ومن شعره:
لا تركننّ الى الخريف فجوّه ... كدرٌ وخفقُ نسيمه خطّافُ
يجري مع الأبدان جري صديقها ... من لطفه ومن الصديق يخاف
ومنه في المشمش اللوزي:
أنكر العاشقون صفرة لوني ... بعدما كان كالزبرجد أخضر
ما دروا أنني عشقت فلوني ... اكتسى صفرة وقلبي تكسّر
الهاشمي
نور الدين علي بن جابر. وشمس الدين محمد بن هاشم.
هبة الله بن عبد الرحيم
ابن ابراهيم: شيخ الإسلام، ومفتي الشام، وأحد الأئمة الأعلام، قاضي القضاة شرف الدين أبو القاسم ابن القاضي نجم الدين ابن القاضي الكبير شمس الدين أبي الطاهر بن المسلّم الجُهني الحموي البارزي الشافعي، قاضي حماة، صاحب التصانيف.
سمع من أبيه وجدّه، وابن هامل، والشيخ ابراهيم بن الأرموي يسيراً، وتلا بالسبع على التادفي، وأجاز له نجم الدين الباذرائي، والكمال الضرير، والرشيد العطار، وعماد الدين بن الحرستاني، وعز الدين بن عبد السلام، وكمال الدين بن العديم.
برع في الفقه وغير ذلك، وتشعبت به في الفضائل الطرق والمسالك، وانتهت إليه
الإمامة في زمانه، وتفرد برئاسة العلم في أوانه. وكان بحراً من بحور العلم الزخّارة، وحبراً من أحباره، الذين توقدوا للهدى مثل الكواكب السيارة، تستحي ذُكاء من ذكائه، وتفيض علومه حتى يأخذ الغمام منها ملء زكائه، مكباً على الطلب لا يفتر ولا يني ولا يقول السأم لنفسه طالبي بالتي هي أحسن ولا يني قد جانب ملة الملل، وتحقق أن الإخلال بذلك من الفساد والخلل، هذا مع الصون والرزانة والتواضع الذي زاده رفعة وزانه، والوقار الذي خفّت الجبال أن تكون وزانَه، والحلم الذي هو زينة العلم، وطراز الحرب والسلم، والمحاسن التي ما محا سناها ضوء صباح ولا حوتها الوجوه الصِّباح:
تراه إذا ما زرته متواضعا ... جليلاً على حشد الندي وحفله
وتعرف منه الفضل من قبل نطقه ... كما يُعرف الهندي من قبل سلّه
وتبصر منه أمةً وهو واحد ... وما زاد في ذي عدة مثل نبله
إذا كان في أفق وأظلم حادث ... سرى خائف العشواء في ضوء عقله
ولم يزل على حاله بحماة الى أن ترك القضاء، وذهب بصره فشكر القدر والقضاء. ثم إن البارزي أضمره الضريح وأخفاه، واستكمل الأجل واستوفاه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة.
فتوفي رحمه الله تعالى عن ثلاث وتسعين سنة، وحج مرات، وحدّث بأماكن، وحمل الناس عنه علماً جماً، وأذن لجماعة بالإفتاء.
وبلغني أن الشيخ برهان الدين بن تاج الدين الفزاري كان يقول: أشتهي أن أروح الى حماة، وأقرأ التنبيه على القاضي شرف الدين البارزي.
وكان يرى الكف عن الخوض في الصفات، ويثني على الطائفتين، واقتنى من الكتب شيئاً كثيراً بحيث إنه كان عنده من كل شيء نسختان وثلاثة.
وكان إذا سمع بتصنيف لأحد من أهل عصره جهّز الدراهم واستنسخ ذلك. وباشر القضاء بلا معلوم لغناه عنه، وما اتخذ درّة ولا عزّر أحداً قط، ولا ركب بمهماز ولا مقرعة، وعُيّن مرات لقضاء مصر فاستعفى، وكانت جلالته عجيبة مع تواضعه.
وكان قد أخذ الفقه عن والده وجده وجدّه، عن القاضي عبد الله بن إبراهيم الحموي، وعن فخر الدين بن عساكر، وأخذ القاضي عب الله عن القاضي أبي سعد بن أبي عصرون، عن الفارقي، عن أبي إسحاق الشيرازي، عن القاضي أبي الطيب، وأخذ فخر الدين عن قطب الدين مسعود النيسابوري، عن عمر بن سهل السلطان، عن الغزالي، عن إمام الحرمين، عن أبيه، عن أبي بكر القفّال.
ووقف القاضي شرف الدين كتبه وهي تساوي مئة ألف درهم. ولما توفي رحمه الله تعالى أغلقت أسواق حماة لمشهده.
وله من النصانيف: تفسيران، وكتاب بديع القرآن وكتاب شرح الشاطبية وكتاب الشرعة في السبعة وكتاب الناسخ والمنسوخ، ومختصر جامع الأصول في مجلدين، والوفا في شرف المصطفى، والإحكام على أبواب
التنبيه، وغريب الحديث كبير، وشرح الحاوي، أربع مجلدات، ومختصر التنبيه، والزبدة في الفقه، وكتاب المناسك، وكتاب عروض وغير ذلك.
وله مما يقرأ طرداً وعكساً: سور حماة بربّها محروس.
قلت: وهذا في غاية الحسن، لأنه فصيح الألفاظ، عذب منسجم، ليس عليه كلفة، وفي القرآن العظيم من هذا النوع وهو قوله تعالى: " كلٌ في فلك " وقوله تعالى: " ربّك فكبّر ".
ومما جاء منه في الحديث قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارقَ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية ".
وفيه تسامح ما، ومنه قولهم: كبّر رجاء أجر ربك وقول الحريري في مقاماته:
آسِ ارملاً إذا عرا ... وارعَ إذا المرء أسا
الأبيات.
وقول القاضي ناصح الدين الأرّجاني:
مودته تدوم لكل هولٍ ... وهل كلٌ مودته تدوم
وقوله أيضاً وهو مطلع قصيدة:
دام علا العماد
ومما ينسب الى القاضي الفاضل رحمه الله أبداً لا تدوم إلا مودة الأدباء وقوله القائل:
أرانا الإله هلالاً أنارا
وقول الآخر: مودتي لخلّي تدوم، وكما قال العماد الكاتب: سر فلا كبا بك الفرس فقال له الفاضل رحمه الله تعالى: دام عُلا العماد.
وقد يكون هذا النوع كل كلمتني قلبهما واحد، كقولك: أرضٌ خضراء، فيها أهيف، ساكب كاس، وكقول ابن النبيه:
لبقٌ أقبل فيه هيفُ ... كل ما أملك إن غنّى هبه
وتارة تكون كل كلمة قلب نفسها، كقول سيف الدين بن قزل المشد:
ليلٌ أضاء هلاله ... أنّى يضيء بكوكب
هبة الله بن علي
ابن السديد، مجد الدين الشافعي.
اشتغل بالفقه على الشيخ بهاء الدين القفطي، وكان يطالع تفسير ابن عطية كثيراً. وبنى مدرسة بإسنا، ووقف بساتينه عليها.
قال كمال الدين الأدفوي: اتفق عند انتهاء عمارتها حضر الشيخ تقي الدين الى أسنا لزيارة بهاء الدين القفطي، فسأله مجد الدين أن يلقي الدرس بها، فألقى الشيخ
درساً، وكان شيخنا تاج الدين الدشناوي في خدمة الشيخ من قوص، فقال لمجير الدين: إذا فرغ الدرس قل للشيخ يا سيدي بدستور سيدي آخذ الدرس؟ فيبقى ذلك إذناً من الشيخ، فقال: لا، هذه مدرستي، وأقول له: أنا هذا الذي قلت، فيسكت أو يقول: لا، فينقل عني.
