نبهتَ قلبي وتَنهى أن تبوح بما ... يلقاه وا شوقه للناهب الناهي
بهرتَ كل مليح بالبهاء فما ... في النيّرين شبيهُ الباهر الباهي
لهجتُ بالحب لما أن لهوت به ... عن كل فويحَ اللاهج اللاهي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
راض حبيبي عارض قد بدا ... يا حُسنَه من عارض رائض
وظن قوم أن قلبي سلا ... والأصل لا يُعتدّ بالعارض
وأنشدني من لفظه لنفسه:
تعشّقتُه شيخاً كأن مشيبه ... على وجنتيه ياسمين على ورد
أخاد العقل يدري ما يراد من النهى ... أمنت عليه من رقيب ومن صدِ
وقالوا: الورى قسمان في شرعة الهوى ... لسود اللحى ناسٌ وناسٌ الى المرد
ألا إنني لو كنت أصبو لأمردٍ ... صبوت الى هيفاء مائسة القدّ
وسود اللحى أبصرت فيهم مشاركاً ... فأحببت أن أبقى بأبيضهم وحدي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
ألا ما لها لُخْصا بقلبي عوابثا ... أظن بها هاروتَ أصبح نافثا
إذا رام ذو وجد سلوّاً منعنه ... وكنّ على دين التصابي بواعثا
وقيدنَ من أضحى عن الحب مُطلقا ... وأسرعت للبلوى بمن كان رائثا
بروحي رشا من آل خاقان راحل ... وإن كان ما بين الجوانح لابثا
غدا واحداً في الحسن للفضل ثانيا ... وللبدر الشمس المنيرة ثالثا
وأنشدني لنفسه، ومن خطه نقلت:
أسحرٌ لتلك العين في القلب أم وخْز ... ولينٌ لذاك الجسم في اللمس أم خزّ
وأملودُ ذاك القدّ أم أسمرٌ غدا ... له أبداً في القلب عاشقه هزّ
فتاة كساها الحسن أفخر حُلّة ... فصار عليها من محاسنها طرز
وأهدى إليها الغصن لينَ قوامه ... فماس كأن الغصن خامره العز
يضوع أديم الأرض من نَشر طيّها ... ويخضرّ من آثارها تُرْبُه الجرْز
وتختال في بُرد الشباب إذا مشت ... فيُنهضها قدٌّ ويقعدها عجز
أصابت فؤاد الصبّ منها بنظرة ... فلا رُقية تُجدي المصاب ولا حرز
وأنشدني إجازة في مليح أبرص، ومن خطه نقلت:
وقالوا الذي قد صرت طوع جماله ... ونفسك لاقت في هواه نزاعَها
به وضحٌ تأباه نفس أولي النهى ... وأفظع داء ما ينافي طباعَها
فقلت لهم لا عيب فيه يشينه ... ولا علّة فيه يروم دفاعَها
ولكنها شمس الضحى حين قابلت ... محاسنه ألقت عليه شعاعها
وأنشدني من لفظه لنفسه في فحّام:
وعُلّقته مسوّد عين ووفرة ... وثوب يعاني صنعة الفحم عن قصد
كأن خطوط الفحم في وجناته ... لطاخة مسك في جنيّ من الورد
وأنشدني إجازة، ومن خطه نقلت:
سأل البدر هل تبدّى أخوه ... قلتُ يا بدر لن يُطيق طلوعا
كيف يبدو وأنت يا بدر باد ... أوَ بدران يطلعان جميعا؟
وأنشدني من لفظه لنفسه موشحة عارض بها شمس الدين محمد بن التلمساني:
عاذلي في الأهيف الآنسِ ... لو رآه كان قد عَذَرا
رشأ قد زانه الحَوَر ... غصنٌ من فوقه قمر
قمر من سحبه الشعر ... ثغر في فيه أم دُرَر
جال بين الدرّ واللعسِ ... خمرةٌ من ذاقها سكرا
رجّة بالردف أم كسل ... ريقة بالثغر أم عسل
وردة بالخد أم خجل ... كُحل بالعين أم كَحَل
يا لها من أعين نُعُسِ ... جلبت لناظري سهرا
مُذ نأى عن مقلتي سني ... ما أُذيقا لذّة الوسن
طال ما ألقاه من شجني ... عجباً ضدان في بدني
بفؤادي جذوة القبس ... وبعيني الماء مُنفَجرا
قد أتاني الله بالفرج ... إذ دنا مني أبو الفرج
قمرٌ قد حلّ في المهج ... كيف لا يخشى من الوهج
غيرُه لو صابهُ نفَسي ... ظنّه من حره شررا
نصب العينين لي شركا ... فانثنى والقلب قد ملكا
قمر أضحى له فلكا ... قال لي يوماً وقد ضحكا
أنت جئت من أرض أندلسي ... نحو مصر تعشق القمرا
وأما موشّحة ابن التلمساني، فهي:
قمر يجلو دجا الغلس ... بهر الأبصار مُذ ظهرا
آمنٌ من شُبهة الكلف ... ذُبت في حبّيه بالكلف
لم يزل يسعى الى تلفي ... بركاب الدلّ والصلف
آه لولا أعين الحرس ... نِلْت منه الوصل مقتدرا
يا أميراً جار مذ وليا ... كيف لا ترثي لمن بليا
فبثغر منك قد جُليا ... قد حلا طعماً وقد حلِيا
وبما أوتيتَ من كَيَس ... جُدْ فما أبقيت مُصطَبرا
بدرُ تمّ في الجمال سني ... ولهذا لقّبوه سَني
قد سباني لذة الوسن ... بمحيّا باهرٍ حسن
هو خِشفي وهو مفترسي ... فاروِ عن أعجوبتي خبرا
لك خدّ يا أبا الفرج ... زينَ بالتوريد والضّرج
وحديثٌ عاطر الأرَج ... كم سبى قلباً بلا حرج
لو رآك الغصن لم يمسِ ... أو رآك البدر لاستترا
يا مُذيباً مهجتي كمَدا ... فُقت في الحُسن البدور مدى
يا كحيلاً كحلة اعتمدا ... عجباً أن تُبرئ الرّمدا
وبسقم الناظرين كُسي ... جفنك السّحار وانكسرا
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً:
إنْ كان ليلٌ داجوخاننا الإصباحْفنورها الوهّاجيُغني عن المصباح
سلافة تبدو ... كالكوكب الأزهرْ
مزاجها شهدٌ ... وعَرفُها عنبر
يا حبذا الوِردُ ... منها وإن أسْكر
قلبي بها قد هاجْفما تراني صاحْعن ذلك المنهاجوعن هوى يا صاح
وبي رشا أهيفْ ... قد لجّ في بُعدي
بدر فلا يُخسَف ... منه سنا الخد
بلحظه المرهَف ... يسطو على الأُسْد
كسطوة الحجّاجفي الناس والسفّاحفما ترى من ناجمن لحظه السفاح
علّل بالمسك ... قلب رشاً أحور
منعّم المسكِ ... ذو مبسم أعطر
ريّاه كالمسك ... وريقه كوثرْ
غصنٌ على رجراجطاعت له الأرواحفحبّذا الآراجإن هبّت الأرواح
مهلاً أبا القاسم ... على أبي حيان
ما إن له عاصم ... من لحظك الفتّان
وهجرك الدائم ... قد طال بالهيمان
فدمعه أمواجوسرُه قد لاحلكنه ما عاجولا أطاع اللاح
يا رُبّ ذي بُهتان ... يعذل في الراح
وفي هوى غزلان ... دافَعْتُ بالراح
وقلت لا سلوان ... عن ذاك يا لاحي
سبع الوجوه والتاجهي منية الأفراحفاختر لي يا زجاجقمصال وزوج أقداح
وأنشدني من لفظه لنفسه القصيدة الدالية، التي نظمها في مدح النحو والخليل وسيبويه، ثم خرج منها الى مديح صاحب غرناطة وغيره من أشياخه، وأولها:
هو العِلم لا كالعلم شيء تراوده ... لقد فاز باغيه وأنجح قاصده
وهي قصيدة جيدة تزيد على المئة بيت. حُكي لي أن الشيخ أثير الدين - رحمه الله تعالى - نظمها وهو ضعيف، وتوجه إليه جماعة يعودونه، وفيهم شمس الدين بن دانيال، فأنشدهم الشيخ - رحمه الله تعالى - القصيدة المذكورة، فلما فرغت، قال ابن دانيال: يا جماعة، أخبركم أن الشيخ قد عوفي، وما بقي عليه باس، لأنه لم يبق عنده فضلة، قوموا باسم الله.
