بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 277

وكتبت أنا إليه، رحمه الله تعالى في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة في المحرم:
أنفحةُ روضةٍ أم عَرفُ مسك ... يضوع أو الثناء على ابن مكي
إمام في الفتاوى لا يجارى ... وفردٌ في البيان بغير شك
إذا ما خطّ سطراً خلت روضاً ... تبسّم عن غمام بات يبكي
ويحكي نثره درّاً فأما ... إذا حققت ما يحتاج يحكي
له نظم يروق ألذّ وقعاً ... على الأسماع من أوتار جنك
كأن كلامه نفثات سحرٍ ... تغازلني بها لحظات تركي
وآنقُ في النواظر من رياض ... نواضر بل جواهر ذات سلك
لقد فاق الأنام بفضل جود ... وفرط زيادة زِيْنَتْ بنسك
شهدتُ بأنه في الدهر فردٌ ... وقولي فيه لم يحتج مزكي
حملت له لواء ولاء صدقٍ ... لأعرف في الأنام بحمل رنكي
فلو منّ الإله بجمع شملي ... به لعدمت ما بين من تشكّ
يقبّل الأرض لا زالت قبلة الأمل، وكعبةَ العلم والعمل، وروضة الفضل إذا همى، والجود إذ همل، لأن دارها تخجل دارة الحمل، وتربها يفوق الأفق إذ بدره لما كمل نقص، وبدرها ما نقص لما كمل، تقبيلاً يؤدي به الواجب، ويداوي به قلباً سكنه مولانا فإنه كبير وما خرج عن الواجب:
ترابكم وحقّ أبي تراب ... أعزُّ عليّ من عيني اليمين
وينهي الى العلم الكريم بعد الأدعية التي تجر الإجابة برفعها، والعبودية التي أبان المنطق شرف حملها ووضعها، والأثنية التي لا تغرّد الحمائم الصادحة إلا بسجعها:
ومالي لا أثني على وابل الحيا ... إذا الروض أثنى بالنسيم على القطر


صفحه 278

أنه من حين بلغته هذه الفضائل البدرية، والفوائد التي نسماتها سحرية، وكلماتها سحرية، يعتلج في خاطره التطفل على خطابها، والتوصل الى عرائس إنشائها، ليكون من خُطّابها، والوقوف بذلّ التلمذة وفقر الحاجة على بابها، والدخول الى جنّات كرمها وحبّات كرمها ليجني ثمرها متشابهاً، والاعتراف يدفع في صدره ويبجل على قدره باجتلاء ليلة قدره، ويقول له القصور لا تطل فما أنت من سكان هذه القصور، ولا تزد مع نقصك، فما وشاح ألفاظك مما يدور على هذه الحضور، ولا تلح فما غابُ أقلامك مما يصم الليث الهصور:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
فأغفل المملوك مراودته مدة، وكابد من جزم حظه خفضاً لشدته مدّة وشدّة. هذا وغريم الشوق يلح، والإقدام يمرض تارة ويصح، الى أن انتهز فيها فرصة حمل فيها على جيوش الخجل فأمالها، وطعن في صفّ الممانعة برمح قلمه إما عليها وإما لها، فتهجم هذه الخدمة والضراعة، وخدم أسوة الطلبة ليكون من أهل الجماعة:
وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركه في عمري المتقادم
وعطفها على استدعاء جرت العادة به للأصاغر، واستمطر به الإحسان الذي ملأ


