بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 400

محمود بن عبد الرحمن بن أحمد
ابن محمد بن أبي بكر بن علي، وينتمي الى علاء الدولة الهمذاني، الشيخ الإمام العالم العلامة المحقق المفتن الفريد الحجة، جامع أشتات الفضائل، وارث علوم الأولين، حجة المتكلمين، إمام الفقهاء، شمسُ الدين أبو الوفاء بن جمال الدين أبي القاسم بن مجد الدين الأصبهاني.
بحرٌ يتدفق بالعلوم أمواجه، وحبر فضله في كل فن تضيء شموسه ولا أقول يتقد سراجه، وملكٌ يجبى إليه من كل علم متّسعِ الأقطار خَراجُه، لو رآه الرازي علم أنه ما رأى زيّه، وصحّ أن المعقول هجر القطبين مصريّهُ وشيرازيّه، ولو أنصفه النصير الطوسي لما بني الرصد إلا لكواكبه، ولا سار مع الجيوش إلا خدمة لمواكبه، وما عسى أن أصفَ مَن هو إمام في كل علم، وأُثني على من بيده زمام كل حلم، تصانيفه تشهد له بأنه فريد أوانه ووحيد زمانه، برع في الشرعيات لما شرع، وبزع في العقليات شمساً نورها محا ظلام الجهل فانقشع، علامة في كل علم له علامة، وأستاذ ترى كل شيخ في فنه غلامه. اشتغل في البلاد الشرقية وورد الى الشام فأنسى الناس المحاسن الدمشقية:
ورد اللوى سحَراً فعطّر جيبَهُ ... بالجزع طُبّاق هناك وشيحُ
حتى غدَت نفحاتُه وكأنّما ... يُهدى بهنّ لكُلّ جسمٍ روحُ


صفحه 401

وقرأ عليه الأئمة، وشهد له الأعلام أنه عالم هذه الأمة.
ثم إن السلطان طلبه الى القاهرة، وأطلع في آفاقها نجومه الزاهرة، فوردها وهي بحر بالفضلاء يتموّج، وزهرٌ بالفضائل يتأرّج، فأقام بها ينشر مُلاءات فضائله، ويعلّم الزمان بأخلاقه الزكية رقّة بُكرهِ وأصائله.
ولم يزل على حاله الى أن كحل بالأصبهاني جفن الضريح، وغادر قلب الزمان عليه وهو جريح.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
وسألته عن مولده فقال: ولدت بأصبهان في سابع عشر شعبان سنة أربع وسبعين وست مئة.
وورد الى دمشق بعد حجّه وزيارة القدس في صفر سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وظهرت فضائله للناس وعظّمه الشيخ تقي الدين بن تيمية، وقال يوماً في حقه: اسكتوا حتى نسمع كلام هذا الفاضل الذي ما دخل البلاد مثلُه.
وكان يلازم الجامع الأموي ليلاً ونهاراً، وسكن في باب الناطفيين، وأكبّ على التلاوة والسمع والإشغال للطلبة عند قبر زكريا، وتولى تدريس الرواحية، ودرّس بها في ثاني عشر شعبان يوم الأحد من السنة المذكورة بعد الشيخ كمال الدين بن


صفحه 402

الزملكاني فيما أظن، وكان درساً حافلاً حضره الأعيان والشيخ تقي الدين بن تيمية، وأثنى الأعيان على فضائله.
ولم يزل بدمشق الى أن طلبه السلطان الى الديار المصرية، فتوجه إليها على البريد في منتصف شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وكان السفير له في ذلك الشيخ مجد الدين الأقصرائي شيخ خانقاه السلطان بسرياقوس، وكان السلطان يشتهي يرى الغرباء من تلك البلاد، ولما وقعت بطاقته من بُلبيس بقي متطلعاً الى قدومه ساعة فساعة، فتوجه الشيخ شمس الدين الى سرياقوس ونزل بالخانقاه الى عند الشيخ مجد الدين فأضافه، وعمل له السماعات، ودخل به الحمام، فلما أبطأ خبره على السلطان وعلم أنه اشتغل عنه ولم يدخل الى السلطان إلا بعد ثلاثة أيام أو أربعة، نزل من عين السلطان ومجّه، ولم يلق بقلبه ولم يتجدد له شيء.
ونزل الى القاهرة، لكنه فيه رياسة العلم، وكان الشيخ ما يعرف اللغة التركية، فقعد به ذلك، إلا أنه راج باللغة العجمية عند الأمير سيف الدين قوصون، وبنى له الخانقاه العظيمة بالقرافة، وجعله شيخها، ثم إنه قرّبه عند السلطان، فكان يحضر عنده في بعض الأوقات.
وسألته في سنة خمس وأربعين وسبع مئة بمنزله بالخانقاه المذكورة لما كنت بالقاهرة عن مبتدأ حاله فقال:


