وكان قد جاء يوماً الى بيت الشيخ صدر الدين بن الوكيل فلم يجده، فكتب بالجص على مصراع الباب، فلما رأى ابن الوكيل ذلك قال:
قالوا أبو حيان غير مدافع ... ملك النحاة، فقلت: بالإجماع
اسم الملوك على النقود وإنني ... شاهدت كُنيته على المصراع
ومدحه شرف الدين بن الوحيد بقصيدة مطوّلة، أولها:
إليك أبا حيان أعملت أينقي ... وملت الى حيث الركائب تلتقي
دعاني إليك الفضل فانقدت طائعاً ... ولبّيت أحدوها بلفظي المصدّق
ومدحه نجم الدين إسحاق بن ألمى التركي، وسأله تكملة شرح التسهيل، وأرسلها إليه من دمشق، وأولها:
تبدّى فقلنا وجهه فلق الصبح ... يلوح لنا من حالك الشعر في جنح
منها:
بدأت بأمر تمم الله قصده ... وكمّله باليمن فيه وبالنُجح
وسهلت تسهيل الفوائد محسنا ... فكُن شارحاً صدري بتكملة الشرح
ومدحه مجير الدين عمر بن اللمطي بقصيدة، أولها:
يا شيخ أهل الأدب الباهر ... من ناظم يُلفى ومن ناثر
ومدحه نجم الدين يحيى الإسكندري بقصيد، أولها:
ضيف ألمّ بنا من أبرع الناس ... لا ناقض عهد أيامي ولا ناس
عارٍ من الكِبر والأدناس ذو ترف ... لكنه من سرابيل العلا كاس
ومدحه نجم الدين الطوفي بقصيدتين، أول الأولى:
أتراه بعد هجران يصل ... ويرى في ثوب وصل مبتدِلْ
قمر جار على أحلامنا ... إذ تولاها بقدّ معتدلْ
وأول الثانية:
أعذروه فكريم مَن عذَر ... قمَرته ذات وجه كالقمَرْ
ومدحه بهاء الدين محمد بن شهاب الدين الخيمي بقصيدة، أولها:
إن الأثير أبا حيان أحيانا ... بنشره طيّ علم مات أحيانا
ومدحه القاضي ناصر الدين شافع بقصيدة، أولها:
فضضتُ عن العذب النمير ختامها ... وفتحت عن زهر الرياض كمامها
ومدحه جماعة آخرون، يطول ذكرهم.
وكتبت أنا إليه من الرحبة في سنة تسع وعشرين وسبع مئة:
لو كنت أملك من دهري جناحين ... لطرت لكنه فيكم جنى حَيني
يا سادة نلتُ في مصرٍ بهم شرفا ... أرقى به شُرُفا تنأى عن العين
وإن جرى لسما كيوان ذِكر عُلا ... أحلّني فضلهم فوق السّماكين
وليس غير أثير الدين أثّله ... فسادَ ما شاد لي حقا بلا مَيْن
حبر ولو قلت: إن الباء رُتبتُها ... من قبل، صدّقك الأقوام في ذين
أحيا علوماً أمات الدهر أكثرها ... مذ جُلّدت خُلّدت ما بين دفين
يا واحد العصر ما قولي بمتّهم ... ولا أحاشي امرأ بين الفريقين
هذي العلوم بدت من سيبويه كما ... قالوا وفيك انتهت يا ثاني اثنين
فدُم لها وبودي لو أكون فدى ... لما ينالك في الأيام من شَيْن
يا سيبويه الورى في الدهر لا عجب ... إذا الخليل غدا يفديك بالعين
يقبّل الأرض ويُنهي ما هو عليه من الأشواق التي برّحت بألمها، وأجرت الدموع دما، وهذا الطرس الأحمر يشهد بدمها، وأربت بسحّها على السحائب، وأين دوام هذه من ديمها، وفرقت الأوصال على السقم لوجود عدمها:
فيا شوق ما أبقى ويا لي من النوى ... ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبا
ويذكر ولاءه الذي تسجع به في الروض الحمائم، ويسير تحت لوائه مسير الرياح بين الغمائم، وثناؤه الذي يتضوّع كالزهر الكمائم، ويتنسم تنسّم هامات الربا إذا لبست من الربيع ملونات العمائم.
ويشهد الله على كل ما ... قد قلته والله نعم الشهيد
فكتب هو الجواب عن ذلك، ولكنه عُدم مني.
وأنشدته يوماً لنفسي:
قلت للكاتب الذي ما أراه ... قط إلا ونقّط الدمع شكله
إن تخطّ الدموع في الخد شيئاً ... ما يُسمّى؟ فقال: خط ابن مقله
وأنشدني هو من لفظه لنفسه:
سبق الدمعُ بالمسيل المطايا ... إذ نوى من أحبّ عني رحله
وأجاد الخطوط في صفحة الخد ... ولِم لا يجيد وهو ابن مقله
وأنشدني في مليح نوتي:
كلفْتُ بنوتيّ كأن قوامَه ... إذا ينثني خوط من البان ناعم
مجاذفه في كل قلب مجاذب ... وهزاته للعاشقين هزائم
وأنشدته أنا لنفسي:
إن نوتيّ مركبٍ نحن فيه ... هام فيه صبّ الفؤاد جريحه
أقلع القلب عن سلويَّ لما ... أن بدا ثغره وقد طاب ريحه
وأنشدته أنا لنفسي أيضاً:
نوتيّنا حُسنُهُ بديع ... وفيه بدر السماء مغرى
ما حكّ برّا إلا وقلنا ... يا ليت أنّا نحكّ برّا
فأعجباه - رحمه الله - وزهزه لهما.
وأنشدني هو لنفسه في مليح أحدب:
تعشّقته أحدباً كيّساً ... يحاكي نجيباً حنين البُغام
إذا كدت أسقط من فوقه ... تعلّقت من ظهره بالسنام
فأنشدته أنا في ذلك لنفسي:
وأحدب رحت به مغرما ... إذ لم تشاهد مثله عيني
لا غرو أن هام فؤادي به ... وخصره ما بين رِدفَين
وأنشدني من لفظه في مليح أعمى:
ما ضرّ حُسن الذي أهواه أن سنا ... كريمتيه بلا شين قد احتجبا
قد كانتا زهرتي روض وقد ذوتا ... لكن حسنهما الفتّان ما ذهبا
كالسيف قد زال عند صقله فغدا ... أنكى وآلم في قلب الذي ضُربا
وأنشدته أنا لنفسي في ذلك:
ورب أعمى وجهه روضة ... تنزُّهي فيها كثير الديون
في خدّه ورد غنينا به ... عن نرجس ما فتّحته للعيون
وأنشدته أيضاً لنفسي في ذلك:
أيا حُسن أعمى لم يخف حدَّ طرفه ... محبٌ غدا سكران فيه وما صحا
إذا طار خد بات يرعى خدوده ... غدا آمناً من مقلتيه الجوارحا
وكتبت إليه استدعاء، وهو: المسؤول من إحسان سيدنا الإمام العلامة لسان العرب، ترجمان الأدب، جامع الفضائل، عمدة وسائل السائل، حجة المقلّدين، زين المقلدين، قطب
المولّين، أفضل الآخرين، وارث علوم الأولين، صاحب اليد الطولى في كل مكان ضيق، والتصانيف التي تأخذ بمجامع القلب، فكل ذي لب إليها شيّق، والمباحث التي أثارت الأدلة الراجحة من مكامن أماكنها، وقنصت أوابدها الجامحة من مواطئ مواطنها، كشّاف مُعضلات الأوائل، سبّاق غايات قصّر عن شأوها سحبان وائل، فارع هضبات البلاغة في اجتلاء اجتلابها وهي في مرقى مرقدها، سالب تيجان الفصاحة في اقتضاء اقتضابها من فَرْق فرقدها، حتى أبرز كلامه جنانَ فضل جنانُ من بعده عن الدخول إليها جبان، وأتى ببراهين وجوهٍ حورُها " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان " وأبدع خمائل نظم ونثر، لا تصل الى أفنان فنونها يد جان، أثير الدين أبي حيان محمد:
لا زال ميت العلم يحييه وهل ... عجب لذلك من أبي حيّان
حتى ينال بنو العلوم مرامهم ... ويُحلّهم دار المُنى بأمان
إجازة كاتب هذه الأحراف ما رواه - فسح الله في مدّته - من المسانيد والمصنفات والسنن والمجاميع الحديثية والتصانيف الأدبية، نظماً ونثراً الى غير ذلك من أصناف العلوم على اختلاف أوضاعها، وتباين أجناسها وأنواعها، مما تلقّاه ببلاد الأندلس وإفريقية والإسكندرية والديار المصرية والبلاد الحجازية وغيرها من البلدان، بقراءة أو سماع أو مناولة أو إجازة خاصة أو عامة، كيف ما تأدّى إليه، وإجازة ما له أدام الله إفادته من التصانيف في تفسير القرآن العظيم والعلوم الحديثية والأدبية وغيرها، وما له من نظم ونثر، إجازة خاصة، وأن يثبت بخطّه تصانيفه الى حين هذا التاريخ، وأن
يجيزه إجازة عامة لما يتجدد له من بعد ذلك على رأي مَن يراه ويجوّزه، منعماً متفضلاً إن شاء الله تعالى.