وأنشدني من لفظه لنفسه - رحمه الله تعالى - قصيدته السينية التي أولها:
أهاجك ربع حائلُ الرسم دارسه ... كوحي كتاب أضعف الخط دارسه
محمد بن يوسف بن عبد الله
شمس الدين، الشاعر الماهر الخياط الدمشقي الحنفي.
شاعر لا يُجارى، ومكثر لا يُبارى، قادر على صوغ القريض، وارتجال النظم الذي يشفى به المريض، طويل النفَس إذا نظم، مديد الباع إذا رقم، ذو قصائد قد
طوّلها، ومدائح سوّرها وهمُه وسوّلها، ولم يكن له غوص على المعاني البديعة، ولا احتفال بطريق المتأخرين التي هي عليه وعلى أمثاله منيعة. ومع ذلك فكان بين فكيه مقراض للأمراض، وكنانة نبل أنفذ من السهام في الأعراض، لا يكاد يسلم أحد من هجوه، ولا ينجو طاهر الذيل من نجوه. وكان هجوه أجودَ من مدحه، وأوقع في النفوس لكدّه فيه وكدحه، ولكنه ذاق وبال هذا وأوذي أكثر مما آذى، إلا أنه كان كثير التلاوة، يلازم الصلاة في الحضارة والبداوة، وحج غير مرة، وقرن البعرة بالدرة.
وحججت أنا وهو في عام خمسة وخمسين وسبع مئة، ولما وصلنا الى مُعان مزّق الله من الخياط عمره، وأذهب شعره وشعره، وأتاه من نايات المنايا ما بطّل زمرَه، فدفنّاه على قارعة الطريق، وانكفّ ذاك اللسان الذي كأنه مبرد وما حمل التطريق، وجعلناه سراً مودعاً من البرية في صدر، ووضعنا الشمس في الأرض ليلة البدر، فلو كان الرفّاء موجوداً لرثى الخياط وأبّنه، ونقله بلبنه الطيب الى مقبره وجبّنه.
وعلى كل حال فقد راح الى الله وأراح، وحمل كارة أهاجيه وهو كاره وقلّ من حمل كارة واستراح، والله يسامحه في يوم عَرضه، ويعطّف عليه قلب من أخذ من عِرضه، حتى إنه يسامحه ويحالله، ويصادفه فيصادقه ويخالله.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في معان، ليلة الرابع عشر من المحرم سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وسألته عن مولده، فقال: في شهر رجب سنة ثلاث وتسعين وست مئة بدمشق.
كان في مبدأ حاله يتردد الى شمس الدين الصائغ، ويقرأ عليه، ويجتمع بالمجير الجوخي، ثم إنه تردد الى شيخنا العلامة شهاب الدين محمود، وكتب عنه كثيراً، وكان يثني عليه ويميل إليه.
ونظم في سنة عشرين وسبع مئة قصيدة جيمية مديحاً في قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى وأولها:
أما ولواحظ الحدق السواج ... لقد أصبحت منها غير ناجي
فقرّظها شهاب الدين محمود، وأثنى عليها، وكتب عليها فضلاء العصر، وانصقل نظمه وجاد، وشعره كثير يدخل في ست مجلدات.
وسافر الى الديار المصرية، ومدح أعيانها، واتصل بالأمير سيف الدين ألجاي الدوادار، وكان يبيت عنده. ومدح السلطان الملك الناصر بأبيات قرأها عليه قاضي القضاة جلال الدين القزويني، فرسم له براتب في كل يوم درهمين.
وأنشدني من لفظه غالب شعره لما نظم الشيخ جمال الدين بن نباتة قصيدته التائية الطنانة في الشيخ كمال الدين بن الزملكاني - رحمه الله تعالى - جعل غزلها المقدّم على المدح في وصف الخمر، وأولها: