بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 367

وكان يحفظ التنبيه، ورجع الى دمشق. وكان يطالع كتب اللغة، وجمع الصحاح والأزهري والمحكم وذيّل على النهاية، وكان يقرأ الحديث فصيحاً بسرعة، ثم إنه تغيّر ذهنه، وحصل له مرض بالسوداء، وكان يحاضر في بعض الأوقات، ويتكلم كلاماً حسناً، وفي بعض الأوقات يشتم من يخاطبه. وسافر الى الحجاز وحلب والقدس، وهو بهذا المرض.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، ودفن بالباب الصغير.
ومولده بالقرافة سنة سبع وأربعين وست مئة.
وسمع منه شيخنا الذهبي جزء ابن عرفة وغيره. وهو أخوه الشيخ المعمر شهاب الدين محمد القرافي - رحمهما الله تعالى.

محمود بن رمضان
شرف الدين بن والي الليل.
قال كمال الدين الأدفوي: رأيته والياً بأدفو ثم أسنا. وله نظم، ومدحني بقصيدة.
وتوفي بمصر - رحمه الله تعالى - سنة تسع عشرة وسبع مئة.
ومن شعره:
هجرتموني بلا ذنب ولا سبب ... وحبكم منتهى الآمال والطلب
ورمت بالقرب منكم راحةً فغدا ... قلبي يبعدكم في غاية التعب


صفحه 368

ومذ أطعت هواكم ما عصيت لكم ... أمراً ولا ملت في حبي عن الأدب
فما لطرفي لا يغشاه طيفكم ... بُخلاً عليّ وأنتم أكرم العرب

محمود بن طي
الشيخ جمال الدين العجلوني المعروف بالحافي.
كان إنساناً حسناً فقير الحال ذا عيال، أقام بصفد مدة، وكان يعرف بعض عربية، وينظم شعراً لا بأس به، وصحب عفيف الدين التلمساني زماناً، وأخذ عنه ذلك المذهب. وكان مع فقره وتصوفه حادّ الأخلاق.
أنشدني كثيراً من شعره وكثيراً ما رواه لي عن عفيف الدين التلمساني، وكان لعله يحظ أكثر ديوان العفيف. وبحثت معه غير مرة. وكنت أردّ مقالته، وشعّب ذهن جماعة بصفد، وأعان الله على إنقاذهم، وكان يرتزق بشهادة القسم في خاص السلطان.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بصفد في سنة أربع وعشرين وسبع مئة. وقد قارب السبعين سنة.
وكتبت أنا إليه مرة، وقد توجه الى قرية تُسمي عَلْما من قرى صفد، ومعه شخص يعزّ علي:
ألا هل تُرى نازلين ُبا عَلْما ... أحطتم بما يلقى مشوقكم عِلما
فلو شاء حملي الريح نحو خيامكم ... أتاكم بصبّ قد براه الهوى سقما


صفحه 369

وما ضرّكم رعي العهود التي مضت ... فكم قد رعى طرفي لبعدكم نجما
شُغلت بكم عن غيركم لا عدمتكم ... فطرفٌ يرى إلا محاسنكم أعمى
وعلّمني دمعي وجوهر ثغركم ... إذا غبتم عن مقلتي النثر والنظما
ولا عجب أن جاء صبري مُحاقُه ... وحسنكم قد أخجل القمر التمّا
منعتم جفوني لذة الغمض في الدجا ... فما ذاق طرفي بعدكم للكرى طعما
فكيف قضيتم بعدكم إن أدمعي ... لعيني غسل وهي لم تبلغ الحلما
أظنكم طهّرتم بمدامعي ... عيوني لما أن رأت غيركم قِدما
ولما شكت عيني إليكم سُهادها ... حكمتم عليها أن تدوم وأن تدمى
ومَن كنتم أحبابه يا سروره ... ويا سعده إن صح لك أو تمّا
ويا فوز قلب أصبحت خطراته ... الى حبكم تسمو، وصب لكم يسمى
وإن كان عذّالي عموا عن جمالكم ... فلي أُذن عن كل ما نقلوا صمّا
فكتب هو الجواب إليّ عن ذلك، ولكني لم أجده عند تعليقي هذه الترجمة.
وأنشدني من لفظه لنفسه تخميس قصيدة جيمية للعفيف التلمساني:
بالناظر الفاتر الوسنان ذي الدعج
وما بخدّ الذي تهوى من الضّرج
قم يا نديمُ فما في الوقت من حرج
انظر الى حسن زهر الروضة البهج ... واسمع ترنّم هذا الطائر الهزج
لي الهنا قد وفت سعدي بما وعدت
ودارها قربت من بعدما بعدت
فانظر تشاهد أنوار الجمال بدت


