بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 370

تُجلى الرياض وقينات الحمام شدت ... والزهر يحرق عرف المندل الأرج
نُسَيمة القرب من ذاك الجمال سرت
فكم فؤاد بها سرّت وكم أسرت
وخاطر بلبلته عندما خطرت
فعاطِني يا رشيقَ القد ما اعتصرت ... يد الملاحة لي من طرفك الغنج
عزت فعزّ علينا نيل مطلبها
لما تسامت علوّاً في تمرتبها
وفي لحاظك معنى عن تطلبها
فما المدامة في سلب العقول بها ... بالسُكر أسلبُ من عينيك للمُهج
صهباء تذهب بالتبريح والترح
وتُبدِل الهمّ والأوهام بالفرح
يا طيب في ساحتي حاناتها مرحي
وإن تُرد مزجها لا تمزجن قدحي ... دعه برقة وجدي فيك يمتزج
يا ويح روحي تمادت في مآربها
واستعذبت ما تلاقي من مُعذّبها
مسلوبة قد براها عشقُ سالبها
مرّت ليالي صدود لو جمعت بها ... دمعي جرت سفنٌ منه على لجج
أشفقت من فيض آماقي على غرقي
ولم يخلّ الضنى مني سوى رمقي
وبُدِّل النومُ بالتسهيد والأرق
كم قد فتحت لضيف الطيف من حُرَق ... باب المنى فانثنى عنه ولم يلج
عليك مُذ كنتَ لي ما زلت معتمدا


صفحه 371

لما أجلّك بالتعظيم معتقدا
ولم أحل عن عهود بيننا أبدا
وكم بذلت جميعي مجتهداً ... وصنت سرّك في قلب عليك شج
أضحى وجودي منسوباً الى العدم
وسرُ وجودي بسقمي غير مكتتم
كم قد تبرّمت من شوقي ومن ألمي
وشمت برقاً على الجرعاء من إضم ... قلبي عليك وطرفي غير مختلج
لي البشارة أحلامي بكم صدقت
وبالرضا أحسن الأحوال قد نطقت
وكان ما صار بالحسنى التي سبقت
وهذه ليلة من لؤلؤ خُلقت ... حسناً وإن ظهرت في صبغة السبج
أكرم بها ليلةً عظّمت حرمتها
ودمت أشكر مهما عشت نعمتها
ولم أخف من صروف الدهر نقمتها
جلت ثناياك ذات الظلم ظلمتها ... ولم يكلها لضوء الشمع والسّرج
لما تجنّبت عن علمي وعن عملي
شوقاً لرؤياك يا سولي ويا أملي
أفنى فِناك فنائي وانقضى أجلي
فصار ثبتك في محوي يحقق لي ... إيجاب سلبي من ستر ومن بهج
ومذ تجلّيت في كل المظاهر لي
ولاح معناك لي في السهل والجبل


صفحه 372

حققت رؤياك كشفاً بالعيان جُلي
فلم أقل للصّبا من بعدها احتملي ... للحيّ شخصي ولا لي في الخيام لُجي
محمود بن سلمان بن فهد
الشيخ الإمام العالم العلامة الأديب الكامل البارع الناظم الناثر القاضي الرئيس الجليل شهاب الدين أبو الثناء الحلبي الدمشقي الحنبلي، صاحب ديوان الإنشاء بدمشق.
سمع من الرضيّ بن البرهان، ويحيى بن عبد الرحمن بن الحنبلي، والشيخ جمال الدين بن مالك، وابن هامل المحدّث، وغيرهم. وكان يذكر أن له إجازة من يوسف بن خليل، وتفقه على ابن المنجا وغيره. وقرأ العربية على ابن مالك، وتأدّب بالشيخ مجد الدين بن الظهير الإربلي الحنفي، وسلك طريقه في النظم وحذا حذوه وأربى عليه، وإن كان قد تلا تلوه، لأنه كان إذا نظم أخذ الكلمات حروفاً، فإذا ركّبها صارت في الآذان شنوفاً، يرشف السمعُ منه مدامه، ويتعلم التغريدَ منها الحمامة، ويُسطرها فيرى الناس بدرها وقد استفاد تمامه، وزهرَها وقد شق الربيع كمامَه، وروضها وقد جادته الغمامه. وإذا نثر فضح الدر في السلوك، ورصّعه في تيجان الملوك، فكم من تقليد هو في يد صاحبه للسعد إقليد، وكم منشور فيه توليد، وهو بوجنة السيادة توريد، وكم من توقيع هو قنديل يضيء لمن حواه أو هو في كأس مسرّته قنديد. وخطه من أين للوشي رقمه أو للعِقْد نظمه أو للروض زهره أو


