بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 309

كان أديباً لبيباً، فاضلاً أريباً، حمى سرح النحو بحماة، وشاد ركنه وحماه، له يد في النحو طولى، وذهن بلغ به من الغوامض سولا بما أصفه وهو ابن النحوية، والفرع فيه ما في الأصل، وزيادة مَحويّة، وتصانيفه تشهد له بالتقدم وتحكم بأن مجده آمنٌ من التهدّم.
ولم يزل على حاله الى أن أصبح لقىً بين يدي المنايا، وحكمت فيه الرزايا.
وتوفي رحمه الله تعالى.
اختصر الشيخ بدر الدين المصباح الذي لبدر الدين بن مالك في المعاني والبيان والبديع، وسماه ضوء المصباح وهذه تسمية حسنة.
قلت: وهذه التسميات تحتاج ذوقاً، كما اختصر ابن سناء الملك كتاب الحيوان للجاحظ، وسمّاه روح الحيوان، البرق السامي، وسمي سنا البرق، وصنف شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي كتاباً سماه النور في مسائل الدور واختصره فسماه قطف النور. واختصرت أنا ديوان السّراج وسميته لمع السّراج. وشرح الشيخ بدر الدين ضوء المصباح في مجلدين وسماه إسفار الصباح عن ضوء المصباح. وكتبته بخطي وفي البديع مثلٌ مثّل بها، وفيها نظر، وعندي في التسمية أيضاً نظر، وشرح أيضاً ألفية ابن معط شرحاً حسناً وسماه حرز الفوائد وقيد الأوابد.
أنشدني من لفظه الشيخ الإمام العلامة نجم الدين القفحازي قال: أنشدني من لفظه لنفسه شيخنا بدر الدين محمد بن النحوية ما كتبه ارتجالاً على


صفحه 310

قصيدة أحضرها بعض شعراء العصر يمدح فيها صاحب حماة:
لا ينشدَنْ هذا القريض متيم ... خوداً يحاذر من أليم صدودها
فتملّه وتصدّه وتظنه ... أن قدْ أغار على فريد عقودها
قلت: لا يقال: إلا حاذرت كذا، ولا يقال إلا صدّ عنه، اللهم إلا أن يكون حمل ذلك على المعنى، فيكون حاذرت بمعنى خفت، وتصدّه بمعنى تجفوه، وفي هذا ما فيه. وقد بلغني من قاضي القضاة جلال الدين القزويني أنه قال: اجتمعت ببدر الدين بن النحوية في العادلية وسألته عن قول أبي النجم:
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... عليّ ذنباً كلّه لم أصنع
في تقديم حرف السلب وتأخيره، فما أجاب بشيء، أو كما قال. وقد تكلم ابن النحوية في هذا البيت في إسفار الصباح كلاماً جيداً، والسبب في ذلك أنه ما يلزم كل من وضع مصنفاً أن يستحضر جميع مسائله متى طُلب ذلك منه، لأنه حالة التصنيف يراجع الكتب المدونة في ذلك الفن ويطالع الشروح فيحرر الكلام ذلك الوقت، ثم إنه يشذ عنه، وهذا الشيخ علاء الدين الباجي كان إماماً علامة في فنونه، وقد وضع كتاباً في الجبر والمقابلة، قال لي عماد الدين الدمياطي: سألته مسألة في الجبر والمقابلة فما أجاب.
قلت: وهذا لا ينقص من قدر الباجي.


صفحه 311

محمد بن يعقوب بن عبد الكريم
القاضي ناصر الدين بن الصاحب شرف الدين، كاتب السر الشريف بحلب ودمشق.
سألته عن مولده فقال: تقريباً في سنة سبع وسبع مئة بحلب.
كان من رجالات الدهر عزماً وحزماً، وسياسة ودُربة بالسعي وفهماً. ينال مقاصده ولو كانت عند النعائم، ويتناول الثريا قاعداً غير قائم، وكتب ما يصبح به طرسه، وكأنه حديقة، وينظم بسرعة لا يقف فيها قلمه يُخال البرق رفيقه.
باشر كتابة السر بحلب ودمشق مرتين، وخرج من كل منهما وهو قرير العين. وكان محظوظاً من النواب الذين يباشر بين أيديهم، وله عندهم الوجاهة التي لا تعدوه عند غضبهم وتعدّيهم، يشكرونه في المجالس، ويثنون عليه عند أرباب السيوف وأصحاب الطيالس ويقبلون شفاعته ما عسى أن تكون، ويثقون الى ما عنده من التأني والسكون:
فأمرهم رُدّ الى أمره ... وأمره ليس له ردّ
ومع هذا فكان ساكناً وادعاً، راداً على من اتصف بالشر رادعاً، أخلاقه تعلم النسمات حسن الهبوب، ويُغفر لها ما يعدّه الناس للدهر من الذنوب.


