فهذا الفضل أخجل صوب سحبٍ ... وهذا البشر أخجل بشر بارق
وكتب هو إليّ أيضاً:
وكأن القطر في ساجي الدجا ... لؤلؤ رصّع ثوباً أسودا
وإذا ما قارب الأرض غدا ... فضةً تشرق من بعده المدى
فكتبت أنا الجواب إليه:
ما مُطرنا الآن في المرج سدى ... ورأينا العذر في هذا بَدا
نظر الجوّ لما تَبْذلُه ... فهو يبكي بالغوادي حسدا
وكتب هو إليّ أيضاً:
طبّق الجوّ بالسحاب صباحاً ... ومُطرنا سحّاً مغيثاً وبيلا
نسخ الريّ كل قحط ويبس ... بغمام أهدى لنا سلسَبيلا
ارتشفنا منه الرضاب فخلنا ... عن يقين مزاجه زنجبيلا
فكتبت أنا الجواب إليه بديهاً:
جلتِ الأرضُ بعد قحط ويبسٍ ... من بكاء الغمام وجهاً جميلا
وتثنى القضيب فيها رطيباً ... وتمشّى النسيم فيها عليلا
هكذا كل بلدة أنت فيها ... يجعل الغيثُ في حماها مسيلا
وكتب هو إليّ بعد ذلك:
أوضح الله للبيان سبيلا ... بك يا أقومَ المجيدين قيلا
إن تثنى القضيب في الروض عجباً ... وتبدى نضاره مستطيلا
فبأقلامك المباهاة فخراً ... كل غصن رطب وخداً صقيلا
ولئن زدْت في ثنائي فإني ... شاكر فضلك الجزيل طويلا
لم أنس بالمرج مرّ لنا ... به حللنا في غاية الشدّهْ
تقابل الرعدَ منه خيمتُنا ... بسورة الانشقاق والسجدهْ
وكتبت أنا إليه:
ما أنس لا أنس يوم المرج حين غدت ... أمطاره بدموع العين تمتزج
كم في الختام فتوق كالعيون غدت ... أجفان رفرفها بالريح تختلج
وكتبت إليه في السنة الثانية، ونحن بالمرج أصف حرّ الظهائر:
مرج دمشق عجب أمره ... في الطيب والكره غدا خارجا
كم نسج الحرّ به للندى ... وكان مرجاً فغدا مارجا
وكتب هو إليّ ملغزاً: أيها العالم الذي فاق علماء زمانه، وعلا قدراً في معانيه وبيانه، وقام بصلاحه عماد الأدب بعد هوانه: ما اسم شيء سداسي الحروف، ظرف للعشرات والألوف، لا تنفك علتاه الصورية والغائية عن عاطف ومعطوف، يمنع من القنص ويُتخذ كاتخاذ القفص،
ولا يوصف جلده ببهق ولا برص، أعجمي المسمى، حرم دان لمن تأمله ورُزق حزماً، إن صُحّف نصفه كان من علل العروض، وأتى عقاباً ليعملة غير ركوض، وربما دخل تصحيفه في ألقاب الإعراب وأتى مشكوراً من ذوي السيادة والآداب، وإن اعتبر نصفه الثاني فهو مرادف قريب، واستُحب من الحبيب، وإن قُلب كان للرؤساء مكاناً، وربما أضيف الى قبيلة إذا أردت بياناً، فاكشف لنا أيها العالم عن معمّاه، فما برحت تكشف عن وجوه الإعجاز حجابها، وتكسف نور الشمس وترفع جلبابها، وتنزع عن المعميات بنور بصيرتك ثيابها.
فكتبت أنا الجواب إليه، وهو في حرمدان: يا فريداً جمع الله فيه فنون الآداب، ووحيداً علا عن الأشكال والأضراب، وخبراً بل بحراً زخرت بالعلوم أمواجه، وبل للإضراب. نزّهت بصري وبصيرتي في هذه الحدائق التي لاتزال العيون إليها محدّقة، ولا تبرح كواكبها في سماء بلاغة لا يسبح قمرها في الطريقة المحترقة، فرأيتك قد ألغزت في ظرف، حوى حُسن الشكل والظُرف، وفي الألف والنون والتركيب ولا يُمنع من الصرف، وسدساه الأولان ثلثا حرف وسدساه الآخران حرف يعبّر بألفاظه عن بابك المعمور للخائف، لأنه حرم قريب لا يوجد به حائف، حِرز لما يودع فيه، وهذا الوصف له من أجلّ الوظائف، ذو جلَد على الغربة، فبينا هو بالبلغار إذا هو بالطائف، ليس بعربي، وعهده بالعجم قد تقادم، وليس هو من بني آدم. وإذا قلبته وجدت به آدم، ولا يفوه بكلمة، ومتى عكس ثلثاه نادم، يتلون ألواناً، وما ضمّ جسده حسدا، ونصفه مرح إذا
قُلب، وسدساه داء، وكله يرى ما بين جنبيه لا جفنيه رمدا، يماثل قول المحاجي الأديب، مأمن للخائف قريب. وله خواص أُخر عجيبة وصفات بعيدة إلا عن ذهنك الصافي فإنها قريبة.
هذا ما ظهر للمملوك منه، وكُشف له من الغطاء عنه. فإن وافق الصواب فهو بسعادتك وبركات خاطرك، يا شيخ الشيوخ ويُمن إرادتك، وإلا فالعذر ظاهر في القصور، وشرّ الطير يأوي الخراب وخيرها يأوي القصور. والله يمتّع الأنام بهذه الكلم اللؤلؤيات، ويمنع بفضله من تحدي لمعارضة هذه الآيات البيّنات، بمنه وكرمه.
محمد بن يوسف بن عبد الله
الحزري شمس الدين، يُعرف بابن الحشّاش، وبالخطيب.
قال شيخنا البرزالي: كان أبوه صيرفيّاً بالجزيرة.
وقال كمال الدين الأدفوي: كان ذا فنون، وكان محسناً الى الطلبة. قدمت من الصعيد في سنة ست وسبع مئة، فوجدته يدرّس بالمدرسة الشريفية، وتؤخذ عليه دروس كثيرة، فسألته أن يرتّب لي درساً، فاعتذر بضيق الوقت، ثم قال: ما لك شغل؟ فقلت: لا، فقال: تحضر بعد العصر، فإن اتفق أن تجدني اقرأ. ففعلت ذلك، فلم يخلُ يوماً من الخروج إليّ، فقرأت عليه قطعة من المنتخب في أصول الفقه، وخصّني بوقت مع كثرة أشغاله وانتصابه للإقراء الى نصف النهار.
وكان حسن الصورة، مليح الشكل، حلو العبارة، عالماً بفنون من الفقه على مذهب الشافعي، والأصولين، والنحو، والمنطق، والأدب، مشاركاً في هندسة وغيرها من الرياضيات. قدم قوص مجرداً، فوجد بها الشيخ شمس الدين الأصبهاني حاكماً، فقرأ عليه فنونه، ثم إنه قدم مصر، واشتغل بها، وأعاد بالمدرسة الصاحبية، وأقام بالقاهرة، وولي تدريس الشريفية، وانتصب للإقراء، فقرأ عليه المسلمون واليهود وغيرهم. وكان يلقي دروساً، وتقرأ عليه طائفة، وصحب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وارتفعت منزلته عنده مدة، ثم إنه وقع بينه وبين الشيخ نصر المنبجي فحطّ عند بيبرس من قدره، وشهد عليه بعض طلبته. وكان خطيباً بالقلعة، فعُزل عنها، وتولى الخطابة بالجامع الطولوني مدة، ثم لما عاد السلطان الملك الناصر سنة تسع وسبع مئة مشى حاله.
وتولى المدرسة المعروفة بالمعز بمصر.
وله تصانيف منها شرح التحصيل في ثلاث مجلدات، وشرح منهاج البيضاوي في مجلدة لطيفة ليست بطائل، صنّفه في آخر عمره، واعتذر في خطبته بالكِبَر، وله أجوبة على أسئلة المحصول، وشرح ألفية ابن مالك.
وكان فيه مروة وكرم أخلاق على الإطلاق، يسعى في حوائج الناس بنفسه، ويبذل جاهه لمن يقصده، ويسعفه بأربه. وله ديوان خُطب وشعر كثير.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بمصر في سادس ذي القعدة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وقد جاوز الثمانين.
ومن شعره:
لم أصْبُ للبرق من تيماء يأتلق ... إلا وللقلب من حُبّيكم عُلَقُ
يعتاض من حرّ أنفاسٍ تلهّبه ... ثم استقل ولي في طيّه حرَقُ
يا لامع البرق إما لُحت معترضاً ... لا تستقرّ كقلب هزّهُ القلق
إني أخال خفوقاً منك في عجَل ... يهدى وقلبيَ لا يهدا به الفرَق
ويا نسيم الصبا هل لَبْثة بربى ... نجدٍ على غفلة الواشين تتفق
وسل أُهيليه عن قلبي وما صنعوا ... به فإني بما ترويه لي أثق
وعُد إليّ بما ضُمّنت من خبر ... وفي دجا الليل من ظلمائه رمق
ومل إليّ دُوين القوم مستتراً ... كي لا ينمّ علينا نشرُك العبق
أبثكم أن لي من بعدكم كبداً ... أمست إليكم بنار الشوق تحترق
أهوى المنام لمسرى طيفكم كلفاً ... به عسى مقلتي بالطيف ترتمق
وهل يخوض الكرى جفناً تقسّمه ... كما يشاء الغرام الدمع والأرق
إن أحتكم أنا والأشواق نحوكم ... يشهد بدعواي جفن من دمي شَرِقُ
لا تسمعوا فيّ أقوال الوشاة ولا ... تُصغوا سماعاً بما قالوه واختلقوا
قالوا: نَبَتْه الليالي في تقلّبها ... عن حبكم، فتناساكم وما صدقوا
ومنه:
يعيذك من نار حوتها ضلوعه ... مشوق أحاديث البُعاد تروعه
بعدت فلما يعرف النوم جفنه ... ولم يدر هل كان السكون يريعه
وكيف يلذ العيش بعدك مَن غدا ... من العمر في محل وأنت ربيعه
وها نَبْت فوديه يلوح مصوّحا ... ويبدو كمبيّض الهشيم فروعه
أقول وقد حمّلت بثّي إليكم ... نسيماً وظني أنه لا يضيعه
لعل النسيم الحاجريّ إذا قضى ... رسائله يُقضى إليّ رجوعه
ومستخبر عن حال قلبي وما الذي ... سرى منه لما بنت، قلت: جميعه
ويسألني عن ناظري ما الذي ترى ... تأخر عندي منه، قلت: دموعه
منها:
وإني متى ما ضم شملي وشملكم ... ويدعو بنا داعي الهوى لا أطيعه
فما كل حين لي دموع أريقها ... ولا كل وقت لي فؤاد تريعه
ومن شعره:
سل عن أحاديث أشواقي إذا خطرت ... رسلَ النسيم فقد أودعتها لُمعا
واستوضح البارق النجديّ عن نفسي ... بعد النوى فسيحكيه إذا لمعا
واستحك من طير غصن البان بث جوى ... أمليته فسيُمليه إذا سجعا
ومذ رمتنا النوى والله ما هدأت ... أشجان قلبي وطرفي قطّ ما هجعا
وليس يمسك من بعد النوى رمقي ... إلا أماني قلبي أن نعود معا
محمد بن يوسف
ابن الحافظ زكي الدين
محمد بن يوسف بن محمد
بن يدّاس - بالياء آخر الحروف والدال المهملة المشددة، وبعد الألف سين مهملة - الشيخ الإمام العالم المرتضى
بهاء الدين أبو الفضل بن أبي الحجاج بن البرزالي الإشبيلي الأصل، الدمشقي، الشافعي.
أحضره والده على جماعة، منهم السخاوي، وابن الصلاح، وكريمة، وعتيق السلماني، والمخلص بن هلال، والتاج ابن أبي جعفر، ومحاسن الجوبري، والمرجّى ابن شقيرة.
ثم توفي والده شاباً، وخلّفه، وله خمسة أعوام، فربي في حجر جده الإمام علم الدين القاسم بن أحمد اللورقي، وقرأ عليه القرآن وشيئاً من النحو، وكتب الخط المنسوب، وبرع فيه، ونسخ جملة من الكتب، وأجاز له طائفة من شيوخ بغداد ومصر والشام.
وقرأ عليه ولده شيخنا علم الدين البرزالي شيئاً كثيراً، منها الكتب الستة بالإجازات وحدّث بمصر وبدمشق وبالحجاز، وبرع في كتابة الشروط وكتب الحكم للقضاة، ورزق حظوة مع التصوّن والديانة والتقوى والتعبّد.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
محمد بن يوسف بن يعقوب
ابن أبي طاهر الإربلي ثم الدمشقي الذهبي.
أجاز له أبو محمد بن البُنّ، وجماعة. وسمع من ابن المسلّم المازني، وأبي نصر بن عساكر، وابن الزبيدي، وابن اللتي، وابن مكرّم، والزكي البرزالي، وعدة. وخُرّجت له مشيخة، وذيّل عليها شيخنا الذهبي.