صفحه 373

لطرف الحبيب سِحره، أو للنجوم طرائقه، أو لخطوط إقليدس دقائقه، أو للفكر الصحيح حقائقه، قد نمّق أوضاعه المتأنّقة، ونسخ محاسن من تقدّمه بحروفه المحقّقة:
ينمنِمُ الخطّ لا يجتاب أحرُفَه ... والوشي مهما حكاها منه يجتابُ
لو لم يكن مستقيماً بعدما سجدت ... فيه المعاني لقلت السطرُ محرابُ
أملى تصانيف في أكمامها ثمرٌ ... تجنيه بالفهمِ دون الكف ألبابُ
وكان - رحمه الله تعالى - ممن أتقن الفنين نظماً ونثرا. وبرع في الحالين بديهة وفكرا. وكان هو يزعم أن نثره أحسنُ من نظمه، وأن بدره فيه أكمل منه في تمّه.
والذي أراه أنا، وأبرأ فيه من العناية والعنا، أن نظمه أعذب في الأسماع، وأقرب الى انعقاد الإجماع، لأنه انسجم تركيباً وازدحم تهذيباً، فسحر الألباب، ودخل بالعجب من كل باب، وإن كان نثره قد جوّده، وأجراه على قواعد البلاغة وعوّده، فإن شعره أرفع من ذلك طبقة، وأبعدُ شأواً على من رام أن يلحقَهْ، وهو يحذو فيه حذو سبط التعاويذي. وقصائده مطوّلة فائقة، ليس يرتفع فيها ولا ينحطّ، بل هي أنموذج واحد ليس فيها ما يُرمى. ولم يكن بغوّاص على المعاني ولا يقصد التورية، فإنها جاءت في كلامه قليلة، ومقاطيعه قليلة، ولكن قصائده طويلة طائلة هائلة، لعلها تجيء في ثلاثة مجلدات أو أربعة، ولم يجمعها أحد، وهي كما قال ابن الساعاتي:
ناطقاتٌ بكل معنىً يضاهي ... نُكَتَ السّحر في عيون الملاح
من نسيب يهزّ عاطفة المج ... د ومدح يلين قلب السماح
وأما نثره فيجيء في ثلاثين مجلدة. وكان أخيراً بالديار المصرية، يُنشئ هو ويكتب ولده القاضي جمال الدين إبراهيم، فيجيء المنشور أو التوقيع فائقاً في خطه ولفظه.
وعلى الجملة فلم أر مَن يصدق عليه اسم الكاتب غيره، لأنه كان ناظماً ناثراً، عارفاً


صفحه 374

بأيام الناس وتراجمهم ومعرفة خطوط الكتّاب، وله الروايات العالية بأمها كتب الأدب وغيره، ورأى الأشياخ وأخذ عنهم. وعُيّن في وقت بالديار المصرية لقضاء الحنابلة.
وهو - رحمه الله تعالى - أحد الكلمة الذين عاصرتهم وأخذت عنهم. وكان يكتب الإنشاء أولاً بدمشق، ثم إن الصاحب شمس الدين بن السلعوس نقله الى الديار المصرية لما توفي القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، وتقدم ببلاغته وكتابته وإنشائه وسكونه وتواضعه.
وأقام بالديار المصرية الى أن توفي القاضي شرف الدين بن فضل الله بدمشق، فجُهز مكانه الى دمشق صاحب ديوان الإنشاء، فأقام بها الى أن توفي - رحمه الله تعالى - ليلة السبت ثاني عشري شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مئة بدار الفاضل بدمشق داخل باب الناطفانيين، وصُلي عليه ضحى يوم السبت بالجامع الأموي، وصلى عليه نائب الشام الأمير سيف الدين تنكز والأعيان برّا باب النصر، ودفن التي عمّرها لنفسه بالقرب من مسجد ابن يغمور، وصُلي عليه بمكة والمدينة.
ومولده في شعبان سنة أربع وأربعين وست مئة.
وكان محباً لأهل الخير والصالحين، مواظباً على النوافل والتلاوة والأدعية، يستحضر ذلك، ويذكر الموت دائماً، وعنده خوف من الله - تعالى - وعليه سكينة كبيرة ووقار.