صفحه 312

ولم يزل على حاله الى أن اعتلّ، ورماه الموت بدائه وانسلّ.
وتوفي رحمه الله تعالى بكرة الأحد سادس ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبع مئة، ودفن بتربته بمقابر الصوفية، وكانت جنازته حافلة.
قال لي: قرأت القرآن على الشيخ تاج الدين الرومي، وعلى الشيخ ابراهيم القبج. وقرأ الحاجبية على ابن إمام المشهد، وقرأ مختصر ابن الحاجب، وحفظ التنبيه، وأذن له الشيخ كمال الدين محمد بن الزملكاني بالإفتاء، ودرّس في حلب بالنورية وغيرها، واشتغل على ابن خطيب جبرين قاضي حلب في الأصول، وقرأ في الهيئة على أمين الدين الأبهري، وكان يستحضر من كليّات القانون جملة، وعلى ذهنه من العلاج جملة وافرة، ويستحضر من قواعد المعاني والبيان مواضع جيدة.
وولي في حياة والده نظر الخاص المرتجع عن العربان، ثم نُقل الى كتابة الإنشاء بحلب. وكان الأمير سيف الدين أرغون نائب حلب يقرّبه ويحبه ويحضر عنده في الليل، ويقول له: يا فقيه، ودخل به الى توقيع الدست في حلب، وتولى تدريس المدرسة الأسدية بحلب سنة أربع وأربعين وسبع مئة، ثم إنه ولي كتابة السر بحلب عوضاً عن القاضي شهاب الدين بن القطب سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وتولى قضاء العسكر بحلب في أيام الأمير سيف الدين طرغاي الجاشنكير نائب حلب.
ولما توفي زين الدين محمد بن الخضر كاتب سرّ دمشق طلب الأمير سيف الدين


صفحه 313

يلبغا من السلطان أن يكون القاضي ناصر الدين عنده بدمشق كاتب سر، فرسم له بذلك، ووصل الى دمشق في رابع عشر جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وسبع مئة، فباشر كتابة سرّ دمشق وبيده تدريس الأسدية بحلب الى أن مات بدمشق، وبيده أيضاً قضاء عسكر حلب وهو بدمشق الى أن نزل عنه لمن بذل له شيئاً، ثم إنه تولى تدريس المدرسة الناصرية الجوّانية بدمشق، وتدريس المدرسة الشامية الجوانية ومشيخة الشيوخ.
وكان يزعم أنه سمع على سنقر مملوك ابن الأستاذ حضوراً في الرابعة، كذا قال لي من فمه، وعندي في ذلك شيء، فإن سنقر المذكور توفي سنة ثمان وسبع مئة، وناصر الدين فمولده على ما أخبرني في سنة سبع وسبع مئة، فهذا الحضور في الرابعة على سنقر لا يتصور.
وكان ينظم سريعاً، ويكتب خطّاً حسناً، وحصّل لأولاده الإقطاعات الجيدة من إمرة العشرة الى ما دونها، ولمماليكه ولألزامه، والرواتب الوافرة على الديوان، وعلى الجامع الأموي واقتنى من الكتب النفيسة المليحة جملةً وافرة، ومن الأصناف من القماش والجوهر واللؤلؤ وغير ذلك جملاً، واقتنى الأملاك الجيدة والبساتين المعظمة في دمشق وغالب بلادها، وفي حلب وغالب معاملاتها.
وكان رجلاً سعيداً محظوظاً الى الغاية، إلا أنه لم يكن فيه شرٌ، ولا تسرع يملك نفسه، ويكتم أذاه وغيظه ولا يواجه أحداً بسوء.


