كان شريف النفس مهيباً، جيّد الرأي أديباً، صالحاً ديّناً، حميد السيرة صيّناً، ظريفاً شكله ذريعاً أكله، ينفق في جنده، ولا يرد أحدهم على رفده.
ولم يزل على حاله حتى رمي أبو عصيدة باليوم العصيب، ورماه الحمام بسهمه المصيب.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وسبع مئة.
ولم يعهد الى أحد، فقام بعده ابن عمه، فقُتل بعد أيام، توثّب عليه المتوكل خالد بن يحيى من بني عمه وتملك، ثم خلع بعد يومين.
ومات أبو عصيدة رحمه الله تعالى شاباً، وإنما لقب بذلك لأنه عمل في سماط عصيدة عظيمة في وعاء سعته تفوق العبارة، في وسطها بركة واسعة مملوءة سمناً، ويليها خندق عسل ثم خندق من دهن ثم خندق من دبس ثم خندق من زيت ثم خندق من رب خرنوب، سبعة خنادق، والله أعلم، وكان عسكره نحواً من سبعة آلاف.
محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد
الشيخ الإمام العلامة أبو عبد الله القرطبي المالكي الأشعري، نزيل مالقة ومحدثها وفقيهها ووزيرها.
وكان أشعرياً، وكان آخر من حدث عن والده بالسماع، وسمع من الدباج والشلوبين، وابن الطيلسان. وكان من جملة محفوظاته المقامات.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع عشرة وسبع مئة.
ومولده بقرطبة سنة ست وعشرين وست مئة.
محمد بن يحيى بن أحمد
ابن علي بن يَس، الشيخ شمس الدين الحِميري المعروف والده بابن المعلم.
سمع من ابن عبد الدائم وروى عنه، وسمع من عمر الكرماني. وكان له ملك يرتزق منه.
وسمع منه شيخنا علم الدين البرزالي.
توفي رحمه الله تعالى في العشر الأوسط من صفر سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
محمد بن يحيى بن موسى
الشيخ شرف الدين بن نجم الدين بن تاج الدين أبي البركات الصائغ المعروف بابن صفّ عذاره.
وكان شيخنا أوصى بثلث ماله أن يُشترى به وقفٌ للصدقة فكان أربع مئة دينار وكسوراً، ووقف وقفاً على من يقرأ صحيح البخاري كل سنة في شهر رمضان بالإسناد.
توفي رحمه الله تعالى في أول ذي الحجة سنة تسع وسبع مئة.
محمد بن يحيى بن محمد بن عبد الرحمن
الشيخ الإمام المفتي المدرس بدر الدين ابن القاضي جمال الدين بن الفُويرة الحنفي، تقدم ذكر أخيه علاء الدين علي، وسوف يأتي ذكر والده جمال الدين إن شاء الله تعالى في مكانه من حرف الياء.
اشتغل كثيراً، ورقى من الحفظ محلاً أثيراً، تفنن في العلوم وتفند عما سوى ذلك من ملاذ المشارب والطعوم، وحصّل رأس مال جيد من الفقه وأصوله، وأنفق ولم يخش ذهاب محصوله.
ولم يزل على حاله الى أن فار وفاض أجل الفويرة، وسبق أقرانه، وما جدّ في سيره.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الثلاثاء، الثالث والعشرين من شعبان سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وتسعين وست مئة.
وكان له حلقة إشغال في الجامع الأموي عند شباك الكاملية في الحائط الشمالي، ودرس بالخاتونية البرانية وبمجلس الرأس، وخطب بالزنجليّة وسمع عن جماعة، وحدث.
وكان قد انتشا له ولد تقدير عمره ست عشرة سنة، وحج وهو صغير مع والده سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، وحفظ الكتاب العزيز، وسمع الحديث، وحفظ شيئاً من
الفقه، فمات في شهر صفر من سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، ففجع فيه والده وأهله، وحزن والده عليه حزناً عظيماً، ولم يعش والده بعده إلا هذه المدة اليسيرة، ولحقه الى الله تعالى.
وكان الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى رفيقاً للقاضي فخر الدين المصري يجاريه في الإشغال فناً بعد فن، خلا أن ذلك كان شافعياً وهذا حنفياً، وكان كثيراً ما يمشي هو وشمس الدين محمد بن زين الدين المقرئ الصفدي، فكان الناس يسمونها القط والفأر.
وحضرت يوماً عنده في حلقة إشغاله، وأوردت عليه أن لفظه طَهُور صيغة مبالغة في تكرير الفعل من الفاعل مثل صبور وقتول، وأكول وشروب، فكيف يسلب الماء الطهورية بالمرة الواحدة، على ما تقدم في ترجمة تقي الدين أبي الفتح السبكي مما نظمته وأجاب عنه نظماً، فأعجب الشيخ بدر الدين هذا الإيراد وزهزَهَ له، ولم يجب عنه، ولم يكن في طباعه مع كثرة علومه وتفننه إقامة وزن الشعر.
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: كان بدر الدين بن الغويرة ينشد قول الشاعر:
معاوي إننا بشر فأسجحي
بإثبات الياء بعد الحاء.
محمد بن يحيى بن أحمد بن سالم
الأمير بدر الدين بن الخشاب ابن العدل زين الدين القرشي الدمشقي.
دخل بدر الدين هذا في الجندية، وباشر الشدّ في ديوان سلار في بلاد صفد وقضى من السعادة في هذه المباشرة ما لا يوصف، وحصّل جملاً، وبقي فيما بعد من أعيان مقدمي حلقة صفد. ثم إنه ترامى الى الأمير سيف الدين تنكز، فأمّره عشرة، وجعله مشدّ الديوان بصفد ووالي الولاة، وحضر إليها في سنة أربع وعشرين وسبع مئة. ثم إنه نقله الى دمشق على شد الدواوين بها عوضاً عن الأمير علم الدين سنجر الطرقجي، فوصل إليها في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة بإعانة الصاحب غبريال له. ثم إن الصاحب عُزل في أيامه وتولى هو مصادرته.
ولم يزل على وظيفة الشد الى أن عزل منها، وصودر في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. وأقام في الترسيم نحواً من أربعة أشهر. ثم إنه أفرج عنه، وتولى فيما أظن بعد ذلك بيروت بواسطة سيف الدين قرمشي، لأنه كان مزوّجاً بأخت قرمشي. ثم إنه نقله الى ولاية نابلس، وتقلب في المباشرات كثيراً.
ولم يزل على حاله في دمشق الى أن توفي رحمه الله تعالى في شوال سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
وكان يحب المباشرات ولو كانت، مهما كانت عالية أو سافلة.
وكان فيه كرم وخدمة لأرباب الدولة ما عليها مزيد. وكان مع اتساع دائرته
لا يخرج فلساً لبقل حتى يضبطه في تاريخه عنده في تعليق وكان عجباً في هذا الباب.
محمد بن يحيى بن فضل الله
القاضي بدر الدين بن القاضي محيي الدين.
توجه الى الديار المصرية صحبة والده، وعاد معه الى دمشق، ثم توجه معه ثانياً الى الديار المصرية، وأقام بها الى أن أخرجه أخوه القاضي علاء الدين الى كتابة السر بالشام عوضاً عن أخيه القاضي شهاب الدين بن فضل الله، فوصل الى دمشق في أوائل شهر رجب الفرد سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
وكان عاقلاً ساكناً كثير الإطراق، ملازم الصمت، لا يفوه بكلمة تودي الى الإحراق أو الإغراق، يخدم من يقصده ولا يلتفت الى من يزحمه أو يحسده، فأحبّه الناس وخضعوا، وطأطأوا رؤوسهم له واتّضعوا، وارتشفوا كؤوس محبّته وارتضعوا. وكان خطه جيداً يزين به مهارقه، ويودع الدرّجيد دَرْجه ومفارقه.
ولم يزل على حاله الى أن خسف بدره في ليلة تمامه، وأدار الغصن عذبته لنوح حمامه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشر من شهر رجب الفرد سنة ست وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة عشر وسبع مئة.
وهو شقيق أخيه القاضي شهاب الدين، وخلّف نعمة طائلة، وعمر أملاكاً مليحة عند قناة صالح داخل باب توما، وكان أحب الإخوة الى والده القاضي محيي الدين.
وكان أخوه القاضي علاء الدين وهو أصغر سناً منه قد أدخله بعد موت والدهما الى دار العدل، وجلس في أيام السلطان الملك الناصر محمد ووقّع في الدست، ولما توجه القاضي علاء الدين الى الكرك صحبة الناصر أحمد، وتسلطن الملك الصالح إسماعيل، سدّ هو الوظيفة الى أن عاد أخوه، ثم إن أخاه جهزه الى دمشق صاحب ديوان الإنشاء، ولما مات رحمه الله تعالى كتبت الى أخيه القاضي علاء الدين أعزيه فيه على لسان الأمير عز الدين طقطاي الدوادار ارتجالاً من رأس القلم وهو:
يقبّل الأرض لا ساق الله إليها بعدها وفدَ عزاء، ولا أذاقها فَقْدَ أحبّةٍ ولا فراق أعزاء، ولا أعدمها جملة صبر تفتقر منه الى أقل الأجزاء وينهي ما قدره الله تعالى من وفاة المخدوم القاضي بدر الدين أخي مولانا، جعله الله وارث الأعمار، وأسكن من مضى جنّات عدن، وإن كانت القلوب بعده من الأحزان في النار، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قول من غاب بدره وخلا من الدست صدره، وعمّ مصابه فهو يتأسى بالناس، وعدم جَلَده فقال للدمع: اجرِ فكم في وقوفك اليوم من باس، وهذا مصاب لم يكن مولانا فيه بأوحد، وعزاء لا ينتهي الناس فيه الى غايةٍ أو حدّ:
علينا لك الإسعاد إن كان نافعاً ... بشقّ قلوب لا بشق جيوب
فما كان الدست الشريف إلا صدراً نزع فيه القلب، أو نجوماً بينما بدرها يشرق نوراً إذا به في الغرب، وما يقول للملوك إلا إن كان البدر قد غاب فإن النير الأعظم واف، وبيتكم الكريم سالم الضرب، وإنما أدركه بالوهم خفي زحاف، وما بقي إلا الأخذ بسنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصبر والاحتساب، وبتسليم الأمر الى صاحبه الذي كتب هذا المصرع على الرقاب: وفي بقائك ما يسلي عن الحزن، وظلّ مولانا بحمد الله تعالى باق على بيته، وما نقص عددٌ ترجع جملته الى مولانا، وكلنا ذلك الدارج، والله لا يذيقه بعدها فقد قرين ولا قريب، ويعوض ذلك الذاهب عما تركه في هذه الدار الفانية من الدار الباقية، بأوفر نصيب إن شاء الله تعالى.
وقلت أرثيه، ولم أكتب بذلك لأحد:
لفقدك بدْرَ الدين قد مسنا الضّر ... وأظلم أفقُ الشام واستوحشت مصر
وشُقّق حبيبُ الروح واستعبر الحيا ... ولُطّم خد الورد وانصدع الفجر
وكادت لنوح الوُرق في غسق الدجى ... تجف على الأغصان أوراقها الخضر
لك الله من غادٍ الى ساحة البلى ... ومن بعده تبقى الأحاديث والذكر
كأن بني الإنشاء يوم مصابه ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر