بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 506

قلت: أحسن منه وأصرح قول الآخر:
لافتضاحي في عوارضه ... سبب والناس لوّام
كيف يخفى ما أكابده ... والذي أهواه نمّام
وبه قال: أنشدني له:
ما زال يسقيني زلال رضابه ... لما خفيت ضنىً وذبت توقدا
ويظنني حياً، رويت ريقه ... فإذا دعا قلبي، يجاوبه الصدى
وبه قال: أنشدني له:
ماذا يضرك لو سمحت بزورة ... وشفعتها بمكارم الأخلاق
وردعت نفسك حين تمنعك اللّقا ... وتقول هذا آخر العشاق
وبه إجازة، قال: أنشدني لنفسه:
إني لأكره في الأنام ثلاثة ... ما إن لهم في عدها من زائد
قرب البخيل، وجاهلاً متعاقلاً ... لا يستحي، وتودّداً من حاسد
ومن البلية والرزية أن ترى ... هذي الثلاثة جمّعت في واحد
وأنشدني من لفظه القاضي جمال الدين إبراهيم ابن كاتب سر حلب، قال: أنشدني من لفظه لنفسه:
لي منزل معروفه ... ينهلّ غيثاً كالسحب
أقبل ذا العذر به ... وأكرم الجار الجنب
وبه قال: أنشدني لنفسه:


صفحه 507

رأيت فتى يقول بشطّ مصر ... على درج بدت والبعض غارق
متى غطى لنا الدرج استقينا ... فقلت: نعم وتنصلح الدقائق
قلت: في قوله الدقائق هنا نظر، وقد أشبعت القول في فساد ذلك في كتابي المسمى فضّ الختام عن التورية والاستخدام.
وبه قال: أنشدني له:
ومذ لزمت الحمام صرت فتى ... خلاً يداري من لا يداريه
أعرف حرّ الأشيا وباردها ... وآخذ الماء من مجاريه
قلت: لما كتب أبو الحسين الجزار الى النصير قوله:
حسن التأني مما يعين على ... رزق الفتى والحظوظ تختلف
والعبد مذ كان في جزارته ... يعرف من أين تؤكل الكتف
كتب النصير الحمامي بيتيه المذكورين، وقد أربى النصير على أبي الحسين، لأن الجزار أتى بمثل واحد، والحمّامي أتى بمثلين.
وقال النصير للسراج الورّاق: قد عملت قصيدة في الصاحب تاج الدين، وأشتهي أنك إذا قرئت عليه تزهزه لها وتشكرها، وسيّرها الى الصاحب، فلما أنشدت بين يديه بحضرة السراج، قال الوراق بعدما فرغ من إنشادها:
شاقني للنصير شعرٌ بديع ... ولمثلي في الشعر نقد بصير
ثم لما سمعت باسمك فيه ... قلت: نعم المولى ونعم المصير
فأمر له الصاحب بدراهم وسيّرها إليه. وقال: قل له: هذه مئتا درهم


صفحه 508

صنجة، فلما أدى الرسول الرسالة، قال: قبل الأرض بين يدي مولانا الصاحب، وقل نسأل صدقاتك أن تكون عادة، فلما سمع الصاحب بذلك أعجبه، وقال: يكون ذلك عادة.
وكتب النصير الى السراج يتشوق:
وكدّرت حمامي بغيبتك التي ... تكدّر من لذاتها صفو مشربي
فما كان صدر الحوض منشرحاً بها ... ولا كان قلب الماء فيها بطيّب
قلت: وهذان مثلان أيضاً يتعلّقان بالحمّام.
وكتب أيضاً يستدعي:
من الرأي عندي أن تواصل خلوة ... لها كبد حرّى وفيض عيون
تراعي نجوماً فيك من حرّ قلبها ... وتبكي بدمع فارح وحزين
غدا قلبها صبّاً عليك، وأنت إن ... تأخرت أضحى في حياض منون
وكتب ناصر الدين بن النقيب الى النصير، وقد حصل له رمد:
يقولون لي عين النصير تألمت ... ولازمه في جفنه الحكّ والأكلُ
فقلت: أعين الرأس أم عين غيره ... فلعلو شيء لا يداوى به السفل
فقالوا: به العين التي تحت صلبه ... فقلت: لها التشيف عندي والكحل


صفحه 509

وميل بماء الريق يبتلّ سفله ... فيدخل سهلاً غير صعب وينسلُ
وأغسلها بالبيض واللبن الذي ... علي بتقطيري له تجب الغسلُ
فإن شاء وافيتُ الأديب مدانيا ... ولم أشتغل عنه وإن كان لي شغل
فكتب النصير الجواب:
أيا من له في الطب علم مباشر ... وما كل ذي قول له القول والفعلُ
أتيت بطبٍ قد حوى البيع والشرا ... تبيّن لي في ذلك الخرج والدخل
وإن كان لي بطبّك إنه ... بسقمي صعب ليس هذا به سهلُ
فلا عدِم المملوك منك مداوياً ... وما زال للمولى على عبده الفضل
وكتب ابن النقيب إليه وهو بقرية في خطه:
رغبت في كسر أجر ... وفي اغتنام مثوبهْ
وهان ما كان فيه ... من السراج صعوبهْ
ولست في أرض شام ... ولست في أرض نوبه
وبيننا رمي سهم ... غلطت بل رجم طوبه
فكتب النصير الجواب:
رُحماك يا خير مولى ... ففي العتاب عقوبهْ
وأنت إن زدت عتباً ... يغدو غلامك قوبه
والعبد مازال يهوى ... لا بل يحب الرطوبه
تموّز فكرك والعب ... دُ فكره فيك طوبه


صفحه 510

قلت: ما كان يليق ذكر تموز وهو من شهور الروم، وطوبة وهو من شهور القبط.
وكتب النصير الى السراج الوراق:
كنت مثل الغزال والله يكفي ... صرتُ في وجهه إذا جئت كلبا
ولعمري لا ذنب لي غير أني ... تُبتُ لله ظن ذلك ذنبا
وهو لو جاءني وقد تبت حتى ... يبتغي حاجة فلن أتأبّى
فكتب الوراق الجواب، ومنه:
وأتى الظبي مرسَلاً منك فاستغ ... ربْتُ لما دعوتَ نفسك كلبا
ولكم جئت عادياً خلفه تل ... هث عَدواً للصيد بُعداً وقربا
غير أني نظرت عين صفي الد ... ين كادت أن تشرب الظبي شربا
فاترك التوبة التي قد رآها ... لك وزراً كما زعمت وذنبا
واجتهد في رضاك عنه وقرّب ... كل نائي المدى تنلْ منه قربا
فلكم رضت جامحاً في تراضي ... هـ وذللت بالسفارة صعبا
وكتب الى السراج أيضاً ملغزاً في نون:
ما اسمٌ ثلاثي يرى واحداً ... وقد يُعدّ اثنين مكتوبه
يظهر لي من بعضه كله ... إذ كل حرف منه مقلوبه
أضف ثمانين الى ستة ... إن شئت لا يعدوك محسوبه
اطلبه في البر وفي البحر لا ... فات حجى مولى مطلوبه


