وبقي أبو بكر بن علي شرداً طريداً، تارة بنجد، وتارة بأطراف الشام الى أن مات. وأمّنه الملك الظاهر غير مرة وحلف له فما وثق به واطمأنّ إليه.
وعلتْ درجة عيسى بن مهنا عند الظاهر ولم يزل معظّماً الى أن مات.
ثم إن الإمرة صارت لولده الأمير حسام الدين مهنا هذا في أيام الملك المنصور قلاوون، وعلت مكانته أكثر من مكانة أبيه.
قال شيخُنا شهاب الدين محمود: حضرت طرنطاي المنصوري، وهو مخيّم بالخربة، وقد حضره أحمد بن حجّي أمير آل مَري يدّعي بألف بعير أخذتها آل فضل لعربه، ومهنّا حاضر، وكل منهما جالس الى جانب من طرنطاي فألحّ أحمد بن حجي في المطالبة واحتدّ وارتفع صوته، ومهنا ساكت لا يتكلم، فلما طال تمادي أحمد في الضجيج وتمادى مهنا في السكوت، أقبل طرنطاي على مهنا وقال: ما تقول يا ملك العرب، فقال: وما أقول؟ نُعطيهم ما طلبوا، هم أولاد عمّنا، وإن كانت لهم عندنا هذه البُعيرات، أعطيناهم حقّهم، وإن كان ما لهم شيء، فما هو كثير إذا أعطينا بني عمّنا من مالنا. فقال أحمد: ألا قل، تكلم، وزاد في هذا ومثله، ومهنا ساكت، فلما زاد، رفع مهنا رأسه إليه وقال: يا أحمد: إن كان كلامك عليك هيّناً فكلامي أنا عليّ ما هو هيّن، وهذه الأباعر أقل من أن يحصل فيها كلام، وأنا أعطيك إياها. ثم قام فقال طرنطاي، هكذا والله يكون الأمير.
ولم يزل مهنا على إمرته الى أن جاءت الدولة الأشرفية. ولما خرج الأشرف لفتح قلعة الروم مرّت العساكر بسرمين إقطاع مهنا، فأكلت زروعها وآذَتْ آهلَها، فشكوا
الى مهنّا أذية العساكر، فشكا الى الأشرف، فعزّ على الأشرف، واستنقص همّته وقال: كم جهد ما أوذوا حتى تواجهني بالشكوى، وما كان يغتفر هذا الفعل لهذا الجيش العظيم الخارج لأجل إذلال العدو وقصّ جناح الكفر. وأسمعه من هذا ومثله، ثم لما كان الفتح ركب الأشرف في الفرات في خواصه، ومعه جلساؤه من بني مهدي وكانوا يضحكونه، فجاء مهنا بن عيسى فأمر بمدّ الإسقالة له ليدخل، فلما دخل عليها غمز عليه فحرِّكت الإسقالة فوقع في الماء وتلوّث بالطين، فهزأت به بنو مهدي، وضحك الأشرف ومن حوله، وطوى مهنا جوانحه على ألمها، ثم إنه استأذن في الانصراف الى بيوته، فأذن له وقال: الى لعنة الله، فأسرّها مهنا في نفسه ولم يُبْدِها، وركب من وقته وتوجه الى أهله وأقام عندهم على حذر، ثم لما عاد الأشرف ونزل بحماة، بعث إليه مهنا بخيل وجمال، فقبلها وخلع على رسوله وبعث إليه خلعة سنيّة ليطَمْئِنه بذلك ثم يكسبه، فلما جاءت إليه، لبسها إظهاراً للطاعة، وارتحل لوقته ضارباً وجه البرية، فلم يتمّ للأشرف ما أراده منه. وعاد الى مصر وفي نفسه من إمساك مهنا وإخوته وبنيه. وظن مهنا أن لا حقد عنده، فلم يلبث الأشرف أن خرج الى الكرك وخرج منها على أنه يتصيّد كباش الجبل، فعمل له مهنا ضيافةً عظيمة، فحضرها الأشرف وأكل منها، ولما فرغ من ذلك أمسك مهنا ومعه جماعة، وجهزهم الى مصر وحبسهم في برج القلعة، وضيّق عليهم إلا في الراتب لهم.
وكان مهنا في الحبس لا يأكل إلا بعد مدة، وإذا أكل أكل ما يُقيم رمقه، ويصلي الصبح، ويُدير وجهه الى الحائط ويصمت ولا يكلم أحداً حتى تطلع الشمس، ثم يقوم بعجلة وسرعة ويأخذ كفاً من حصى وتراب كان هناك، ثم يزمجر ويرمي به الى الحائط كالأسد الصّائل. فلما خرج الأشرف الى الصيد، ترك ذلك الفعل، فقيل له في ذلك، فقال: قُضي الأمر، ولم يُر منبسطاً إلا في ذلك الحين.
قال القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله: حدّثني الأمير مظفّر الدين موسى بن مهنا قال: لما كنا في الاعتقال كان عمي محمد بن عيسى مغرى بدخول المرتفق والتطويل فيه، وكان المرتفق مقارباً لدور حريم السلطان أو لبعض الأمراء، فقلت له في ذلك فقال: يا ولد مهنا، لعلي أسمع خبراً من النسوان، فإنهن يتحدّثن بما لا يتحدث به الرجال. فبينما نحن ذات يوم، وإنما بمحمد قد خرج وقال بشراكم، قد سمعت صائحة النساء تقول: واسلطاناه، فقلنا له: دعنا مما تقول، فقال: هو ما أقول لكم. وكان لنا صاحب من العرب تنكّر وأقام بمصر، وكان يقف قبالة مرمى البُرج الذي نحن فيه ويومئ إلينا ونومئ إليه، غير أنه لا يسمعنا ولا نسمعه، فلما كنا في تلك الساعة ومحمد يحدثنا، وإذا بصاحبنا قد جاء وأومأ ثم مدّ يده الى التراب وصنع فيه هيئة قبر ونصب عليه عوداً، عليه خرقة صفراء كأنها صنجق سلطاني ثم نكسها وقعد كأنه يبكي، ثم وقف قائماً ورقص، فتأكّد الخبر عندنا بموت الأشرف. فلما فُتح علينا من الغد سألنا الفتّاح والسجانين فأنكروا، ثم اعترف لنا بعضهم، فكان ذلك أعظم سرور دخل على قلبنا.
ولما خرجوا من السجن شكوا احتياجهم الى النساء، فأطلق لهم جماعة من الجواري الأشرفيات، ولم يكن مرادهم بذلك إلا التشفي، وأُعيد الجماعة الى أهلهم إلا مهنا، فإنه أخّر مدة ثم جُهّز، ولما خرج من دمشق لحقه البريد من دمشق الى ثنيّة العقاب بأن يعود، فامتنع وتوجّه الى أهله، وكانوا قد ندموا على إطلاقه، ثم إنه قدم مصر بعد ذلك مرات وهو كالطائر الحذر الذي نُصبت له الأشراك في كل مكان، وآخر مرة قدمها في أوائل الدولة الناصرية الأخيرة سنة عشر وسبع مئة، وكان بلرلغي الكبير مملوك مهنا وهو الذي قدمه، فلما وجده قد أمسك تحدث فيه مع السلطان، وقال هذا مملوكي وقدمته ليعطى إقطاعاً في الحلقة فأعطى فوق حقّه حتى جعلتموه ملكاً من الملوك، وأنا أريد أن تأخذ كل ماله ومماليكه وتعطيه إياه برقبته ليكون عندي الى أن
يموت، فوُعد بذلك. ثم إن بلرلغي مات في ذلك الوقت، فقيل له: قد مات، فعزّ ذلك عليه من عدم قبول شفاعته مع ما كان يمت به من سوابق الخدم للسلطان لما كان في الكرك.
وخرج مهنا وقد طار خوفاً ورعباً، ولما اجتمع بقراسُنقر، وكانت بينهما صداقة مؤكدة قديمة، وكل منهما مستوحش، فجدّدا الأيمان والعهود على المضافرة، وأن لا يسلّم واحد منهما صاحبه. ولما توجه قراسنقر الى حلب زاره مهنا وخلا به، فأراه قراسنقر كتاباً من السلطان إليه فيه إعمال الحيلة على إمساك مهنا، فقال له مهنا: فما أنت صانع، قال: أنا أطيعه فيك وأجاهره، وهو يجعلني وكدَه ودأبه، فمَن يحميني منه إن قصدني، قال له مهنا تجيء إلينا. فتحالفا على ذلك. ثم إن مهنا وفّى لقراسُنقر لما توجه إليه - على ما مرّ في ترجمة قراسنقر وأجاره.
وأما زوجة مهنا عائشة بنت عساف، فإنها بالغت في خدمة قراسنقر، وكانت تقول لمهنا: يا مهنا، ذكر الدهر، لا تدعه. وكذلك محمد بن عيسى بن علي الأفضل بن عيسى بن مهنا أخو مهنا، فما كان رأيه إلا التقرب بإمساك قراسنقر والجماعة الى السلطان، فكانت عائشة تقول: تعساً لأم ولدت الفضل بن مهنا. وكتب مهنا الى السلطان يستعطفه ويقول: هؤلاء مماليكك ومماليك أبيك وكبار بيتكم، وقد هربوا من الموت، وسألوا أن تكفّ عنهم وتهبهم البيرة لقراسنقر، الرحبة للأفرم، وبهسنا للزردكاش، وإذا حصل مهمٌ جامعٌ للإسلام حضروا إليه وجاهدوا بين يديك، على ما مرّ في ترجمة قراسنقر.
وما اطمأنّوا، وجهّزهم مهنا الى خربندا وقال له: متى حميت هؤلاء كنت أنا في
طاعتك وخفرت الرّكب العراقي، وسيّرهم مع ابنه سليمان، وجهّز معهم لخربندا ومن حوله خيولاً مسوّمة من جهته، فقوبلوا بالإكرام والرعاية، وخلع على سليمان، وأطلق له أموالاً جمة، وجهّزت لمهنا خلع وإنعامات وبرالغ بالبصرة له ولأهله، ومعها الحلة والكوفة وسائر البلاد الفراتية، واشتدت الوحشة بينه وبين السلطان الملك الناصر محمد، فأعطى الإمرة لأخيه فضل، وتظاهر مهنا بالمنافرة والمُباينة والوحشة، وحضر الى خربندا، فأكرمه غاية الإكرام وأجلّه نهاية الإجلال، وقرر أمر الركب العراقي، وأعطى عصاه خفارة لهم وتأميناً، وضاع الزمان وامتدّت الأيام والليالي في المراوغة من مهنا، وهو يعد السلطان أنه يحضر إليه ويُمنّيه ويسوّف به من وقت الى وقت، والبريد يروح ويجيء، والرُسل تتردد مثل الأمير بهاء الدين أرسلان الدواردار والأمير علاء الدين الطّنبغا نائب حلب والشيخ صدر الدين بن الوكيل، وما ألوى ولا عاج، ثم كان أولاده وإخوته يتناوبون الحضور الى السلطان وهو ينعم عليهم بمئين ألوف وبالإقطاعات العظيمة والأملاك، وهم يمنّونه حضوره ويعدونه بقدومه، ومهنا لا يزداد إلا حذراً. والسلطان لا يزداد إلا طمعاً في حضوره، ومع ذلك في هذه المدة جميعها ما تنقطع المراسلات بينهما والمكاتبات والشفاعات، وإذا ظهرت للمسلمين مصلحة نبّه مهنا عليها وأشار إليها، وكان السلطان يقبل نُصحه.
ثم لما كان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، توجّه مهنا بنفسه من ذاته الى السلطان، ووصل الى دمشق يوم الجمعة رابع ذي الحجة من السنة، ودخل الديار المصرية، فأكرمه السلطان غاية الإكرام وأنعم عليه بإنعامات كثيرة الى الغاية. وعاد مهنا راجعاً الى بلاده، وكان دخوله قلعة الجبل نهار الأحد عشري الحجة، وعاد الى دمشق فدخلها
سادس المحرم سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. ولم يزل بعد ذلك الى أن توفي في التاريخ المذكور.
وله من الأولاد جماعة، وهم: موسى وسليمان وأحمد وفياض وحمام وهيازع وحيار وجويف وقارا وشُعبه وتوبَلة وعنقا.