صفحه 375

ولما مات رحمه الله تعالى كنت بالديار المصرية فقلتُ أرثيه، ولم أكتب بها الى أحد:
ما حُزن قلبي في البلوى بمحدودِ ... ولا فؤادي في السّلوى بمعدودِ
فلا تذمَّ امرأ يبكي الدماء على ... أبي الثناء شهاب الدين محمود
يا ساري الليل يبغي الفضلَ مجتهداً ... ارجع وحُطَّ عن المهريّة القُود
مات الإمام الذي كنا نؤمّ له ... فيما نؤمّله من غير تفنيد
وأقفرت ساحةُ الآداب واندرستْ ... معالم العلم منه بعد تشييد
أما ترى كيف كتّاب الأنام غدت ... أوراقُهم وهي فيه ذات تسويد
هو الإمام الذي لما سما كرماً ... ألقت إليه المعاني بالأقاليد
طوفان علم جرَت فيه السّفينة من ... آدابه واستوت منه على الجودي
فليس باغي معاليه بذي ظَفَرٍ ... وليس راجي أياديه بمردود
كأن أقلامه في الكفّ بانُ نَقىً ... حمائم السّجع منها ذات تغريد
فيرجع الطّرس من نقش عليه بدا ... كأنّه نقش كفّ الكاعب الرود
كم قلّد الدهر عقداً من قصائده ... بدُرّ لفظٍ بديع الرّصفِ منضود
وكم حبا الملكَ تيجان البلاغة من ... تلك التواقيع أو تلك التقاليد
وكم أفاد المعاني من بلاغته ... ما زانها باختراعاتٍ وتوليد
فصال إذ صان سرّ الملك منفرداً ... على الأعادي بكيدٍ غير مكدود
فلا قوامُ القَنا يهتزّ من مرح ... ولا خُدود المواضي ذات توريد
وليس يُسمَع للأبطال همهمةٌ ... رعودها خار منها كل رِعديد
تدبير مَن حلبَ الأيام أشطرها ... مهذّب الرأي في عزم وتسديد


صفحه 376

أراه إن قام ذو فضلٍ بمنصبه ... قال البيانُ له قُم غير مَطرود
أمّا ترسُّلُه السهل البديع فقد ... أقام في شاهقٍ بالنّجم معقود
أنسى الأنام به عبد الرحيم كما ... راح العماد بقلبٍ غير معمود
تراهُ إن أعمل الأيام مُرتَجلاً ... قال البيانُ لها يا سُحبَنا جودي
يُملي ويكتبُ من رأس اليراع بلا ... فِكرٍ فيأتي بسحرٍ غير معهود
إذا سمعنا قوافيه وقد نجزَت ... تقول من طرَبٍ ألبابنا عيدي
شاعَت فضائلُهُ في الناس واشتهرت ... وبات يُنشدها الرُكبانُ في البيد
يا مَن رجعتُ به في الناس معرفةً ... من بعد ما زال تنكيري وتنكيدي
ساعدت فيكَ حمامُ الأيكِ نائحةً ... فقصّرت فيك عن تَعداد تَعديدي
لهفي عليك وهل يُجدي التلهّف أو ... يفكّ أسرَ فؤادٍ فيك مصفود
وحُرقَتي فيك لا يُطفي تلهّبها ... دمعي ولو سال في خدّي بأخدود
فلا جفَت قبركَ الأنواءُ وانسجمت ... عليه يا خير ذي صمتٍ وقد نودي
وكنتُ قد قرأت عليه المقامات الحريرية وانتهيت منها الى آخر المقامة الخامسة والعشرين في سنة ثلاثة وعشرين وسبع مئة، فكتب هو عليها: قرأ عليّ المولى الصدر فلان الدّين، نفعه الله بالعلم ونفع به، من أوّل كتاب المقامات الى آخر الخامسة والعشرين قراءة تُطرب السامع وتأخذ من أهواء القلوب بالمجامع، وسأل منها عن غوامض تدلّ على ذكاء خاطره المتّقد، وصفاء ذهنه العارف منه بما ينتفي وينتقد. ورويتها له عن الشيخ الإمام مجد الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن الظهير


صفحه 377

الإبلي، وساق سنده الى الحريري ثم إنه كتب لي على آخرها وقد كمّلت قراءتها عليه بدمشق في ثاني عشر شهر الله المحرّم سنة أربع وعشرين وسبع مئة: قرأ عليّ المولى الكبير الرئيس العالم الفاضل المُتقِن المُجيد نظماً ونثراً المحسن في كل ما يأتي به من الأنواع الأدبية بديهة وفكراً. فلانُ الدين نفعه الله بالعلم ونفع به كتاب المقامات الحريرية قراءة دلّت على تمكنه من علم البيان واقتداره على إبراز عقائل المعاني المستكنّة في خدور الخواطر مجلوّة لعيان الأعيان. وإنه استشفّ أشعة مقاصدها بفكره المتّقد، وفرّق بين قيم فرائدها بخاطره المنتقد، فما تجاوز مكاناً إلا وأحسن الكلام في حقيقته ومجازه، ولا تعدّى بياناً إلا وأجمل المقال في تردد البلاغة بين بسط القول فيه وإيجازه، ورويته له عن فلان، وذكر السند على العادة.
وكتب هو لي أيضاً على كتاب الحماسة: قرأ عليّ الصدر فلان الدين قراءة مطّلع من البلاغة على كنوزها، مميّز في الصناعة بين لُجين بديعها وإبريزها: باحثٍ عن إبراز مقاصدهم التي لا توجد في كلام مَن بعدهم، عالم بقيم فرائدهم التي إذا ساواها بغيرها نُقّاد الأدباء بسرح الامتحان والسبك نقدهم. ثم ذكر سنده فيها، على العادة.
وكتب هو أيضاً على كتابه أهنا المنائح في أسنى المدائح مما نظمه هو في مديح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: