سمع من يوسف بن المخيلي، وعبد الرحيم بن الطفيل، ومرتضى بن حاتم، وابن المقيّر، وطائفة. وتفرد وعُمّر وكبر وأكثروا عنه، وكان فاضلاً وعنده تشيّع بلا رفض. خدم في ديوان الإنشاء بالقاهرة، وأتى في عمله بما يخجل النجوم الزاهرة، وله شعر غاص على معانيه وأبهج به نفسَ من يعانيه. وكان قادراً على الكتابة لا يمل من مواصلتها، ولا يولّي عن مناصلتها. لا أعرف في الأدب وغيره كتاباً مطولاً إلا وقد اختصره، وزوّق عنقوده، واعتصره، تفرد بهذه الخاصة البديعة، وكانت همته بذلك في بُرْد الزمان وشيعه.
ولم يزل على حاله الى أن خبا من عمره مصباحه ونُسخ بدجا الموت من الحياة صباحه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
ومولده في أول سنة ثلاثين وست مئة.
وكان قد ولي نظر طرابلس، وهو والد القاضي قطب الدين بن المكرم، وقد تقدم ذكره.
وكتب عنه شيخنا الذهبي.
وأخبرني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال: ولد المذكور يوم الإثنين
الثاني والعشرين من المحرم من السنة المذكورة، وهو كاتب الإنشاء الشريف، واختصر كتباً، وكان كثير النسخ، ذا خط حسن، وله أدب ونظم ونثر، قال: وأنشدني لنفسه سادس ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وست مئة:
ضع كتابي إذا أتاك الى الأر ... ض وقلّبه في يديك لماما
فعلى ختمه وفي جانبيه ... قُبلٌ قد وضعتهن تؤاما
كان قصدي بها مباشرة الأر ... ض وكفيك بالتثامي إذا ما
قال: وأنشدني المذكور لأبيه:
الناس قد أثموا فينا بظنهم ... وصدّقوا بالذي أدري وتدرينا
ماذا يضرّك في تصديق قولهم ... بأن نحقّق ما فينا يظنونا
حملي وحملك ذنباً واحداً ثقةً ... بالعفو أجملُ من إثم الورى فينا
وبه الى المكرم:
توهّم فينا الناس أمراً وصمّمت ... على ذاك منهم أنفسٌ وقلوبُ
وظنوا وبعضُ الظن إثم وكلهم ... لأقواله فينا عليه رقيب
تعالي نحقق ظنهم لنريحهم ... من الإثم فينا مرة ونتوب
قلت: هذا معنى مطروق للقدماء. ومنه قول الأول:
قم بنا تفديك نفسي ... نجعل الشك يقينا
فإلى كم يا حبيب ... يأثم القائل فينا
وأخذ هذا من قول القائل:
ما أنس لا أنس قولها بمنى ... ويحَك إن الوشاةَ قد علموا
ونمّ واش بنا فقلت لها ... هل لك يا هند في الذي زعموا
قالت لماذا تُرى فقلت لها ... كي لا تضيع الظنون والتهمُ
وقلت: أنا كأني قد حضرتهما وسمعت خطابهما:
هذا محب وما يخلّصه ... في دينه أن وشاتُه أثموا
فواصليه واصغي لمغلطةٍ ... يقبلها من طباعُهُ الكرمُ
يا ويح وصلٍ أتى بمغلطة ... إن كنت لم ترع عندك الذممُ
ولكن المكرّم في معناه زيادة على من تقدمه، وقوله: ثقة بالعفو من أحسن متممات البلاغة.
وأنشدني شيخنا أثير الدين قال: أنشدنا فتح الدين أبو عبد الله البكري، قال: أنشدنا ابن المكرم لنفسه:
بالله إن جُزت بوادي الأراك ... وقبّلَتْ عيدانُه الخضرُ فاك
ابعث الى المملوك من بعضها ... فإنني والله ما لي سواك
وأنشدت له:
وفاتر الطرف ممشوق القوام له ... فعل الأسنة والهندية القضبِ
في حُسنه الفرد أوصاف مركبة ... الخَلقُ للترك والأخلاق للعرب
قلت: ما أعرف في كتب الأدب شيئاً من المطوّلات إلا وقد اختصره جمال الدين بن المكرم رحمه الله تعالى، فمما اختصره: كتاب الأغاني ورتبه على حروف المعجم، وكتاب الحيوان للجاحظ فيما أظن، واليتيمة للثعالبي، والذخيرة لابن بسام، ونشوان المحاضرة، ومفردات ابن البيطار، واختصر تاريخ ابن عساكر، وتاريخ الخطيب، وذيل ابن النجار عليه، واختصر كتاب التيفاشي وسماه سرور النفس في عشرة كبار، وجمع بين كتاب صحاح الجوهري والمحكم لابن سيده وكتاب الأزهري، فجاء في سبعة وعشرين مجلداً وسماه لسان العرب، وأراني ولده قطب الدين أول النسخة، وقد قرظه من أهل ذلك العصر جماعة يصفونه بالحسن، منهم الشيخ بهاء الدين بن النحاس، والقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، فيما أظن، وشيخنا العلامة شهاب الدين محمود، رحمهم الله أجمعين.
وأنشدني شيخنا العلامة أثير الدين تقريظاً لهذا الكتاب، ورأيته بخطه:
أجَلْتُ لحاظي في الرياض الدمايث ... ونزهت فكري في فنون المباحث
وشاهدت مجموعاً حوى العلم كله ... بأول مكتوب وثانٍ وثالث
فيا حسنه من جامع لفضائل ... جليل على نيل المعارف باعث
لحاز لسان العرب أجمع فاغْتدى ... نهاية مرتاد ومطلب باحث
به أزهرت للأزهري رياضُهُ ... فأنوارها تجلو دياجي الحوادث
وصحت به للجوهري صحاحه ... فلا كسر يعروها ولا نقد عابث
وساد به بين الأنام ابن سيده ... فمحكمُه ما فيه عيث لعايث
وبرَّ ابن بريٍّ وصحّت بنقده ال ... صحاح استقلّت في براثن ضابث
وللجزريّ ابن الأثير نهاية ... إذا قرئت أزرت بسبع المثالث
وكل محل إذ تقادم عهده ... وليس المصلّي في السباق برايث
وإن جمال الدين جمّل كتبَهم ... بإصلاح ما قد أوهنوا من رثائث
لقد فاقهم علماً وزاد عليهم ... وأني يباري الريح عرْجُ الأباعث
تجمّع فيه ما تفرق عندهم ... وأربى عليهم بالعلوم الأثائث
بنثرٍ كشبه الزهر غبّ سمائه ... ونظمٍ كمثل الزهر بالسحر نافث
له قدمٌ في ساحة الفضل راسخٌ ... ومجد قديم ليس فيه بحادث
ونسبة علم كابراً بعد كابر ... فمن خير موروث الى خير وارث
حفيظ لأسرار الملوك أمينها ... عليم بتصريف الخطوب الكوارث
به افتخرت قحطان واشتد أزرها ... وباهت به الأملاك أبناءُ يافث
سقى جدثاً قد حله ابنُ مكرّم ... ملث من الغرّ الغوادي المواكث
ولا برحت روح الجمال مقيمةً ... لعذرٍ لدى الغيد الحسان الأراعث
وأخبرني ولده القاضي قطب الدين أبو بكر رحمه الله تعالى في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل أن والده مات وقد ترك بخطه خمس مئة مجلد.
محمد بن مكي بن....
القاضي الفاضل الشاعر بدر الدين وكيل بيت المال بطرابلس وكاتب الإنشاء بها.
كان من مشايخ الأدب والقائمين بإحياء شعار العرب، له المقاطيع الرائقة، والأبيات الفائقة، وكان يعرف فنوناً أخر، وعلوماً إذا تكلم فيها قلت بحْرٌ زخَر. وكان من رجالات الزمان دُربة ودهاء، وخبرة تباعد منها الجهل وتناءى.