ومن سيادة مهنا ما حكاه لي زغبان بن عبد المؤمن الشقاري التدمري حاجب الأمير معيقل بن فضل يومئذ، قال: كان قد دفن الأمير فضل دفيناً في الأرض من الذهب مبلغه اثنا عشر ألف دينار، ثم إنه طلبه في وقت ولم يجده في المكان الذي دفنه، وإنه اتهم به محمد بن نجام حاجبه، ولم يذكر له ذلك، وإن ابن نجام بلغه ذلك، فخاف ابن نجام من الأمير فضل، وتوجّه الى مهنا، وشكا حاله إليه فأعطاه مهنا اثني عشر ألف دينار، فأخذها ابن نجام وأحضرها الى فضل، فأبى أن يأخذها، وقال: ما مهنا أكرم مني، أنا ما طالبتُك بها ولا أخذها، فردّها ابن نجام على مهنا، فقال: أنا خرجتُ عنها وهي لك، ولم يأخذها.
ابن المهندس
محمد بن محمد بن إبراهيم.
ابن الموازيني
المسند شمس الدين محمد بن علي.
موسى بن إبراهيم
ابن يحيى، الإمام المحدّث المفتي نجم الدين الشقراوي ثم الصالحي الحنبلي الشروطي، شيخ العالمية.
روى عن الحافظ الضياء، وإسماعيل بن ظفر، وقرأ الكثير ونسخ وجمع. وكان حلو المحاضرة.
توفي رحمه الله تعالى في مستهل جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة.
وكان قد قرأ الكتب الكبار، وسمع الناس بقراءته كثيراً، وحدّث، وكتب كثيراً، واشتغل كثيراً. وكان مفتياً، وله نظمٌ، وكان ينقل كثيراً من اللغة وعنده جملة من التاريخ، وكان يفتي في مذهب.
موسى بن أحمد
ابن الحسين بن بدران بن أحمد، القاضي الرئيس الكبير، قطب الدين بن ضياء الدين، أبو البقاء، ابن شيخ السلامية، ناظر الجيوش الإسلامية بالشام ومصر، الخاقاني، نسبة الى الفتح بن خاقان وزير المتوكل.
كان وقوراً مهيباً، فاضلاً لبيباً، يحبّ الفضلاء، ويربّ النبلاء، ويحسن الى الفقراء، ويواسي همّ كبار الأمراء.
رأى من العز والوجاهة، وعلوّ المرتبة والنباهة ما لا رآه غيره، ولا قُدّ لمثله سيره.
باشر نظر الجيوش بمصر والشام، وتألّق برق سُعوده حتى انتجعه كلُ أحد وشام، فلاح بدرُ سياده، وفاح زهر سعاده، حتى كأن أبا تمام، عناه بقوله دون الأنام:
جُعلت نظام المكرمات فلم تُدرْ ... رحى سُودد إلا وأنت لها قطبُ
بجودك تبيضّ الخطوب إذا دجتْ ... وترجع عن ألوانها الحجج الشهبُ
لم يزل في تقدّم وتكريم، وترقٍّ الى غايات مجدٍ يحتقر معها كل غاية تعظيم، الى أن أمسى من ترابٍ فراشه، وبطل حتى المعاد معاشه.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وستين وست مئة.
كان أولاً صاحب ديوان الجيش والقاضي بدر الدين بن العطار ناظراً في زمن الأفرم، ولما جاء السلطان الملك الناصر محمد الى دمشق من الكرك، وتجه بالعساكر الى مصر، توجه معه القاضي قطب الدين، وعاد الى الشام وهو ناظر الجيش، ولم يزل كذلك الى أن غضب السلطان على القاضي فخر الدين ناظر الجيش فجهز طلب القاضي قطب الدين، فتوجه إليها هو والأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، وذلك في أوائل سنة اثنتي عشرة وسبع مئة في شهر ربيع الأول، وولاه نظر الجيش بالديار المصرية.
ولم يزل هناك الى أن عُمل روك الشام، فحضر الى دمشق بأوراق الروك في شهر ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة. واستمر ناظر الجيش بالشام الى أن حضر القاضي معين الدين بن حشيش على وظيفة النّظر، وعزل القاضي قطب الدين تقدير أربعة أشهر. ثم إنه ورد مرسوم السلطان بأن يكون القاضي معين الدين شريكاً للقاضي قطب الدين في النّظر، وأن يكون لكل منهما معلوم مستقل نظير الأصل. وكان القاضي قطب الدين يعلّم أولاً.