وها نَبْت فوديه يلوح مصوّحا ... ويبدو كمبيّض الهشيم فروعه
أقول وقد حمّلت بثّي إليكم ... نسيماً وظني أنه لا يضيعه
لعل النسيم الحاجريّ إذا قضى ... رسائله يُقضى إليّ رجوعه
ومستخبر عن حال قلبي وما الذي ... سرى منه لما بنت، قلت: جميعه
ويسألني عن ناظري ما الذي ترى ... تأخر عندي منه، قلت: دموعه
منها:
وإني متى ما ضم شملي وشملكم ... ويدعو بنا داعي الهوى لا أطيعه
فما كل حين لي دموع أريقها ... ولا كل وقت لي فؤاد تريعه
ومن شعره:
سل عن أحاديث أشواقي إذا خطرت ... رسلَ النسيم فقد أودعتها لُمعا
واستوضح البارق النجديّ عن نفسي ... بعد النوى فسيحكيه إذا لمعا
واستحك من طير غصن البان بث جوى ... أمليته فسيُمليه إذا سجعا
ومذ رمتنا النوى والله ما هدأت ... أشجان قلبي وطرفي قطّ ما هجعا
وليس يمسك من بعد النوى رمقي ... إلا أماني قلبي أن نعود معا
محمد بن يوسف
ابن الحافظ زكي الدين
محمد بن يوسف بن محمد
بن يدّاس - بالياء آخر الحروف والدال المهملة المشددة، وبعد الألف سين مهملة - الشيخ الإمام العالم المرتضى
بهاء الدين أبو الفضل بن أبي الحجاج بن البرزالي الإشبيلي الأصل، الدمشقي، الشافعي.
أحضره والده على جماعة، منهم السخاوي، وابن الصلاح، وكريمة، وعتيق السلماني، والمخلص بن هلال، والتاج ابن أبي جعفر، ومحاسن الجوبري، والمرجّى ابن شقيرة.
ثم توفي والده شاباً، وخلّفه، وله خمسة أعوام، فربي في حجر جده الإمام علم الدين القاسم بن أحمد اللورقي، وقرأ عليه القرآن وشيئاً من النحو، وكتب الخط المنسوب، وبرع فيه، ونسخ جملة من الكتب، وأجاز له طائفة من شيوخ بغداد ومصر والشام.
وقرأ عليه ولده شيخنا علم الدين البرزالي شيئاً كثيراً، منها الكتب الستة بالإجازات وحدّث بمصر وبدمشق وبالحجاز، وبرع في كتابة الشروط وكتب الحكم للقضاة، ورزق حظوة مع التصوّن والديانة والتقوى والتعبّد.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
محمد بن يوسف بن يعقوب
ابن أبي طاهر الإربلي ثم الدمشقي الذهبي.
أجاز له أبو محمد بن البُنّ، وجماعة. وسمع من ابن المسلّم المازني، وأبي نصر بن عساكر، وابن الزبيدي، وابن اللتي، وابن مكرّم، والزكي البرزالي، وعدة. وخُرّجت له مشيخة، وذيّل عليها شيخنا الذهبي.
وكان مكثراً. وسمع السنن الكبير للبيهقي سنة اثنتين وثلاثين على المرسي. وكان شيخاً عامياً.
سقط من السُلّم فمات لوقته في شهر رمضان سنة أربع وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وعشرين وست مئة.
وكان قد تفرّد بأشياء.
محمد بن يوسف
بن محمد
ابن المهتار المصري، العدل الجليل ناصر الدين أبو عبد الله بن الشيخ مجد الدين المصري ثم الدمشقي الشافعي.
سمع من ابن الصلاح، والمرجّى بن شقيرة، ومكي بن علان، وجماعة. وأجاز له ظافر بن شحم، وابن المقير. وتفرّد بأجزاء.
وكان نقيب قاضي القضاة إمام الدين القزويني.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سادس عشري ذي الحجة سنة خمس عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وثلاثين وست مئة.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليه الآداب والاعتقاد للبيهقي وعلوم الحديث والطوالات للتنوخي، وقطعة من الأجزاء. وحدّث بالزهد للإمام أحمد بكماله، وانفرد برواية علوم الحديث لابن الصلاح عن مصنّفه مدة سنين، وبقطعة كبيرة من سنن البيهقي وبالطوالات للتنوخي.
وأجاز له من دمشق السخاوي، وشيخ الشيوخ ابن حمويه، وابراهيم بن الخشوعي، وعبد الحق بن خلف وجماعة من الديار المصرية فخر القضاة ابن الحباب، وظافر بن شحم، وسبط السلفي، وابن رواج، وعلي بن زيد التسارسي، وعلم الدين بن الصابوني، وابن الجمّيزي، والسراج محمد بن يحيى بن ياقوت، وهبة الله بن محمد المقدسي، وهم من أصحاب السلفي.
محمد بن يوسف ... محيي الدين المقدسي المصري النحوي ...
محمد بن يوسف بن عبد الغني
ابن تُرشَك - بالتاء ثالثة الحروف والراء والشين المعجمة وبعدها كاف - الشيخ تاج الدين المقرئ الصوفي البغدادي.
حفظ القرآن العظيم في صباه بالروايات، وأقرأه، وسمع الكثير من ابن حصين. وإجازاته عالية. وروى وحدّث، وسمع منه خلق ببغداد وبدمشق وبغيرها من البلاد.
وكان ذا سمت حسن، وخُلق طاهر، ونفس عفيفة رضيّة، وصوت مطرب الى الغاية. وقدم دمشق مراراً، وحدث، وحجّ غير مرة، ثم عاد الى بلده، وأضرّ بآخرة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمسين وسبع مئة.
ومولده ببغداد في شهر رجب الفرد سنة ثمان وستين وست مئة.
محمد بن يوسف بن علي
ابن يوسف بن حيان، الشيخ الإمام العالم العلامة الفريد الكامل، حجة العرب، مالك أزمّة الأدب، أثير الدين أبو حيان الأندلسي الجبّائي الجيّاني، بالجيم والياء آخر الحروف مشددة، وبعد الألف نون.
كان أمير المؤمنين في النحو، والشمس السافرة شتاءً في يوم الصحو، والمتصرّف في هذا العلم، فإليه الإثبات والمحو، لو عاصر أئمة البصرة لبَصرهم، وأهل الكوفة لكفَّ عنهم اتّباعهم الشواذ وحذّرهم، نزل منه كتاب سيبويه في وطنه بعد أن كان طريداً، وأصبح به التسهيل بعد تعقيده مفيداً، وجعل سرحة شرحه وجْنة راقت النواظر توريدا. ملأ الزمان تصانيف، وأمال عُنق الأيام بالتواليف. تخرّج به أئمة هذا الفن، وروّق لهم في عصره منه سُلافة الدن، فلو رآه يونس بن حبيب لكان بغيضا غير محبّب، أو عيسى بن عمر لأصبح من تقعيره وهو محدّب، أو الخليل لكان بعينه قذاه، أو سيبويه لما تردّى من مسألته الزنبوريّة برداه، أو الكسائي لأعراه
حُلّة جاهه عند الرشيد وأناسه، أو الفرّاء لفرّ منه ولم يقتسم ولد المأمون تقديم مداسه، أو الزيدي لأظهر نقصه من مكامنه، أو الأخفض لأخفى جملة من محاسنه، أو أبو عبيدة لما تركه ينصبّ لشعب الشعوبية، أو أبو عمرو لشغله بتحقيق اسمه دون التعلّق بعربية، أو السكّري لما راق كلامه في المعاني ولا حلا، أو المازني لما زانه قوله:
إن مصابكم رجلا
أو قطرب لما دبّ في العربية ولا درج، أو ثعلب لاستكنّ بمكره في وكره وما خرج، أو المبرّد لأصبحت قواه مفتّرة، أو الزجاج لأمست قواريره مكسّرة، أو ابن الوزان لعدم نقده، أو الثمانيني لما تجاوز حدّه، أو ابن بابشاذ لعلم أن قياسه ما اطّرد، أو ابن دريد ما بلع ريقه ولا ازدرد، أو ابن قتيبة لأضاع رَحْله، أو ابن السراج لمشّاه إذا رأى وحله، أو ابن الخشاب لأضرم فيه ناراً ولم يجد معها
نورا، أو ابن الخباز لما سجر له تنورا، أو ابن القواس لما أغرق في نزعه، أو ابن يعيش لأوقعه في نزعة، أو ابن خروف لما وجد له مرعى، أو ابن إياز لما وجد لإوازّه وقعا، أو ابن الطراوة لم يكن نحوه طريّا، أو الدبّاج لكان من حلّته الرائقة عريّا.
وعلى الجملة فكان إمام النحاة في عصره شرقاً وغرباً، وفريدَ هذا الفن الفذّ بُعداً وقرباً، وفيه قلت:
سلطان علم النحو أستاذنا ... الشيخ أثير الدين حبرُ الأنام
فلا تقل زيد وعمرو فما ... في النحو معه لسواه كلام
خدم هذا العلم مدة تقارب الثمانين، وسلك من غرائبه وغوامضه طُرقاً متشعبة الأفنانين.
ولم يزل على حاله الى أن دخل في خبر كان، وتبدّلت حركاته بالإسكان.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بمنزله خارج باب البحر بالقاهرة، في يوم السبت بعد العصر، الثامن والعشرين من صفر سنة خمس وأربعين وسبع مئة، ودفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر، وصُلّي عليه بالجامع الأموي بدمشق صلاة الغائب في شهر ربيع الآخر.
ومولده بمدينة مطخشارش في أخريات شوال سنة أربع وخسين وست مئة.
وقلت أنا أرثيه - رحمه الله تعالى:
مات أثير الدين شيخ الورى ... فاستعر البارق واستعبرا
ورقّ من حزن نسيم الصّبا ... واعتلّ في الأسحار لما سرى
وصادحات الأيك في نوحها ... رثته في السجع على حرف را
يا عينُ جودي بالدموع التي ... يُروى بها ما ضمّه من ثرى
واجرِ دماً فالخطب في شأنه ... قد اقتضى أكثر مما جرى
مات إمامٌ كان في فنه ... يُرى أماماً والورى من ورا
أمسى منادى للبلى مفرداً ... فضمّه القبر على ما ترى
يا أسفاً كان هُدىً ظاهراً ... فعاد في تربته مضمرا
وكان جمع الفضل في عصره ... صحٌ فلما أن قضى كُسّرا
وعُرّف الفضل به بُرهة ... والآن لما أن مضى نُكّرا
وكان ممنوعاً من الصرف لا ... يطرق مَن وافاه خطب عرا
لا أفعل التفضيل ما بينه ... وبين مَن أعرفه في الورى
لا بدلٌ عن نعته بالتقى ... ففعله كان له مصدَرا
لم يدّغم في اللحد إلا وقد ... فك من الصبر وثيق العُرا