صفحه 403

قرأت القرآن والفقه على والدي، والعربية أيضاً على الشيخ نصير الدين الفاروثي، وعلى الشيخ جمال الدين بن أبي الرجا شيخ في تربة علي بن سهل الصوفي، وقرأت شيئاً من المعقول على صدر الدين تُركا، والمولى جمال الدين تركا، وشيئاً من الطب والخلاف، وقرأت عليه نكت الأربعين للنّسفي، وصنّف في تلك البلاد شرح المختصر لابن الحاجب للخواجا رشيد، وشرح مطالع سراج الدين الأرموي لقاضي القضاة عبد الملك، وشرح تجريد النصير الطوسي باسم علي باشا، وصنّف أكثر من ربع العبادات على مذهب الشافعي مضافاً إليه مذهب أبي حنيفة ومالك الى الاعتكاف، وشرح قصيدة الساوي في العروض وتفسير آية الكرسي ومختصراً في المنطق سمّاه ناظر العين، كل ذلك صنفه بتبريز.
ثم إنه انتقل الى دمشق في التاريخ المذكور وشرح فيها مقدمة ابن الحاجب، وتفسير قوله تعالى: " شهد الله أنه لا إله إلا هو "، وتفسير " إن الله وملائكته يصلّون على النبي " الآية، وتفسير " يا أيها الناس إن كنتم في ريبٍ من البعث ".
ثم إنه توجه الى مصر في التاريخ المذكور وصنّف فيها شرح البديع للساعاتي في


صفحه 404

الأصولين باسم السلطان الملك الناصر، وشرح ناظر العين، وشرح المنهاج للبيضاوي، وشرح طوالع القاضي ناصر الدين البيضاوي وتعاليق على مسائل. ثم صنّف مختصراً في أصول الدين، وشرح فصول النسفي، وتفسير سورة يوسف، وسورة الكهف.
ثم إنه شرع في تفسير مستقل وصل فيه الى حين اجتماعي به في سابع عشر شوال سنة خمس وأربعين وسبع مئة الى قوله تعالى: " مَن يُطع الرسول فقد أطاع الله ". وقال لي: كنت قد فسّرت جملة كبيرة، ولكن في فتنة قوصون عدمت المسوّدات فأنا الآن أغرمها.
وقال لي بعض الجماعة إنه يمتنع من الأكل في كثير من الأوقات لئلا يحتاج الى الدخول الى الخلا خوفاً من ضياع الزمان بلا كتابة في التفسير.
وكان خطّه قوياً وقلمه سريعاً، ورأيته يكتب في هذا التفسير من خاطره من غير مراجعة، وكان قد شرع قبل ذلك في مختصر لطيف في أصول الدين، وجيز اللفظ، كثير الفوائد والمباحث.
وسمع البخاري مرتين على الحجّار بقراءة شيخنا البرزالي، وسمع على أشياخ ذلك العصر، وأذن لجماعة كثيرة بالشام ومصر في الإفتاء، وانتفع به الناس في الشام ومصر كثيراً، وأجاز لي بخطه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
ولما بلغتني وفاته رحمه الله تعالى قلت أرثيه:
أيها العاذل لا تلح ... فعندي ما كَفاني


