الأصولين باسم السلطان الملك الناصر، وشرح ناظر العين، وشرح المنهاج للبيضاوي، وشرح طوالع القاضي ناصر الدين البيضاوي وتعاليق على مسائل. ثم صنّف مختصراً في أصول الدين، وشرح فصول النسفي، وتفسير سورة يوسف، وسورة الكهف.
ثم إنه شرع في تفسير مستقل وصل فيه الى حين اجتماعي به في سابع عشر شوال سنة خمس وأربعين وسبع مئة الى قوله تعالى: " مَن يُطع الرسول فقد أطاع الله ". وقال لي: كنت قد فسّرت جملة كبيرة، ولكن في فتنة قوصون عدمت المسوّدات فأنا الآن أغرمها.
وقال لي بعض الجماعة إنه يمتنع من الأكل في كثير من الأوقات لئلا يحتاج الى الدخول الى الخلا خوفاً من ضياع الزمان بلا كتابة في التفسير.
وكان خطّه قوياً وقلمه سريعاً، ورأيته يكتب في هذا التفسير من خاطره من غير مراجعة، وكان قد شرع قبل ذلك في مختصر لطيف في أصول الدين، وجيز اللفظ، كثير الفوائد والمباحث.
وسمع البخاري مرتين على الحجّار بقراءة شيخنا البرزالي، وسمع على أشياخ ذلك العصر، وأذن لجماعة كثيرة بالشام ومصر في الإفتاء، وانتفع به الناس في الشام ومصر كثيراً، وأجاز لي بخطه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
ولما بلغتني وفاته رحمه الله تعالى قلت أرثيه:
أيها العاذل لا تلح ... فعندي ما كَفاني
كيف لا تسفح عيني ... دمعها أحمر قاني
أظلمت عينيّ لمّا ... فقدتُ شمس الزّمان
وغدا جَفني قريحاً ... باكياً مما دَهاني
لم يُفدهُ كُحْلٌ ... بعدَ فقدِ الأصبهاني
محمود بن محمد بن إبراهيم بن جملة
الشيخ الإمام الورع الخطيب جمال الدين بن جملة، خطيب الجامع الأموي بدمشق.
كانت له طريقة، سلكها فجعل مجازها حقيقة، لازم بها الخطابة وركن، ولزم مكانه بالجامع فما تحرّك منه بعدما سكن، واقتصر به على خاصة نفسه وملازمة خطابته وهواه ودرسه، لا يتردد الى أمير ولا كبير ولا صغير، بل الأمراء يحضرون إليه، ويتطفلون عليه، ويلتمسون بركاته، ويعدّون سكناته وحركاته، وإشاراته عند نوّاب الشام مشهورة مقبولة، وربوع أوقاته بالخيرات مأهولة:
حسُنَت وطابت في الورى أخبارُه ... وأصحّها راوي العُلا أصحاحا
وكأن درّاً فاه راوي مدحه ... مهما روى وكأن مسكاً فاحا
قد سخّر الأرواح خالقها له ... إن لم يكن قد سخّر الأشباحا
فإذا علا يوماً ذؤابةَ منبرٍ ... نثروا على كلماته الأرواحا
وأما جنازته فكانت آية بلغت من الاحتفال الغاية، وجازت الحد في الكثرة
والنهاية، حُملت على الأصابع ولم تصل إليها الرؤوس، وتناهب الناس آثاره، واجتلوا نعشه منصة وهو فيها عروس.
وما زال على حاله الى أن انفرد ابن جملة عن جملة الأحياء وأصبح في مماته من أعجب الأشياء.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الإثنين العصر الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وستين وسبع مئة.
وكان قد ولي الخطابة بعد الخطيب تاج الدين بن جلال الدين القزويني في سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
محمود بن علي بن محمود
ابن مقبل العراقي، تقي الدين الدّقوقي الحنبلي، الإمام المتقن محدّث بغداد، شيخ المستنصرية.
أسمعه أبوه من المؤرخ علي بن أنجب، وعبد الصّمد بن أبي الجيش، وابن أبي الدنيّة وجماعة، من ذلك كل جامع المسانيد من محمد بن أبي الدنية، وطلب هو بنفسه يسيراً، وكان يحدّث الناس على كرسي ببغداد، ويحضره خلق عظيم ويأتي بكل نفيس، وله نثر ونظم ومعرفة بالنحو واللغة، وكان يعظ في الأعزّية.
وكان متقناً متحرّياً جهوريّ الصوت محبوباً الى الناس لفضله وعلمه. وليَ مشيخة المستنصرية بعد ابن الدواليبي.
توفي - رحمه الله تعالى - في أوائل المحرّم من سنة ثلاث وثلاثين، أو أواخر الحجة من سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ولم يخلّف درهماً، وحُمل نعشه على الرؤوس.
ومولده سنة ثلاث وستين وست مئة.
محمود بن عزّي بن مشعل
الشيخ الفقيه الفاضل جمال الدين البصروي.
كان فقيهاً جيداً حفظ التنبيه ثم حفظ الوجيز، وكان يكرر عليه وينقل منه كثيراً.
توفي في سابع عشري شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مئة ببصرى ودفن بها.
محمود بن محمد بن عبد الرحيم
ابن عبد الوهاب، الشيخ بهاء الدين، الكاتب المجوّد المتقن المحرر السلمي، المعروف بابن خطيب بعلبك.
كان فرداً في زمانه، وندرةً في أوانه. كاتبٌ أين الرياض من حروفه القاعدة، والعقود من سطوره التي تبيت العيون في محاسنها ساهدة، كم روّض قلمُه طرساً، وجلا على الأبصار عرساً، وخضع له الكُتّاب فلا تسمع إلا همساً، ألفاته أحسنُ اعتدالاً من
القدود الرشيقة، ولاماته أظرف انعطافاً من الأصداغ المسوّدة على الخدود الشريقة، وعَيْناته أسحر من العيون الدُّعْج، ونوناته أسلبُ للقلب من الحواجب البُلج:
خطٌّ كأن العيونَ ناشدَة ... سود أناسيهنّ من كُتبه
أقلامه كنّ للورى قصَباً ... والسّبقُ للمحتوى على قصبه
كتب عليه جماعة من أولاد الأعيان، وبرع في الكتابة منهم شرذمة مختلفة الأديان.
وكان فيه ديانة وعفّة وصيانة، وتقوى تمنعه من التطلّع الى أولاد الناس وأمانة.
ولم يزل على حاله الى أن جرى القلم بحلول حَينه، وودّ كل كاتب لو فداه بإنسان عينه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وسبع مئة بمنزله في العُقيبة بدمشق، ودفن بمدرسة الشيخ أبي عمر بالصالحية.
ومولده في إحدى الجماديين سنة ثمان وثمانين وست مئة.
وكان يخطب جيداً بصوت طيّب، وأقام بدمشق مدة سنين، وكان محبوباً لكرم أخلاقه وعفّته. وكان من أحسن الأشكال، تام الخلق، وصف خطّه للأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، فأحضره وأمره بأن يكتب له نسخة بالبخاري، فاعتذر له بأنه مشغول بتكتيب أولاد الناس، فقال: أنا أصبر عليك، فأغفله مدة تزيد علي سنة، وطلبه فأحضر له منه مجلداً، فرماه على الأرض وضربه ضرباً كثيراً مبرحاً، ودفع إليه المجلّد، ورأيته، أعني المجلد، في بعلبك وهو نسخ شيء عجيب الى الغاية.
وقلت أنا في الشيخ بهاء الدين:
إن ابن الخطيب وابن هلال ... ليس ذا مثلَ ذا على كل حال
أيُّ نون أمسكتَ من خطّ هذا ... فهي من حُسنها بألفِ هلال
محمود بن محمد بن محمد
ابن نصر الله ابن المظفر بن أسعد بن حمزة، الصدر الرئيس العدل الكبير الفاضل الأصيل محيي الدين، أبو الثناء ابن الصدر الكبير شرف الدين ابن الصدر جمال الدين بن أبي الفتح التميمي الدمشقي بن القلانسي.