صفحه 511

فكتب الوراق الجواب:
يا سالب الألباب عن سحره ... بمعجز أعجز أسلوبُهْ
ألغزت في اسم وهو حرفٌ وقد ... يخفى علينا فيك محجوبه
وهو اسمُ أنثى مرضع، طفلها ... غيرُ لبان الناس مشروبه
مطّرد منعكسٌ شكله ... سيّان في العين مقلوبه
قلت: قول النصير: أضف ثمانين الى ستة وهمٌ منه، لأن النونين بمئة والواو بستة فيكون ذلك مئة وستة.
وكتب النصير الى الورّاق ملغزاً في سيل:
أيا مَن له ذهنٌ لدى الفكر لا يخبو ... ومن لم يزل يحنو ولم يزل يحبو
قصدتُ سراج الدين في ليل فكرة ... يكاد جوادُ العقل في سيلها يكبو
ليرشد في شيئاً به يدرك المنى ... له قلب صبٍ كم فؤاد به صبُّ
إذا ركب البيداً يخشى ويُتّقى ... ولم يثنه طعن ولم يثنه ضربُ
بقلب يهد الصخر يوم لقائه ... ومن أعجب الأشياء ليس له قلب
فكتب الوراق الجواب:
أراك نصير الدين عذّبت خاطري ... وقد راق لي من لغزك المنهل العذبُ
وأثبتّ قلباً منه ثم نفيته ... وأعرفه صبّاً وهام له قلبُ
وأعرف منه أعيناً لا تحفّها ... جفون كعادات الجفون ولا هُدب
ومن وصفه صبُّ كما أنت واصف ... صدقت ولولاه لما عرف الحب
فدونك ما ألغزته لي مُبيّنا ... وذلك ما يحتاجه العُجم والعُرب


صفحه 512

وكتب النصير إليه أيضاً:
أتى فصل الخريف عليّ جداً ... بأمراض لواعجها شدادُ
وأعذر عائي إن لم يعدني ... وربّ مريض قومٍ لا يعاد
فأجاب الورّاق:
خلائقك الربيع فليس تخشى ... خريفاً في الجسوم له اعتياد
ولا والله لم أعلمه إلا ... صحيحاً والصحيح فما يعادُ
وكتب النصير إليه أيضاً:
أيها المحسن الذي وهب الله ... تعالى الحُسنى له وزيادَهْ
ضاع ما كان من وصولات وصلي ... فتصدق بكتبها لي مُعاده
أين تلك الطروسُ نظماً ونثراً ... منك تأتي على سبيل الإفادهْ
كل طرس يحلى عروساً بدرّ ال ... قول كم من عقد وكم من قلاده
كان عيشي إذا أتاني رسولٌ ... منك يحيي خلاً أمتّ وداده
شهد الله ليس لي غير ذكرا ... ك وإلا خرست عند الشهاده
فكتب الوراق الجواب:
لم يغب عن سواد عيني حبيبٌ ... حلّ من قلبي المشوق سواده
فكأني ولا أذوق له رز ... ءاً جريرٌ وذاك عند سواده


صفحه 513

ذو بيان أدنى بلاغته تُن ... سيك قساً وعصره وإياده
جوهري الألفاظ كم قلّد الأج ... ياد عقداً من نظمه وقلاده
فعبيدٌ أدنى العبيد لديه ... ولبيد عن نظمه ذو بلادَه
ولأزجاله ابن قُزمان يعنو ... فلتوشيحه يقرّ عُباده
فات دار الطراز منه خلال ... لَوبها للسعيد تمت سعاده
يا صديقي الذي غدا راغباً ف ... ي وللأصدقاء فيّ زهاده
هجروني كأنني مصحف أو ... مسجد قد أقيم أو سجّاده
دمت نعم النصير لي ما تغنّت ... ساجعاتٌ على ذُرا ميّاده
وكتب النصير الى الوراق:
يا أيها المولى السرا ... ج وماجداً أعلى مناره
يا من تجاوز فضله ... حدَّ القياس مع العباره
يا من يلوح بوجهه ... حسنٌ لناظره نضاره
يا بدر تمّ كم علي ... هـ غدت من الفضلاء داره
كم في الورى معنى تني ... ر ولم أقل طوراً وتاره
وإذا مدحناه فما ... فيه صفات مستعاره
لمبشري إن زرتني ... بشرى ويحظى بالبشاره
يا واعدي في السبت هـ ... ذا السبت جاء وشنّ غاره
متصدقاً زرني فذا ... يوم التصدق والزياره