاي، القاضي بدر الدين الحلبي، محدث حمص.
طلب الحديث واجتهد، وخرّج لنفسه أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً.
توفي رحمه الله تعالى حادي عشري شهر رمضان سنة خمس وسبع مئة.
ومولده بقلعة حلب سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت الأربعين التي له عليه، وكتبها لي بخطه، وروى لنا عن عبد الله بن النحاس، والصدر البكري، وخطيب مردا، وابراهيم بن خليل، وضياء الدين صقر، والكفرطابي وجماعة.
محمد بن مسعود، صلاح الدين
اجتمعت به غير مرة بالقاهرة وبقلة الجبل، وأنشدني كثيراً من شعره، ومما أنشدنيه من لفظه لنفسه في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة:
صرفُ الزبيبي لصرف همّي ... نص على نفعه طبيبي
آهٍ على سكرةٍ لعلي ... أن أخلط الهمَّ بالزبيبي
محمد بن مسعود بن أوحد بن الخطير
الأمير ناصر الدين بن الأمير بدر الدين، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق، وسيأتي ذكر والده.
كان فيه شمم، وبه عن الخنا صمم، يأخذ نفسه بعظمةٍ زائدة، ويرى أنها على أبناء نوعها سائدة، لا يُذعن لأحد، ولا يذل لكبير اعترف له بالفضل أو جحد. تمتد آماله ولا تقف عند غاية، ويحدّث نفسه بأمور ما لها نهاية. يتجمل في ملبوسه ومركوبه ومسكنه، ويجعل النظافة والصلف من دأبه وديدنه. طويل الروح في المخاصمة لا يرجع عمّن حاوره ولو حزّ غلاصمه، يركب في خدم وحشم وحفدة، ويجمّل الموكب الذي أمّه وقصده.
ولم يزل راقياً في أوج شبابه، صاعداً في معارج عيشه الذي انتهى الى انتهابه، الى أن اخترق حمامُه، وانهدّ بالموت يذبله وشمامه.
وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة الجمعة سادس عشري جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
ومولده بدمشق في سنة ست وعشرين وسبع مئة.
مات والده رحمه الله تعالى وهو أمير عشرة فلم يزل يسعى ويبذل الى أن أخذ إمرة الطبلخاناة بعد توجهه الى مصر، وأخذ لأولاده إقطاعات جياداً في حلقة دمشق، وكان سعيد الحركات مجتهداً في تحصيل الأملاك وغيرها، ويغالي في الخيول والملبوس
وفي رخت الإمرة، ويركب وينزل في جماعة من مماليكه وجنده وأولاده، وكان يمنّي نفسه ويعدها أموراً عالية من الولايات والمناصب، ولو عاش وأمهله الدهر لنال ما يطلب لحُسن تأتيه وجميل سلوكه.
وكان والده رحمه الله تعالى يثق بعقله ويركن إليه دون إخوته، وكان قد رغب الى الأمير سيف الدين تمر المهمندار وخطب منه قطلو ملك ابنة الأمير شرف الدين موسى ابن الأمير علاء الدين علي ابن الأمير سيف الدين منكوتمر، وكتبت أنا الصداق له من رأس القلم وهو: الحمد لله الذي أيّد هذا الدين بناصره، وشيد قواعده بشدّ أواخيه وإحكام أواصره، وخصّه بكرم أبوّته وطيب عناصره.
نحمده على نعمه التي منها الهداية الى اتباع السنة، والعناية بما يؤديه الى سلوك الطرق التي توصل الى الجنة، والرعاية لأعمال تكون النفس بها يوم الفزع الأكبر مطمئنة.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تخفف بين سرادق العرش أعلامها، وتُشرق في الحنادس المظلمة أقمارها، وقد كمل نورها وتمامها، وتورق غصون الإيمان بأدلتها إذا انشقت عن زهرات اليقين أكمامها.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي حضّ على النكاح، وحث على تجنّب
السفاح وحصّ قوادم الباطل، وراش جناح النجاح، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حافظوا على اقتفاء آثاره، وبلغوا الأمة ما وصل إليهم من سُننه وأخباره، وكاثروا النجوم الزاهرة بمهاجريه وأنصاره، صلاة لا تُحط البوارق من رضوانها لثاماً، ولا تشق السوابق من غفرانها غماماً ما عُقد نكاح، وفُقد سفاح، وسلم تسليماً كثيراً الى يوم الدين وبعد: فإن النكاح من مزايا هذه الأمة ومحاسنها التي تجلو بأنوارها الحنادس المدلهمّة، والسنة بذلك طافحة، وفي كل مكان منها نافجة نافحة، فمن ذلك ما هو في بيانه ووضوحه كالعلم، وهو قوله عليه السلام " تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم ".
وكان المقر الكريم العالي المولوي الأميري الناصري محمد بن الأمير المرحوم بدر الدين مسعود بن الخطير ممن طاب فرعاً وأصلاً، وحوى الفضلين حكماً وفصلاً، وحاز المنقبتين قلماً ونصلاً، وتفرّد بالمحاسن التي فضلها للعيان مشهود، وروضها بغمام الكمال مجود، وحوضها لك ناهل مورود، وحديثها في الناس مشهور، وما أصدق من روى حديث ابن مسعود، ومحله في السيادة أثيل وأثير، وباع رمحه في البأس طويل ولسان السيف من غيره قصير ومناقب بيته فعمدة كل خطيب وصفُ بني الخطير:
من النفر الغرّ في قومهم ... فطالوا أصولاً وطابوا جدودا