كان أحد الصدور الأعيان، كان له إشغال وتحصيل، وكان فيه خيرٌ وتواضع وملازمة لداره وعدم اختلاط بالناس، وباشر نظر ديوان البيوت وأوقاف الحرَمين.
وكان قد سمع من ابن البخاري وعبد الواسع الأبهري.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في عشري ذي الحجة سنة ثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وسبعين وست مئة.
محمود بن مسعود بن مصلح
الإمام العلامة ذو الفنون قطب الدين أبو الثناء الفارسي الشيرازي الشافعي المتكلم صاحبُ التصانيف.
كان أبوه طبيباً، وعمه من الفضلاء، فقرأ عليهما وعلى الشمس الكتبي والزكي البرشكاني، ورتب طبيباً في البيمارستان وهو حدث.
وسافر الى النصير الطوسي ولازمه وبحث عليه الإشارات وقرأ عليه الهيئة وبقية الرياضي وبرع.
واجتمع بهولاكو وأبغا، وقال له أبغا: أنت أفضل تلامذة النصير وقد كبر، فاجتهد لا يفوتك شيء من علمه. قال: قد فعلت، وما بقي لي به حاجة.
ثم إنه دخل الروم فأكرمه البَروانه، وولاه قضاء سيواس وملطيّة، وقدم الى الشام رسولاً من جهة الملك أحمد، فلما قُتل أحمد ذهب قطبُ الدين، فأكرمه أرغون، ثم إنه سكن تبريز مدة، وأقرأ المعقولات وسمع شرح السنّة من القاضي محيي الدين، وروى جامع الأصول في رمضانين، قرأه الصدر القونوي عن يعقوب الهذباني عن مصنفه.
وكان من أذكياء العالم وممن ساس الناس وداهن وسالم، مدّ يد الباع في كل الفنون، سديد الرأي في مخالطة الملوك والتحرّز من العيون. صنف التصانيف المفيدة وأودعها الذخائر العتيدة، وكان لفلك الفضائل قطباً، ولشمس العلوم شرقاً وغرباً:
بجودٍ يهمل السحب احتقاراً ... إذا ما امتدّ بينهما الهُمولُ
وأخلاقٍ كأبكار الغواني ... إذا اشتملت عليهنّ الشَمولُ
ولم يزل على حاله الى أن دارت رحى المنون على قُطبه، وجعلت شخصه في الثرى تِرباً لتُربه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في رابع عشري شهر رمضان سنة عشر وسبع مئة.
ومولده بشيراز سنة أربع وثلاثين وست مئة.
وكان الشيخ قطب الدين ظريفاً مزّاحاً لا يحمل هماً، وهو بزي الصوفية، وكان يجيد اللعب بالشطرنج ويلعب به، والخطيب على المنبر وقت اعتكافه.
وكان حليماً سمحاً لا يدّخر شيئاً، بل ينفق ما معه على تلامذته ويسعى لهم، وصار له في العام ثلاثون ألف درهم، وقصده صفي الدين عبد المؤمن المطرب فوصله بألفي درهم، وفي الآخر لازم الإفادة، فدرّس الكشّاف والقانون والشِّفا وعلوم الأوائل.
وكان القان غازان يعظّمه ويعطيه، وكان كثير الشفاعات، وإذا صنّف كتاباً صام ولازم السهر ومسوّدته مبيضته.
وكان يحب الصلاة في الجماعة ويخضع للفقير، ويوصي بحفظ القرآن، وإذا مُدح يخشع ويقول: أتمنى لو كنت في زمن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يكن لي سمع ولا بصرٌ رجاء أن يلمحني بنظرة.
مرض نحو شهرين، ولما مات رحمه الله أدّيت عنه ديونه.
وكان يتقن الشعبذة، ويضرب بالرباب ويورد من الهزليات ألواناً بحضور خربندا، وفي دروسه، وكانت أخلاقه جميلة ومحاسنه وافرة.
ومن تصانيفه غرّة التاج حِكمة، وشرح الإشراق للسهروردي،