بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 469

روى عن الحافظ الضياء، وإسماعيل بن ظفر، وقرأ الكثير ونسخ وجمع. وكان حلو المحاضرة.
توفي رحمه الله تعالى في مستهل جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة.
وكان قد قرأ الكتب الكبار، وسمع الناس بقراءته كثيراً، وحدّث، وكتب كثيراً، واشتغل كثيراً. وكان مفتياً، وله نظمٌ، وكان ينقل كثيراً من اللغة وعنده جملة من التاريخ، وكان يفتي في مذهب.

موسى بن أحمد
ابن الحسين بن بدران بن أحمد، القاضي الرئيس الكبير، قطب الدين بن ضياء الدين، أبو البقاء، ابن شيخ السلامية، ناظر الجيوش الإسلامية بالشام ومصر، الخاقاني، نسبة الى الفتح بن خاقان وزير المتوكل.
كان وقوراً مهيباً، فاضلاً لبيباً، يحبّ الفضلاء، ويربّ النبلاء، ويحسن الى الفقراء، ويواسي همّ كبار الأمراء.
رأى من العز والوجاهة، وعلوّ المرتبة والنباهة ما لا رآه غيره، ولا قُدّ لمثله سيره.
باشر نظر الجيوش بمصر والشام، وتألّق برق سُعوده حتى انتجعه كلُ أحد وشام، فلاح بدرُ سياده، وفاح زهر سعاده، حتى كأن أبا تمام، عناه بقوله دون الأنام:


صفحه 470

جُعلت نظام المكرمات فلم تُدرْ ... رحى سُودد إلا وأنت لها قطبُ
بجودك تبيضّ الخطوب إذا دجتْ ... وترجع عن ألوانها الحجج الشهبُ
لم يزل في تقدّم وتكريم، وترقٍّ الى غايات مجدٍ يحتقر معها كل غاية تعظيم، الى أن أمسى من ترابٍ فراشه، وبطل حتى المعاد معاشه.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وستين وست مئة.
كان أولاً صاحب ديوان الجيش والقاضي بدر الدين بن العطار ناظراً في زمن الأفرم، ولما جاء السلطان الملك الناصر محمد الى دمشق من الكرك، وتجه بالعساكر الى مصر، توجه معه القاضي قطب الدين، وعاد الى الشام وهو ناظر الجيش، ولم يزل كذلك الى أن غضب السلطان على القاضي فخر الدين ناظر الجيش فجهز طلب القاضي قطب الدين، فتوجه إليها هو والأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، وذلك في أوائل سنة اثنتي عشرة وسبع مئة في شهر ربيع الأول، وولاه نظر الجيش بالديار المصرية.
ولم يزل هناك الى أن عُمل روك الشام، فحضر الى دمشق بأوراق الروك في شهر ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة. واستمر ناظر الجيش بالشام الى أن حضر القاضي معين الدين بن حشيش على وظيفة النّظر، وعزل القاضي قطب الدين تقدير أربعة أشهر. ثم إنه ورد مرسوم السلطان بأن يكون القاضي معين الدين شريكاً للقاضي قطب الدين في النّظر، وأن يكون لكل منهما معلوم مستقل نظير الأصل. وكان القاضي قطب الدين يعلّم أولاً.


صفحه 471

ولم يزالا كذلك الى سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، فطلب القاضي معين الدين الى الديار المصرية لينوب عن القاضي فخر الدين في نظر الجيش عند توجهه الى الحجاز، وانفرد القاضي قطب الدين أخيراً بالنظر، الى أن توفي رحمه الله تعالى في التاريخ. ورأى من السعادة والعزّ والوجاهة والتمكن والتقدم في أيام تنكز ما لا رآه غيره، ولما تنكّر الأمير تنكز على المتعممين وعلى صهره الصاحب شمس الدين عبريال توفي رحمه الله تعالى، ولم ير منه ما يكرهه.
وكان الأدباء والفضلاء والشعراء يترددون الى محله ويقضي حوائجهم، وله نظمٌ ونثر.
أنشدني من لفظه ولده الشيخ عز الدين حمزة، قال: أنشدني والدي لنفسه مواليا:
الحب في الله يا محبوب لي مفسوحْ ... فداوِ الوصل من أضحى به مجروحْ
وارحمْ محبّاً على فرشِ الضّنا مطروحْ ... دمع مسفوح، وجفن بالبُكا مقروح
وبه قال أنشدني له:
بالله دعْ عنك هجراني ودعْ ذا الصدْ ... فقل تطاول بي الهجران فوق الحدْ
كم ذا تجورُ عليّ يا رشيقَ القدْ ... مسلم أنا، ما أنا كافرٌ ولا مرتدْ
وأنشدني من لفظه القاضي شهاب الدين بن فضل الله، ومن خطّه نقلت، قال: أنشدني من لفظه لنفسه القاضي قطب الدين:


صفحه 472

ما اخترتُ مقامي برُبا لبنانْ ... فرداً ومشرّداً عن الأوطانْ
إلا لأراك أو أرى من نظرتْ ... عيناه الى جمالك الفتّانْ
وكتب الشيخ علاء الدين علي بن غانم الى القاضي قطب الدين، رحمهما الله تعالى، وهو بالقاهرة سنة اثنتي عشرة وسبع مئة:
يا غائباً بينه وبيني ... من شقّة البعد لي حجابُ
هجرت حتى ولا سلام ... ولا كلامٌ ولا كتابُ
فكم بعثنا له كتاباً ... ما عاد عنها ولا جواب
عليه قد حقّ كلُ عتب ... وما عسى ينفع العتاب
فقد أحبائي عن يقين ... بغير شك هو العذاب
فكتب القاضي قطب الدين إليه الجواب:
أقسمت بالله أن شوقي ... بضيق عن حصره كتابُ
وأنني إذ نأيت عنكم ... دموعُ عيني لها انكباب
وأن كتبي وإن تراخت ... فإن ودي له إياب
وإن يكن حُقّ كل عتب ... يا حبذا ذلك العتاب

موسى بن أحمد بن محمد
ابن ابراهيم، الصدر، كمال الدين أبو الفتح ابن قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: سمعت منه ببعلبك أحاديث من جزء ابن


صفحه 473

عرفة عن النجيب الحرّاني، وله إجازة من السّبط. وكان رجلاً عاقلاً عارفاً بالأمور. درّس بالمدرسة النجيبية في حياة والده، وبعده مدة، وولي نظر الدواوين الحكمية.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم السبت سابع عشري شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون عند قبر والده.
ومولده بالقاهرة سنة إحدى وخمسين وست مئة.
قلت: وهذا كمال الدين موسى كان السبب في عزل والده، وبذنبه عُزل، قيل: إنه شكا يوماً عليه غريم ودفعه الى قاضي القضاة ابن الصائغ على مبلغ ست مئة درهم، فاستحيا القاضي ووزنها، فتوجه كمال الدين موسى الى والده وقال: اليوم تفضّل قاضي القضاة ووزن عني ست مئة درهم، فقال والده: والله لو وزن ستة آلاف دينار ما أنصفك، يعني والده أنك أنت السبب في عزل أبيك وولايته. وفيه يقول مجد الدين بن الظّهير:
وكيف يؤتى رشدَه حاكمٌ ... حكّم في لحيته موسى؟

موسى بن أحمد
الشيخ مجد الدين الأقصرائي، شيخ الشيوخ بسرياقوس.


صفحه 474

كان شيخاً كريم النفس الى الغاية، له بالمكارم أتمّ عناية، يهبُ ما يملكه، ويأتي على ما في يده ويتركه، ريّض الأخلاق حتى كأنها مرّ النسيم، أو كأس رحيق مختوم مزاجها من تسنيم، كثير الاحتمال، غزير التضرع والابتهال، له أوراد يسردها من الذّكر عقيب الصلوات، وأحوال تتنزّل عليه في أوقات الخلوات، قلّ أن ترى العيون له نظيراً، أو تجد له شبهاً في الملوك وإن كان فقيراً:
يصبو إليه قلبُ من هو عند أرْ ... باب القلوب معشّقٌ مقبولُ
يهواه لا يُصغي لقول مفنّد ... أبداً ولا يثنيه عنه عَدول
كلٌ يهيم بحبه وكذاك مَن ... ملك الإرادة أمره المفعول
ولم يزل على حاله الى أن عرق جبينه، ونبا حسه وربا أنينه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربعين وسبع مئة.
وكان له سماع من عبد الله الصّنهاجي، ومن أبي الحسن علي بن جابر اليمني.
وكان في الإسكندرية، ثم ولي مشيخة خانقاه الأمير سيف الدين بكتمر الساقي بالقرافة، ثم إن السلطان نقله الى الخانقاه التي له بسرياقوس.
وكان آيةً في الكرم، وعليه روحٌ وأنس زائد إذا دار في السماع، وله ذكر يورده


صفحه 475

هو وجماعة الصوفية عقيب كل صلاة بحيث أنه يتصل الذكر عقيب المغرب بأذان العشاء الآخرة. وقلت له في ذلك، فقال: أنا اختصرت لأجل هذا الجمع، ولما كنت بالاسكندرية كان الورد أكثر من هذا.
وكان السلطان يعظّمه ويحمل إليه في كل شهر مبلغ سبعة آلاف درهم، للشيخ منها ألفان، والباقي للفقراء. وكان يفعل ذلك معهم في كل شهر، يطلع الى الخانقاه، ويقيم عندهم اليومين والثلاثة ويعود يجلس بين الفقراء ويقضي أشغال الناس، وكان الناس قد عرفوا ذلك منه، وكانوا يؤخرون أشغالهم الى أن يطلع الى خانقاه سرياقوس، وهذا الإنعام كان خارجاً عن أوقاف الخانقاه، لكنه قطع ذلك قبل موته بسنوات.
ولبستُ منه خرقة التصوف في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وقال: لبستُ الخرقة الصوفية من يد الشيخ العارف الكامل كمال الدين العجمي، وهو لبسها من يد الشيخ أبي منصور العراقلية وهو لبسها من يد الشيخ بدر الدين العراقلية، وهو لبسها من يد الشيخ أوحد الدين الكرماني وهو لبسها من يد الشيخ أبي الغنائم ركن الدين السجاسي، وهو لبسها من يد الشيخ قطب الدين الأبهري، وهو لبسها من يد الشيخ ضياء الدين أبي النجيب السهروردي، وهو لبسها من يد الشيخ أحمد الغزالي، وهو لبسها من يد الشيخ أبي الفرج الزنجاني، وهو لبسها من يد الشيخ أحمد الأسود، وهو لبسها من يد الشيخ أبي العباس النهاوندي، وهو لبسها من يد الشيخ أبي عبد الله بن خفيف، وهو لبسها من يد الشيخ أبي العباس النهاوندي، وهو سمع تلقين الذّكر من أبي القاسم الجُنيد البغدادي وصحبه، وهو لبسها من سريّ السقطي


صفحه 476

وصحبه، وهو من معروف الكرخي وصحبه، وهو من داود الطائي وصحبه، وهو من حبيب العجمي وصحبه، وهو من الحسن البصري وصحبه، وهو من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وصحبه، وهو من سيد المرسلين والآخرين محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وطريق أخرى: لبسها الشيخ أحمد الغزالي من يد الشيخ أبي بكر الزجّاج النّيسابوري، وهو لبسها من يد الشيخ محمد النساج، وهو لبسها من الشيخ أبي بكر الشبلي، وهو لبسها من الجنيد البغدادي رضي الله عنهم.

موسى بن أبي بكر
الأمير بدر الدين ابن الأمير سيف الدين الأزكشي.
جهّزه الأمير جمال الدين الأفرم الى الرحبة نائباً، فأقام بها الى أن نزل عليها خربندا ومعه عساكر المغل وقراسنقر والأفرم وسليمان بن مهنا، ونصبوا عليها المجانيق فقاتل وصابر ورابط وحصّن القلعة وثبت، جزاه الله خيراً عن الإسلام الى أن رحل خربندا بمن معه من المغل، وقد تقدّم شيء من طرق ذلك في ترجمة ذلك وفي ترجمة جوبان رحمه الله تعالى، ثم إنه عُزل وحضر الى دمشق.
وبقي على إمرته الى أن توفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة خمس عشرة وسبع مئة بداره في القبيبات، وحضر الأمير سيف الدين تنكز جنازته.