وكان يردّس بها ويعمل للطلبة طعاماً طيباً عاماً ويقول لمن تتفق غيبته يا فلان اليوم الفوائد والموائد:
ارضَ لمن غاب عنك غيبته ... فذاك ذنبٌ عقابه فيه
وانتهت إليه رئاسة بلده، وخطب بأصفون.
وتوفي رحمه الله في بلده سنة تسع وسبع مئة.
هبة الله بن محمود
ابن أبي القاسم بن أبي الفضائل بن أبي القاسم بن محمد، الشيخ الإمام الزاهد العالم الكامل الفقيه أمين الدين بن قرناص الخزاعي الحموي الشافعي.
اشتغل بالفقه، وسمع جزء ابن عرفة من شيخ الشيوخ الأنصاري، وحدث بحماة وحلب ودمشق، وحج، وحدّث بمنى.
كان مدرساً بحماة، فترك التدريس وصحب الفقراء، وأعرض عن المناصب، وغير ملبوسه.
قال شيخنا علم الدين: قرأت عليه جزء ابن عرفة.
وتوفي رحمه الله تعالى: سلخ شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة.
وتأسّف صاحب حماة كونه لم يحضر جنازته لأنه كان غائباً عن حماة، وكان قد عاده في مرضه.
هبة الله بن مسعود بن أبي الفضائل
القاضي الفاضل معين الدين بن حشيش. قد تقدم ذكر والده في مكانه من حرف الميم.
كان فاضلاً أديباً عاقلاً لبيباً، ذا حافظة وذاكرة، ونظم كثّر الاستحسان له شاكره، عارفاً بوقائع الناس وأيامهم وتراجم أعيانهم وأعلامهم، يسرد من ذلك ألوفاً، ويقول لسان حاله: خُلقتُ لذا ألوفاً، آيةً في الحافظة عجيبة، متى دعاها الى شيء كانت له مجيبة، قد أتقن القلمين إنشاء وحساباً، وبلغ فيها الغايتين مآلاً ومآباً، وباشر الجيش شاماً ومصراً، ووهب الله بهيبته تأييداً ونصراً، ودبّر فأقبل ما أدبر، ورحّب المضائق بما نمّق قلمه وحبّر:
ورمى الى الغرض البعيد بفكره ... فأصاب حتف كوامن ودقائق
يقظ لأعقاب الأمور مجرّبٌ ... طبّ بأدواء الممالك حاذقِ
تنقل من الشام الى مصر مرات، ونال من السلطان مكارم ومبرّات.
ولم يزل على حاله بمصر أخيراً الى أن جمدت حواسه، وخمدت أنفاسه.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وستين وست مئة.
ودفن بالقرافة في تربة القاضي فخر الدين ناظر الجيش، وكانت جنازة حافلة.
وكان ينظم شعراً جيداً، وليس له نثر جيد، اللهم إلا إن ترسّل وكتب بلا سجع، فإنه يأتي في ذلك بالمثل السائر والبيت المطبوع، ويأتي بالشاهد على ما يحاوله وذلك في غاية البلاغة والفصاحة، يوفي المقام في ذلك حقّه، وكان عجباً في القوة الحافظة.
كان في مبدأ أمره كاتباً في الدبّاغة، حتى إنه كتب الى الأعسر أو لغيره من مشدّي دمشق ممن كان له الحكم في ذلك الوقت:
يا أميراً حاز الحيا والبلاغة ... قلتلتني روائح الدّباغهْ
ثم إنه نقل الى طرابلس وخدم في الجيش بها، وكان يساعد ابن الذهبي كاتب الإنشاء بطرابلس، فاشتهر وعرف بالأدب، فأحبّه الأمير سيف الدين أسندمر نائب طرابلس ولم يزل الى أن توجّه أسندمر مع السلطان الملك الناصر محمد من دمشق الى القاهرة سنة تسع وسبع مئة، فسعى له عند السلطان الى أن استخدمه بديوان الجيش بالديار المصرية.
وكان قد حضر معين الدين الى دمشق في جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة ناظر الجيش عوضاً عن القاضي شمس الدين بن حميد وأقام بدمشق الى أن حضر