صفحه 405

كيف لا تسفح عيني ... دمعها أحمر قاني
أظلمت عينيّ لمّا ... فقدتُ شمس الزّمان
وغدا جَفني قريحاً ... باكياً مما دَهاني
لم يُفدهُ كُحْلٌ ... بعدَ فقدِ الأصبهاني

محمود بن محمد بن إبراهيم بن جملة
الشيخ الإمام الورع الخطيب جمال الدين بن جملة، خطيب الجامع الأموي بدمشق.
كانت له طريقة، سلكها فجعل مجازها حقيقة، لازم بها الخطابة وركن، ولزم مكانه بالجامع فما تحرّك منه بعدما سكن، واقتصر به على خاصة نفسه وملازمة خطابته وهواه ودرسه، لا يتردد الى أمير ولا كبير ولا صغير، بل الأمراء يحضرون إليه، ويتطفلون عليه، ويلتمسون بركاته، ويعدّون سكناته وحركاته، وإشاراته عند نوّاب الشام مشهورة مقبولة، وربوع أوقاته بالخيرات مأهولة:
حسُنَت وطابت في الورى أخبارُه ... وأصحّها راوي العُلا أصحاحا
وكأن درّاً فاه راوي مدحه ... مهما روى وكأن مسكاً فاحا
قد سخّر الأرواح خالقها له ... إن لم يكن قد سخّر الأشباحا
فإذا علا يوماً ذؤابةَ منبرٍ ... نثروا على كلماته الأرواحا
وأما جنازته فكانت آية بلغت من الاحتفال الغاية، وجازت الحد في الكثرة


صفحه 406

والنهاية، حُملت على الأصابع ولم تصل إليها الرؤوس، وتناهب الناس آثاره، واجتلوا نعشه منصة وهو فيها عروس.
وما زال على حاله الى أن انفرد ابن جملة عن جملة الأحياء وأصبح في مماته من أعجب الأشياء.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الإثنين العصر الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وستين وسبع مئة.
وكان قد ولي الخطابة بعد الخطيب تاج الدين بن جلال الدين القزويني في سنة تسع وأربعين وسبع مئة.

محمود بن علي بن محمود
ابن مقبل العراقي، تقي الدين الدّقوقي الحنبلي، الإمام المتقن محدّث بغداد، شيخ المستنصرية.
أسمعه أبوه من المؤرخ علي بن أنجب، وعبد الصّمد بن أبي الجيش، وابن أبي الدنيّة وجماعة، من ذلك كل جامع المسانيد من محمد بن أبي الدنية، وطلب هو بنفسه يسيراً، وكان يحدّث الناس على كرسي ببغداد، ويحضره خلق عظيم ويأتي بكل نفيس، وله نثر ونظم ومعرفة بالنحو واللغة، وكان يعظ في الأعزّية.


صفحه 407

وكان متقناً متحرّياً جهوريّ الصوت محبوباً الى الناس لفضله وعلمه. وليَ مشيخة المستنصرية بعد ابن الدواليبي.
توفي - رحمه الله تعالى - في أوائل المحرّم من سنة ثلاث وثلاثين، أو أواخر الحجة من سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ولم يخلّف درهماً، وحُمل نعشه على الرؤوس.
ومولده سنة ثلاث وستين وست مئة.

محمود بن عزّي بن مشعل
الشيخ الفقيه الفاضل جمال الدين البصروي.
كان فقيهاً جيداً حفظ التنبيه ثم حفظ الوجيز، وكان يكرر عليه وينقل منه كثيراً.
توفي في سابع عشري شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مئة ببصرى ودفن بها.

محمود بن محمد بن عبد الرحيم
ابن عبد الوهاب، الشيخ بهاء الدين، الكاتب المجوّد المتقن المحرر السلمي، المعروف بابن خطيب بعلبك.
كان فرداً في زمانه، وندرةً في أوانه. كاتبٌ أين الرياض من حروفه القاعدة، والعقود من سطوره التي تبيت العيون في محاسنها ساهدة، كم روّض قلمُه طرساً، وجلا على الأبصار عرساً، وخضع له الكُتّاب فلا تسمع إلا همساً، ألفاته أحسنُ اعتدالاً من