صفحه 279

كل كفّ فارغ، وأطبق كل فم فاغر. وسأل صدقات مولانا التي عمّت وما خصت، وشرّعت المكارم للمتأدبين ونصت، الكتابة فيه بالإجازة للمملوك، وإن كان صغير القدر، والإجابة الى ما سأله لعله أن يكون من أهل بدر، فإنه لم يقل إلا علماً بأنه لم يُقَل، ولم يخاطب إلا طمعاً في الجواب الذي هو ألذ من الإغفاء في ساهر المقل، وأن يتصدق فيه بذكر مولده وذكر أشياخه الذين أخذ عنهم ومن رآه واجتمع به من الأعيان الذي إذا قال السائل من هم، كان مولانا منهم، وكتابة ما يراه من مقاطيعه التي هي قطع الرياض، وزهر الغياض، وقطر الحياض، الى غير ذلك مما يقتضيه الرأي الكريم والجود الذي إذا جاد البحر بالدر النثير جاد هو بالدر النظيم، لا زال بابه حرماً وسحابه ينهل كرماً بمنه وكرمه. وجهّزت الاستدعاء. فجاء جوابه بعد مديدة يخبر بوصوله. وإنه عقيب ذلك توجه الى اللاذقية فيما يتعلق بأشغال الدولة، وإنه عقيب ذلك يجهز الجواب، ثم ما لبث أن مرض وجاء الخبر بوفاته رحمه الله تعالى.

محمد بن مكي
الأمير ناصر الدين ابن الأمير مكي.


صفحه 280

توفي والده رحمه الله تعالى في أوائل سنة خمس وسبع مئة، وهو من جملة أمراء الطبلخاناه بدمشق، وإقطاعه إقطاع جيد، فطلبه من الأمير سيف الدين أرغون شاه جماعة، فكتب به لابنه ناصر الدين محمد المذكور، وتقدير عمره عشرون سنة، فجاءه منشوره بذلك، وكان قبل ذلك أمير عشرة، فما متّع بشبابه ولا بالإقطاع.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل شعبان سنة خمسين وسبع مئة.

محمد بن المنجا
ابن عثمان بن أسعد بن المنجّا، الشيخ الإمام العالم الفاضل الصدر الأصيل شرف الدين أبو عبد الله ابن الشيخ العلامة الكبير زين الدين أبي البركات التنوخي الحنبلي.
سمع من الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وابن علان، وابن البخاري، وابن الواسطي وجماعة وحدّث.
وكانت فيه خلالٌ جميلة من العلم والدين والمروءة والشجاعة وعلوّ الهمة والتودد، وقضاء الحقوق.
توفي رحمه الله تعالى رابع شوال سنة أربع وعشرين وسبع مئة، ولم يكمل الخمسين.

محمد بن المنذر
القاضي الرئيس فخر الدين.


صفحه 281

كان أولاً في دمشق يباشر في ديوان الجيوش ولما حضر معين الدين بن حشيش الى دمشق ناظر الجيش عوضاً عن ابن حميد، انتقل القاضي شمس الدين بن حميد الى وظيفته بدمشق، وتوجه ابن المنذر الى طرابلس ناظر الجيش، وأقام بها مدة، وقع بينه وبين نائبها، فتوجه الى مصر وعاد الى مكانه ووظيفته في ذي القعدة سنة أربع عشرة وسبع مئة وأقام بها مدة.
ثم إنه نُقل الى نظر جيش حلب، وأقام هناك مدة عوضاً عن القاضي جمال الدين بن ريان.
ثم إنه توجه الى مصر ووقع منه كلام في حق القاضي فخر الدين ناظر الجيوش بالديار المصرية فجهزه الى صفد ناظر المال، وولده ناظر الجيش بها، فأقام بها مدة، ثم إنه جهز الى طرابلس.
ولم يزل بها الى أن توفي رحمه الله تعالى.

محمد بن منصور بن موسى
الشيخ شمس الدين أبو عبد الله الحاضري الحلبي المقرئ النحوي.
قرأ القراءات على الكمال الضرير، والشيخ علي الدهان، والعربية على ابن مالك جمال الدين، وكان له تصدير في الجامع، وكان متوسطاً في النحو والقراءات.


صفحه 282

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر صفر سنة سبع مئة وكتب في الإجازات.

محمد بن منصور
بن إبراهيم
ابن منصور الحلبي، الإمام العالم الصدر الصاحب بدر الدين الجوهري، نزل الديار المصرية.
سمع من إبراهيم بن خليل بحلب، ومن الكمال العباسي. وابن عزّون، وابن عبد الوارث، والنجيب، وعدة بمصر. وتلا بالروايات على الصفي خليل، وتفقه، وشارك في فضائل.
وكان ينطوي على خير وعبادة ودين، وله جلالة وصورة، ذكر في وقت الوزارة، وكان له خلق حاد، وحدث بدمشق ومصر.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع عشرة وسبع مئة.
محمد بن منصور
القاضي شمس الدين موقّع غزة، أقام بها مدة طويلة يباشر التوقيع وكتابة الجيش، ثم إنه نقل الى توقيع صفد عوضاً عن القاضي بهاء الدين بن غانم لما نقل الى طرابلس في سنة ست وعشرين وسبع مئة، وتوجه الى غزة مكانه القاضي جمال الدين بن رزق الله، ثم إن ابن منصور عمل على العود الى غزة، لأن صفد لم


صفحه 283

توافقه. وكان له في غزة متاجر من الكتّان والصابون وغير ذلك، وحصّل نعمة وافرة ودنيا صالحة. ثم إن الأمير سيف الدين تنكز عزله من غزة بعلاء الدين علي بن سالم، وقد تقدم ذكره في حرف العين، وبقي ابن منصور بطّالاً. وكان الأمير سيف الدين طينال قد ناب في غزة في وقت، على ما تقدم في ترجمته، وابن منصور موقّعها، فعرفه من ذلك الوقت، فلما بطل سأل طينال من تنكز في أن يكون ابن منصور في جملة كتاب الدرج بطرابلس، فرسم له بذلك، وتوجه ابن منصور الى طرابلس.
وكان رجلاً داهية سيوساً، يكتب خطاً حسناً، وله نظم لا بأس به، غير أنه لم يكن فيه طبقة، مع ما فيه من اللحن.
وتوفي رحمه الله تعالى ...
أنشدني من لفظه القاضي زين الدين الصفدي قال: أنشدني من لفظه القاضي شمس الدين محمد بن منصور وقد أعيد الصاحب تقي الدين توبة الى الوزارة:
عتبت على الزمان وقلتُ مهلاً ... أقمت على الخنا ولبست ثوبه
ففاق من التجاهل والتعامي ... وعاد الى التُقى وأتى بتوبه
قلت: صوابه: فأفاق.


صفحه 284

محمد بن موسى
القاضي الفاضل، الأديب الكاتب البارع شرف الدين المقدسي، كاتب الإنشاء بالديار المصرية، المعروف بكاتب أمير سلاح.
كا كاتباً بارعاً، ناظماً ناثراً، يأتيه المعنى على وفق إرادته ضارعاً، إذا نظم قلت العقودُ ينظم جواهرها، أو السماء يُطلع زواهرها، أو الرياض يجلو أزاهرها. يتلعب بالعقول سحره الحلال، يترشّف السمع منه كؤوساً ليست نشوتها مما يجري في الجديال. ونثره أحسنُ من رقم البرود، وآنقُ من حلول الكواكب في منازل السعود، وخطه يسرّ النواظر، ويُزري بالرياض النواضر، تخال سطوره فوق طروسه فتيت مسك على كافور، أو طرز صبح تطلعت من تحت أذيال ديجور. كأن جيماته وجنات خيلانُها تلك النقط، أو محاريب فيها قناديل لا تخبو نور معانيه ولا يقط، وكأن ألفاته ألفت الاعتدال فهي قدودُ الخرّد الغيد، أو قضبان بانٍ تميس من مرور النسيم، والهمزات من فوقها حمائم ذات تغريد:
فلو أعيد ابن هلال لحكى ... مشياً على الرأس إليه القلما
وقال في هذا برود أحرفٍ ... كنت أراها في كتابي أنجما
ولم يزل على حاله الى أن سكنت شقاشقه، وقرطست عن عرض الحياة رواشقه.
توفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.