ولم يزل بطرابلس على حاله، الى أن كسف الحِمامُ نورَ بدره وألحفهُ غمامةَ قبره.
ورد الخبر الى دمشق بوفاته في أواخر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، رحمه الله تعالى.
كان يكتب خطاً حسناً، أخبرني قاضي القضاة شرف الدين محمد بن النهاوندي قاضي صفد قال: قال لي: بدر الدين بن مكي بطرابلس: فتحت بدمشق دكان كتبي، وكنت أتّجر فيها، يعني في المجلدات، وأتبلغ من عِرض المكسب فأدّخر من المجلّدات ما أحتاج إليه الى أن حصلت من ذلك ما أردت من الكتب، وفضل لي رأس المال والقوت تلك المدة. أو كما قال.
وقال بدر الدين رحمه الله: كنت أنا وشمس الدين الطيبي نمشي في وحل فقلت:
المشي خلف الدواب صعبٌ فقال: في الوحل والماءِ والحجاره فقلت: لأن هذا له رشاش فقال: وربما تزلق الحماره وأخبرني المولى شرف الدين حسين بن ريان قال: كنت أنا وهو جالسين في مكان فيه شباك بيني وبينه، فلما جاءت الشمس رددته، فقال:
لا تحجب الشمس عن أمرٍ تحاوله ... فإن مقصودها أن تبلغ الشرفا
فقلت:
في الشمس حرٌ لهذا الأمر نحجبها ... وحسبنا البدرُ في أنواره وكفى
وأنشدني من لفظه قال: أنشدني ابن مكي لنفسه:
أهواه كالبدر لكنْ في تبدّله ... والغصن في ميله عن لوم لائمه
سمحٌ بمهجته ما ردّ نائله ... كأنما حاتم في فصّ خاتمه
قلت: معنىً جيدٌ مطبوع، وما أحسن قوله: رد نائله.
ومن شعره أيضاً:
كأن الشمس إذا غرُبت غريق ... هوى في البحر أو وافى مغاصا
فأتبعها الهلال على غروب ... بزورقه يريد لها خلاصا
وكتبت أنا إليه، رحمه الله تعالى في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة في المحرم:
أنفحةُ روضةٍ أم عَرفُ مسك ... يضوع أو الثناء على ابن مكي
إمام في الفتاوى لا يجارى ... وفردٌ في البيان بغير شك
إذا ما خطّ سطراً خلت روضاً ... تبسّم عن غمام بات يبكي
ويحكي نثره درّاً فأما ... إذا حققت ما يحتاج يحكي
له نظم يروق ألذّ وقعاً ... على الأسماع من أوتار جنك
كأن كلامه نفثات سحرٍ ... تغازلني بها لحظات تركي
وآنقُ في النواظر من رياض ... نواضر بل جواهر ذات سلك
لقد فاق الأنام بفضل جود ... وفرط زيادة زِيْنَتْ بنسك
شهدتُ بأنه في الدهر فردٌ ... وقولي فيه لم يحتج مزكي
حملت له لواء ولاء صدقٍ ... لأعرف في الأنام بحمل رنكي
فلو منّ الإله بجمع شملي ... به لعدمت ما بين من تشكّ
يقبّل الأرض لا زالت قبلة الأمل، وكعبةَ العلم والعمل، وروضة الفضل إذا همى، والجود إذ همل، لأن دارها تخجل دارة الحمل، وتربها يفوق الأفق إذ بدره لما كمل نقص، وبدرها ما نقص لما كمل، تقبيلاً يؤدي به الواجب، ويداوي به قلباً سكنه مولانا فإنه كبير وما خرج عن الواجب:
ترابكم وحقّ أبي تراب ... أعزُّ عليّ من عيني اليمين
وينهي الى العلم الكريم بعد الأدعية التي تجر الإجابة برفعها، والعبودية التي أبان المنطق شرف حملها ووضعها، والأثنية التي لا تغرّد الحمائم الصادحة إلا بسجعها:
ومالي لا أثني على وابل الحيا ... إذا الروض أثنى بالنسيم على القطر