فكتب الجواب هو - رحمه الله تعالى: أعزّك الله ظننت بالإنسان جميلاً فغاليت، وأبديت من الإحسان جزيلاً وما باليت، وصفت من هو القتام يظنه الناظر سماء، والسراب يحسبه الظمآن ماء، يا بن الكرام وأنت أبصر من يشيم، أمع الروض النضير يُرعى الهشيم، أما أغنتم فواضلك وفضائلك، ومعارفك وعوارفك، عن نغبة من دأماء، وتربة من يهماء، لقد تبلّجت المهارق من نور صفحاتك، وتأرّجت الأكوان من أريج نفحاتك، ولأنت أعرف بمن يُقصد للدراية، وأنقد بمن يعتمد عليه في الرواية، لكنك أردت أن تكسو من مطارفك، وتتفضل من تالدك وطارفك، وتجلو الخامل في منصة النباهة، وتنقذه من لَكْن الفهاهة، فتشيد له ذكرا، وتُعلي له قدرا، ولم يمكنه إلا إسعافك فيما طلبت، وإجابتك فيما إليه ندبت، فإن المالك لا يُعصى، والمتفضل المحسن لا يقصى.
وقد أجزت لك - أيّدك الله - جميع ما رويته عن أشياخي بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية وديار مصر والحجاز وغير ذلك بقراءة أو سماع ومناولة وإجازة بمشافهة
وكتابة ووجادة، وجميع ما أجيز لي أن أرويه بالشام والعراق وغير ذلك، وجميع ما صنّفته واختصرته وجمعته وأنشأته نثراً ونظماً، وجميع ما سألت في هذا الاستدعاء.
فمن مروياتي: الكتاب العزيز، قرأته بقراءات السبعة على جماعة، من أعلاهم الشيخ المسند المعمر فخر الدين أبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله بن علي بن هبة الله المصري ابن المليجي آخر من روى القرآن بالتلاوة عن أبي الجود. والكتبُ الستة، والموطّأ ومسند عبد ومسند الدارمي ومسند الشافعي ومسند الطيالسي والمعجم الكبير للطبراني، والمعجم الصغير له، وسُنن الدارقطني وغير ذلك.
وأما الأجزاء فكثير جداً.
ومن كتب النحو والآداب، فأروي بالقراءة كتاب سيبويه والإيضاح والتكملة والمفصّل وجُمل الزجاجي وغير ذلك. والأشعار الستة والحماسة وديوان حبيب وديوان المتنبي وديوان المعري.
وأما شيوخي الذين رويت عنهم بالسماع أو القراءة، فهم كثير، وأذكر الآن منهم جملة، فمنهم: القاضي أبو علي الحسن بن عبد العزيز بن أبي الأحوص القرشي، والمقرئ أبو جعفر أحمد بن سعد بن أحمد بن بشير الأنصاري، وإسحاق بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الملك بن درباس، وأبو بكر بن عباس بن يحيى بن غريب البغدادي القوّاس، وصفي الدين الحسين بن أبي المنصور بن ظافر الخزرجي، وأبو الحسين محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، ووجيه الدين محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الأزدي بن الدهان، وقطب الدين محمد بن أحمد بن علي بن