صفحه 314

ولما كان في سنة ستين وسبع مئة رسم له بكتابة سر حلب عوضاً عني، وجُعل القاضي أمين الدين بن القلانسي عوضاً عنه بدمشق، وحضرتُ أنا على وظائف ابن القلانسي، وذلك في أوائل سنة ستين.
ولم يزل بحلب الى أن حضر السلطان الملك المنصور محمد بن حاجّي الى دمشق في واقعة الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي في سنة اثنتين وستين وسبع مئة، فولي القاضي ناصر الدين كتابة سر دمشق عوضاً عن القاضي أمين الدين بن القلانسي في ثاني عيد الأضحى، فباشر كتابة السر الى أن مات رحمه الله تعالى.
وباشرت معه كتابة الإنشاء بدمشق مدة ولايته الأولى وما فارقته فيها في سفر، ولا حضر، وبيني وبينه بداءات ومراجعات في عدة فنون، وكلها في أجزاء التذكرة التي لي، من ذلك ما كتبه إليّ وقد وقع مطر عظيم:
كأن البرق حين تراه ليلاً ... ظُبىً في الجوّ قد خُرطت بعنف
تخال الضوء منه نار جيشٍ ... أضاءت والرعود حسيس زحف
وكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
يحاكي البرق بشرك يوم جُود ... إذا أعطيت ألفاً بعد ألف
وصوت الرعد مثل حشا عدوّ ... يخاف سطاك في حيف وحتف
ثم كتب هو إليّ:
لئن أوسعت إحساناً وفضلاً ... وجُدتَ بنظم مدح فيك لائق


صفحه 315

فهذا الفضل أخجل صوب سحبٍ ... وهذا البشر أخجل بشر بارق
وكتب هو إليّ أيضاً:
وكأن القطر في ساجي الدجا ... لؤلؤ رصّع ثوباً أسودا
وإذا ما قارب الأرض غدا ... فضةً تشرق من بعده المدى
فكتبت أنا الجواب إليه:
ما مُطرنا الآن في المرج سدى ... ورأينا العذر في هذا بَدا
نظر الجوّ لما تَبْذلُه ... فهو يبكي بالغوادي حسدا
وكتب هو إليّ أيضاً:
طبّق الجوّ بالسحاب صباحاً ... ومُطرنا سحّاً مغيثاً وبيلا
نسخ الريّ كل قحط ويبس ... بغمام أهدى لنا سلسَبيلا
ارتشفنا منه الرضاب فخلنا ... عن يقين مزاجه زنجبيلا
فكتبت أنا الجواب إليه بديهاً:
جلتِ الأرضُ بعد قحط ويبسٍ ... من بكاء الغمام وجهاً جميلا
وتثنى القضيب فيها رطيباً ... وتمشّى النسيم فيها عليلا
هكذا كل بلدة أنت فيها ... يجعل الغيثُ في حماها مسيلا
وكتب هو إليّ بعد ذلك:


صفحه 316

أوضح الله للبيان سبيلا ... بك يا أقومَ المجيدين قيلا
إن تثنى القضيب في الروض عجباً ... وتبدى نضاره مستطيلا
فبأقلامك المباهاة فخراً ... كل غصن رطب وخداً صقيلا
ولئن زدْت في ثنائي فإني ... شاكر فضلك الجزيل طويلا
لم أنس بالمرج مرّ لنا ... به حللنا في غاية الشدّهْ
تقابل الرعدَ منه خيمتُنا ... بسورة الانشقاق والسجدهْ
وكتبت أنا إليه:
ما أنس لا أنس يوم المرج حين غدت ... أمطاره بدموع العين تمتزج
كم في الختام فتوق كالعيون غدت ... أجفان رفرفها بالريح تختلج
وكتبت إليه في السنة الثانية، ونحن بالمرج أصف حرّ الظهائر:
مرج دمشق عجب أمره ... في الطيب والكره غدا خارجا
كم نسج الحرّ به للندى ... وكان مرجاً فغدا مارجا
وكتب هو إليّ ملغزاً: أيها العالم الذي فاق علماء زمانه، وعلا قدراً في معانيه وبيانه، وقام بصلاحه عماد الأدب بعد هوانه: ما اسم شيء سداسي الحروف، ظرف للعشرات والألوف، لا تنفك علتاه الصورية والغائية عن عاطف ومعطوف، يمنع من القنص ويُتخذ كاتخاذ القفص،