صفحه 370

تُجلى الرياض وقينات الحمام شدت ... والزهر يحرق عرف المندل الأرج
نُسَيمة القرب من ذاك الجمال سرت
فكم فؤاد بها سرّت وكم أسرت
وخاطر بلبلته عندما خطرت
فعاطِني يا رشيقَ القد ما اعتصرت ... يد الملاحة لي من طرفك الغنج
عزت فعزّ علينا نيل مطلبها
لما تسامت علوّاً في تمرتبها
وفي لحاظك معنى عن تطلبها
فما المدامة في سلب العقول بها ... بالسُكر أسلبُ من عينيك للمُهج
صهباء تذهب بالتبريح والترح
وتُبدِل الهمّ والأوهام بالفرح
يا طيب في ساحتي حاناتها مرحي
وإن تُرد مزجها لا تمزجن قدحي ... دعه برقة وجدي فيك يمتزج
يا ويح روحي تمادت في مآربها
واستعذبت ما تلاقي من مُعذّبها
مسلوبة قد براها عشقُ سالبها
مرّت ليالي صدود لو جمعت بها ... دمعي جرت سفنٌ منه على لجج
أشفقت من فيض آماقي على غرقي
ولم يخلّ الضنى مني سوى رمقي
وبُدِّل النومُ بالتسهيد والأرق
كم قد فتحت لضيف الطيف من حُرَق ... باب المنى فانثنى عنه ولم يلج
عليك مُذ كنتَ لي ما زلت معتمدا


صفحه 371

لما أجلّك بالتعظيم معتقدا
ولم أحل عن عهود بيننا أبدا
وكم بذلت جميعي مجتهداً ... وصنت سرّك في قلب عليك شج
أضحى وجودي منسوباً الى العدم
وسرُ وجودي بسقمي غير مكتتم
كم قد تبرّمت من شوقي ومن ألمي
وشمت برقاً على الجرعاء من إضم ... قلبي عليك وطرفي غير مختلج
لي البشارة أحلامي بكم صدقت
وبالرضا أحسن الأحوال قد نطقت
وكان ما صار بالحسنى التي سبقت
وهذه ليلة من لؤلؤ خُلقت ... حسناً وإن ظهرت في صبغة السبج
أكرم بها ليلةً عظّمت حرمتها
ودمت أشكر مهما عشت نعمتها
ولم أخف من صروف الدهر نقمتها
جلت ثناياك ذات الظلم ظلمتها ... ولم يكلها لضوء الشمع والسّرج
لما تجنّبت عن علمي وعن عملي
شوقاً لرؤياك يا سولي ويا أملي
أفنى فِناك فنائي وانقضى أجلي
فصار ثبتك في محوي يحقق لي ... إيجاب سلبي من ستر ومن بهج
ومذ تجلّيت في كل المظاهر لي
ولاح معناك لي في السهل والجبل


صفحه 372

حققت رؤياك كشفاً بالعيان جُلي
فلم أقل للصّبا من بعدها احتملي ... للحيّ شخصي ولا لي في الخيام لُجي
محمود بن سلمان بن فهد
الشيخ الإمام العالم العلامة الأديب الكامل البارع الناظم الناثر القاضي الرئيس الجليل شهاب الدين أبو الثناء الحلبي الدمشقي الحنبلي، صاحب ديوان الإنشاء بدمشق.
سمع من الرضيّ بن البرهان، ويحيى بن عبد الرحمن بن الحنبلي، والشيخ جمال الدين بن مالك، وابن هامل المحدّث، وغيرهم. وكان يذكر أن له إجازة من يوسف بن خليل، وتفقه على ابن المنجا وغيره. وقرأ العربية على ابن مالك، وتأدّب بالشيخ مجد الدين بن الظهير الإربلي الحنفي، وسلك طريقه في النظم وحذا حذوه وأربى عليه، وإن كان قد تلا تلوه، لأنه كان إذا نظم أخذ الكلمات حروفاً، فإذا ركّبها صارت في الآذان شنوفاً، يرشف السمعُ منه مدامه، ويتعلم التغريدَ منها الحمامة، ويُسطرها فيرى الناس بدرها وقد استفاد تمامه، وزهرَها وقد شق الربيع كمامَه، وروضها وقد جادته الغمامه. وإذا نثر فضح الدر في السلوك، ورصّعه في تيجان الملوك، فكم من تقليد هو في يد صاحبه للسعد إقليد، وكم منشور فيه توليد، وهو بوجنة السيادة توريد، وكم من توقيع هو قنديل يضيء لمن حواه أو هو في كأس مسرّته قنديد. وخطه من أين للوشي رقمه أو للعِقْد نظمه أو للروض زهره أو


صفحه 373

لطرف الحبيب سِحره، أو للنجوم طرائقه، أو لخطوط إقليدس دقائقه، أو للفكر الصحيح حقائقه، قد نمّق أوضاعه المتأنّقة، ونسخ محاسن من تقدّمه بحروفه المحقّقة:
ينمنِمُ الخطّ لا يجتاب أحرُفَه ... والوشي مهما حكاها منه يجتابُ
لو لم يكن مستقيماً بعدما سجدت ... فيه المعاني لقلت السطرُ محرابُ
أملى تصانيف في أكمامها ثمرٌ ... تجنيه بالفهمِ دون الكف ألبابُ
وكان - رحمه الله تعالى - ممن أتقن الفنين نظماً ونثرا. وبرع في الحالين بديهة وفكرا. وكان هو يزعم أن نثره أحسنُ من نظمه، وأن بدره فيه أكمل منه في تمّه.
والذي أراه أنا، وأبرأ فيه من العناية والعنا، أن نظمه أعذب في الأسماع، وأقرب الى انعقاد الإجماع، لأنه انسجم تركيباً وازدحم تهذيباً، فسحر الألباب، ودخل بالعجب من كل باب، وإن كان نثره قد جوّده، وأجراه على قواعد البلاغة وعوّده، فإن شعره أرفع من ذلك طبقة، وأبعدُ شأواً على من رام أن يلحقَهْ، وهو يحذو فيه حذو سبط التعاويذي. وقصائده مطوّلة فائقة، ليس يرتفع فيها ولا ينحطّ، بل هي أنموذج واحد ليس فيها ما يُرمى. ولم يكن بغوّاص على المعاني ولا يقصد التورية، فإنها جاءت في كلامه قليلة، ومقاطيعه قليلة، ولكن قصائده طويلة طائلة هائلة، لعلها تجيء في ثلاثة مجلدات أو أربعة، ولم يجمعها أحد، وهي كما قال ابن الساعاتي:
ناطقاتٌ بكل معنىً يضاهي ... نُكَتَ السّحر في عيون الملاح
من نسيب يهزّ عاطفة المج ... د ومدح يلين قلب السماح
وأما نثره فيجيء في ثلاثين مجلدة. وكان أخيراً بالديار المصرية، يُنشئ هو ويكتب ولده القاضي جمال الدين إبراهيم، فيجيء المنشور أو التوقيع فائقاً في خطه ولفظه.
وعلى الجملة فلم أر مَن يصدق عليه اسم الكاتب غيره، لأنه كان ناظماً ناثراً، عارفاً


صفحه 374

بأيام الناس وتراجمهم ومعرفة خطوط الكتّاب، وله الروايات العالية بأمها كتب الأدب وغيره، ورأى الأشياخ وأخذ عنهم. وعُيّن في وقت بالديار المصرية لقضاء الحنابلة.
وهو - رحمه الله تعالى - أحد الكلمة الذين عاصرتهم وأخذت عنهم. وكان يكتب الإنشاء أولاً بدمشق، ثم إن الصاحب شمس الدين بن السلعوس نقله الى الديار المصرية لما توفي القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، وتقدم ببلاغته وكتابته وإنشائه وسكونه وتواضعه.
وأقام بالديار المصرية الى أن توفي القاضي شرف الدين بن فضل الله بدمشق، فجُهز مكانه الى دمشق صاحب ديوان الإنشاء، فأقام بها الى أن توفي - رحمه الله تعالى - ليلة السبت ثاني عشري شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مئة بدار الفاضل بدمشق داخل باب الناطفانيين، وصُلي عليه ضحى يوم السبت بالجامع الأموي، وصلى عليه نائب الشام الأمير سيف الدين تنكز والأعيان برّا باب النصر، ودفن التي عمّرها لنفسه بالقرب من مسجد ابن يغمور، وصُلي عليه بمكة والمدينة.
ومولده في شعبان سنة أربع وأربعين وست مئة.
وكان محباً لأهل الخير والصالحين، مواظباً على النوافل والتلاوة والأدعية، يستحضر ذلك، ويذكر الموت دائماً، وعنده خوف من الله - تعالى - وعليه سكينة كبيرة ووقار.