ومولده سنة عشر وسبع مئة.
وهو شقيق أخيه القاضي شهاب الدين، وخلّف نعمة طائلة، وعمر أملاكاً مليحة عند قناة صالح داخل باب توما، وكان أحب الإخوة الى والده القاضي محيي الدين.
وكان أخوه القاضي علاء الدين وهو أصغر سناً منه قد أدخله بعد موت والدهما الى دار العدل، وجلس في أيام السلطان الملك الناصر محمد ووقّع في الدست، ولما توجه القاضي علاء الدين الى الكرك صحبة الناصر أحمد، وتسلطن الملك الصالح إسماعيل، سدّ هو الوظيفة الى أن عاد أخوه، ثم إن أخاه جهزه الى دمشق صاحب ديوان الإنشاء، ولما مات رحمه الله تعالى كتبت الى أخيه القاضي علاء الدين أعزيه فيه على لسان الأمير عز الدين طقطاي الدوادار ارتجالاً من رأس القلم وهو:
يقبّل الأرض لا ساق الله إليها بعدها وفدَ عزاء، ولا أذاقها فَقْدَ أحبّةٍ ولا فراق أعزاء، ولا أعدمها جملة صبر تفتقر منه الى أقل الأجزاء وينهي ما قدره الله تعالى من وفاة المخدوم القاضي بدر الدين أخي مولانا، جعله الله وارث الأعمار، وأسكن من مضى جنّات عدن، وإن كانت القلوب بعده من الأحزان في النار، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قول من غاب بدره وخلا من الدست صدره، وعمّ مصابه فهو يتأسى بالناس، وعدم جَلَده فقال للدمع: اجرِ فكم في وقوفك اليوم من باس، وهذا مصاب لم يكن مولانا فيه بأوحد، وعزاء لا ينتهي الناس فيه الى غايةٍ أو حدّ:
علينا لك الإسعاد إن كان نافعاً ... بشقّ قلوب لا بشق جيوب
فما كان الدست الشريف إلا صدراً نزع فيه القلب، أو نجوماً بينما بدرها يشرق نوراً إذا به في الغرب، وما يقول للملوك إلا إن كان البدر قد غاب فإن النير الأعظم واف، وبيتكم الكريم سالم الضرب، وإنما أدركه بالوهم خفي زحاف، وما بقي إلا الأخذ بسنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصبر والاحتساب، وبتسليم الأمر الى صاحبه الذي كتب هذا المصرع على الرقاب: وفي بقائك ما يسلي عن الحزن، وظلّ مولانا بحمد الله تعالى باق على بيته، وما نقص عددٌ ترجع جملته الى مولانا، وكلنا ذلك الدارج، والله لا يذيقه بعدها فقد قرين ولا قريب، ويعوض ذلك الذاهب عما تركه في هذه الدار الفانية من الدار الباقية، بأوفر نصيب إن شاء الله تعالى.
وقلت أرثيه، ولم أكتب بذلك لأحد:
لفقدك بدْرَ الدين قد مسنا الضّر ... وأظلم أفقُ الشام واستوحشت مصر
وشُقّق حبيبُ الروح واستعبر الحيا ... ولُطّم خد الورد وانصدع الفجر
وكادت لنوح الوُرق في غسق الدجى ... تجف على الأغصان أوراقها الخضر
لك الله من غادٍ الى ساحة البلى ... ومن بعده تبقى الأحاديث والذكر
كأن بني الإنشاء يوم مصابه ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر
محمد بن يحيى
بن محمد
الشيخ الإمام الصدر الكبير شمس الدين بن قاضي حرّان الحراني الحنبلي، ناظر الأوقاف بدمشق.
كان صدراً محتشماً نبيلاً.
توفي رحمه الله تعالى في الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بتربة ابن الصباب بالصالحية، وعمل عزاؤه بكرة الجمعة بمحراب الصحابة بجامع دمشق.
وتولى نظر الأوقاف عوضه القاضي عماد الدين بن الشيرازي مضافاً الى نظر الجامع.
محمد بن يحيى
المعمّر الصالح كمال الدين، ابن القاضي محيي الدين بن الزكي القرشي.
حدث عن ابن النحاس، ودرس بأماكن.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
محمد بن يعقوب
بن بدران
الإمام المسند المقرئ أبو عبد الله بن الجرايدي - بالجيم - الأنصاري الدمشقي ثم القاهري، نزيل بيت المقدس.
أجاز له السخاوي، وسمع بمصر سنة أربع وأربعين، وبعدها من ابن الجميزي، وسبط السلفي، والمنذري، والرشيد العطار وتلا بالسبع مفردات على الكمال الضرير، وسمع منه الشاطبيّة، ومن ولد الشاطبي، وجود الخط، ودخل اليمن، وروى بأماكن.
روى عنه شيخنا البرزالي والواني، وشيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وجماعة.
واستوطن القدس ثماني سنين، وبه توفي سنة عشرين وسبع مئة.
ومولده بدمشق سنة تسع وثلاثين وست مئة.
محمد بن يعقوب بن زيد
الشيخ الإمام العالم شمس الدين أبو عبد الله البلفيائي الشافعي المحدث.
كان قد رافق شيخنا العلامة تقي الدين قاضي القضاة السبكي في سنة خمس وسبع مئة، وسمع معه على ابن الصواف، وسمع بالقاهرة، وما برح يسمع الى أن مات. وكان عدلاً فاضلاً ورعاً وديّناً.
توفي رحمه الله تعالى في ثاني عشري جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبع مئة ودفن بالقرافة، وكان الجمع متوفراً.
محمد بن يعقوب
الشيخ الإمام العالم الأديب بدر الدين، ابن النحوية، الأديب، نسبة الى النحو.
كان أديباً لبيباً، فاضلاً أريباً، حمى سرح النحو بحماة، وشاد ركنه وحماه، له يد في النحو طولى، وذهن بلغ به من الغوامض سولا بما أصفه وهو ابن النحوية، والفرع فيه ما في الأصل، وزيادة مَحويّة، وتصانيفه تشهد له بالتقدم وتحكم بأن مجده آمنٌ من التهدّم.
ولم يزل على حاله الى أن أصبح لقىً بين يدي المنايا، وحكمت فيه الرزايا.
وتوفي رحمه الله تعالى.
اختصر الشيخ بدر الدين المصباح الذي لبدر الدين بن مالك في المعاني والبيان والبديع، وسماه ضوء المصباح وهذه تسمية حسنة.
قلت: وهذه التسميات تحتاج ذوقاً، كما اختصر ابن سناء الملك كتاب الحيوان للجاحظ، وسمّاه روح الحيوان، البرق السامي، وسمي سنا البرق، وصنف شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي كتاباً سماه النور في مسائل الدور واختصره فسماه قطف النور. واختصرت أنا ديوان السّراج وسميته لمع السّراج. وشرح الشيخ بدر الدين ضوء المصباح في مجلدين وسماه إسفار الصباح عن ضوء المصباح. وكتبته بخطي وفي البديع مثلٌ مثّل بها، وفيها نظر، وعندي في التسمية أيضاً نظر، وشرح أيضاً ألفية ابن معط شرحاً حسناً وسماه حرز الفوائد وقيد الأوابد.
أنشدني من لفظه الشيخ الإمام العلامة نجم الدين القفحازي قال: أنشدني من لفظه لنفسه شيخنا بدر الدين محمد بن النحوية ما كتبه ارتجالاً على
قصيدة أحضرها بعض شعراء العصر يمدح فيها صاحب حماة:
لا ينشدَنْ هذا القريض متيم ... خوداً يحاذر من أليم صدودها
فتملّه وتصدّه وتظنه ... أن قدْ أغار على فريد عقودها
قلت: لا يقال: إلا حاذرت كذا، ولا يقال إلا صدّ عنه، اللهم إلا أن يكون حمل ذلك على المعنى، فيكون حاذرت بمعنى خفت، وتصدّه بمعنى تجفوه، وفي هذا ما فيه. وقد بلغني من قاضي القضاة جلال الدين القزويني أنه قال: اجتمعت ببدر الدين بن النحوية في العادلية وسألته عن قول أبي النجم:
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... عليّ ذنباً كلّه لم أصنع
في تقديم حرف السلب وتأخيره، فما أجاب بشيء، أو كما قال. وقد تكلم ابن النحوية في هذا البيت في إسفار الصباح كلاماً جيداً، والسبب في ذلك أنه ما يلزم كل من وضع مصنفاً أن يستحضر جميع مسائله متى طُلب ذلك منه، لأنه حالة التصنيف يراجع الكتب المدونة في ذلك الفن ويطالع الشروح فيحرر الكلام ذلك الوقت، ثم إنه يشذ عنه، وهذا الشيخ علاء الدين الباجي كان إماماً علامة في فنونه، وقد وضع كتاباً في الجبر والمقابلة، قال لي عماد الدين الدمياطي: سألته مسألة في الجبر والمقابلة فما أجاب.
قلت: وهذا لا ينقص من قدر الباجي.
محمد بن يعقوب بن عبد الكريم
القاضي ناصر الدين بن الصاحب شرف الدين، كاتب السر الشريف بحلب ودمشق.
سألته عن مولده فقال: تقريباً في سنة سبع وسبع مئة بحلب.
كان من رجالات الدهر عزماً وحزماً، وسياسة ودُربة بالسعي وفهماً. ينال مقاصده ولو كانت عند النعائم، ويتناول الثريا قاعداً غير قائم، وكتب ما يصبح به طرسه، وكأنه حديقة، وينظم بسرعة لا يقف فيها قلمه يُخال البرق رفيقه.
باشر كتابة السر بحلب ودمشق مرتين، وخرج من كل منهما وهو قرير العين. وكان محظوظاً من النواب الذين يباشر بين أيديهم، وله عندهم الوجاهة التي لا تعدوه عند غضبهم وتعدّيهم، يشكرونه في المجالس، ويثنون عليه عند أرباب السيوف وأصحاب الطيالس ويقبلون شفاعته ما عسى أن تكون، ويثقون الى ما عنده من التأني والسكون:
فأمرهم رُدّ الى أمره ... وأمره ليس له ردّ
ومع هذا فكان ساكناً وادعاً، راداً على من اتصف بالشر رادعاً، أخلاقه تعلم النسمات حسن الهبوب، ويُغفر لها ما يعدّه الناس للدهر من الذنوب.
ولم يزل على حاله الى أن اعتلّ، ورماه الموت بدائه وانسلّ.
وتوفي رحمه الله تعالى بكرة الأحد سادس ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبع مئة، ودفن بتربته بمقابر الصوفية، وكانت جنازته حافلة.
قال لي: قرأت القرآن على الشيخ تاج الدين الرومي، وعلى الشيخ ابراهيم القبج. وقرأ الحاجبية على ابن إمام المشهد، وقرأ مختصر ابن الحاجب، وحفظ التنبيه، وأذن له الشيخ كمال الدين محمد بن الزملكاني بالإفتاء، ودرّس في حلب بالنورية وغيرها، واشتغل على ابن خطيب جبرين قاضي حلب في الأصول، وقرأ في الهيئة على أمين الدين الأبهري، وكان يستحضر من كليّات القانون جملة، وعلى ذهنه من العلاج جملة وافرة، ويستحضر من قواعد المعاني والبيان مواضع جيدة.
وولي في حياة والده نظر الخاص المرتجع عن العربان، ثم نُقل الى كتابة الإنشاء بحلب. وكان الأمير سيف الدين أرغون نائب حلب يقرّبه ويحبه ويحضر عنده في الليل، ويقول له: يا فقيه، ودخل به الى توقيع الدست في حلب، وتولى تدريس المدرسة الأسدية بحلب سنة أربع وأربعين وسبع مئة، ثم إنه ولي كتابة السر بحلب عوضاً عن القاضي شهاب الدين بن القطب سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وتولى قضاء العسكر بحلب في أيام الأمير سيف الدين طرغاي الجاشنكير نائب حلب.
ولما توفي زين الدين محمد بن الخضر كاتب سرّ دمشق طلب الأمير سيف الدين