درساً، وكان شيخنا تاج الدين الدشناوي في خدمة الشيخ من قوص، فقال لمجير الدين: إذا فرغ الدرس قل للشيخ يا سيدي بدستور سيدي آخذ الدرس؟ فيبقى ذلك إذناً من الشيخ، فقال: لا، هذه مدرستي، وأقول له: أنا هذا الذي قلت، فيسكت أو يقول: لا، فينقل عني.
وكان يردّس بها ويعمل للطلبة طعاماً طيباً عاماً ويقول لمن تتفق غيبته يا فلان اليوم الفوائد والموائد:
ارضَ لمن غاب عنك غيبته ... فذاك ذنبٌ عقابه فيه
وانتهت إليه رئاسة بلده، وخطب بأصفون.
وتوفي رحمه الله في بلده سنة تسع وسبع مئة.
هبة الله بن محمود
ابن أبي القاسم بن أبي الفضائل بن أبي القاسم بن محمد، الشيخ الإمام الزاهد العالم الكامل الفقيه أمين الدين بن قرناص الخزاعي الحموي الشافعي.
اشتغل بالفقه، وسمع جزء ابن عرفة من شيخ الشيوخ الأنصاري، وحدث بحماة وحلب ودمشق، وحج، وحدّث بمنى.
كان مدرساً بحماة، فترك التدريس وصحب الفقراء، وأعرض عن المناصب، وغير ملبوسه.
قال شيخنا علم الدين: قرأت عليه جزء ابن عرفة.
وتوفي رحمه الله تعالى: سلخ شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة.
وتأسّف صاحب حماة كونه لم يحضر جنازته لأنه كان غائباً عن حماة، وكان قد عاده في مرضه.
هبة الله بن مسعود بن أبي الفضائل
القاضي الفاضل معين الدين بن حشيش. قد تقدم ذكر والده في مكانه من حرف الميم.
كان فاضلاً أديباً عاقلاً لبيباً، ذا حافظة وذاكرة، ونظم كثّر الاستحسان له شاكره، عارفاً بوقائع الناس وأيامهم وتراجم أعيانهم وأعلامهم، يسرد من ذلك ألوفاً، ويقول لسان حاله: خُلقتُ لذا ألوفاً، آيةً في الحافظة عجيبة، متى دعاها الى شيء كانت له مجيبة، قد أتقن القلمين إنشاء وحساباً، وبلغ فيها الغايتين مآلاً ومآباً، وباشر الجيش شاماً ومصراً، ووهب الله بهيبته تأييداً ونصراً، ودبّر فأقبل ما أدبر، ورحّب المضائق بما نمّق قلمه وحبّر:
ورمى الى الغرض البعيد بفكره ... فأصاب حتف كوامن ودقائق
يقظ لأعقاب الأمور مجرّبٌ ... طبّ بأدواء الممالك حاذقِ
تنقل من الشام الى مصر مرات، ونال من السلطان مكارم ومبرّات.
ولم يزل على حاله بمصر أخيراً الى أن جمدت حواسه، وخمدت أنفاسه.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وستين وست مئة.
ودفن بالقرافة في تربة القاضي فخر الدين ناظر الجيش، وكانت جنازة حافلة.
وكان ينظم شعراً جيداً، وليس له نثر جيد، اللهم إلا إن ترسّل وكتب بلا سجع، فإنه يأتي في ذلك بالمثل السائر والبيت المطبوع، ويأتي بالشاهد على ما يحاوله وذلك في غاية البلاغة والفصاحة، يوفي المقام في ذلك حقّه، وكان عجباً في القوة الحافظة.
كان في مبدأ أمره كاتباً في الدبّاغة، حتى إنه كتب الى الأعسر أو لغيره من مشدّي دمشق ممن كان له الحكم في ذلك الوقت:
يا أميراً حاز الحيا والبلاغة ... قلتلتني روائح الدّباغهْ
ثم إنه نقل الى طرابلس وخدم في الجيش بها، وكان يساعد ابن الذهبي كاتب الإنشاء بطرابلس، فاشتهر وعرف بالأدب، فأحبّه الأمير سيف الدين أسندمر نائب طرابلس ولم يزل الى أن توجّه أسندمر مع السلطان الملك الناصر محمد من دمشق الى القاهرة سنة تسع وسبع مئة، فسعى له عند السلطان الى أن استخدمه بديوان الجيش بالديار المصرية.
وكان قد حضر معين الدين الى دمشق في جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة ناظر الجيش عوضاً عن القاضي شمس الدين بن حميد وأقام بدمشق الى أن حضر
القاضي قطب الدين من الديار المصرية، فتوجه القاضي معين الدين الى مصر، ولم يزل الى أن أمسك القاضي قطب الدين ناظر الجيش بالشام في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، فحضر القاضي معين الدين عوضه في نظر الجيش بالشام، ووصل الى دمشق خامس جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، فانفرد بذلك قليلاً. ثم إنه شورك بينهما في النظر بمعلوم لكل منهما نظيرُ الأصل، وكان القاضي قطب الدين هو الأكبر والعلامة له أولاً، ولم يزل بدمشق الى سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
ولما عزم القاضي فخر الدين على الحجاز طلب السلطان معين الدين ليسد الوظيفة في الجيش عن القاضي فخر الدين، فأقام بالديار المصرية الى أن مات في التاريخ.
وكان يكتب خطاً قوياً ولابد له إذا كتب اسمه هبة الله بن حشيش أن ينقط الشين خوفاً من التصحيف.
اجتمعت به في دمشق وفي مصر مرات، وأنشدني له كثيراً، ومما أنشدني له شيخنا علم الدين البرزالي إجازة قوله:
طيف ألمّ وطرف الهمّ وسنانُ ... وناظرٌ لارتقاب الوصل يقظان
سرى وموكبه شوقي وموطنه ... خدّي وذلكما طِرفٌ وميدانُ
حتى تضمنه الطرف السهيد وقد ... غطى شهيد الكرى للدمع طوفان
فلم يزل دون تهويم يمتّعنا ... بالوصل زوراً وطرف النجم سهران
فكم تلقى بصدري فرحةً فرشت ... له السرائر فالأحشاء أوطان
إذا تمشى الى جرح الجوارح يأ ... سوه فكم طُفئت للوجد نيران
فشق باللطف عن قلبي وعزّل عن ... هـ ما يشقّ فقلبي اليوم فرحان
وراح يخلع جلباب السرور على ... وقتي وقد مرّ دهر وهو عُريان
أهلاً به من خيالٍ عاد لي أملي ... به وعاودني رَوحٌ وريحان
فالعيش رغدٌ ودار الأنس دانية ... وجيرة الحي بعد الهجر جيران
ورُقبة البدر سُهدٌ والمنى حلُمٌ ... تحلو لنا ومغاني الحي أوطان
فهذه منح الطيف المُلمّ بنا ... سراً فليت بواقي السر إعلان
وكتب من طرابلس الى الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم:
خيالك لما بان ركبُك ما بانا ... لأن له في ناظر العين أوطانا
إذا ما اشتكى قلبي لهيب غرامه ... لدمع يجاريه تأجج نيرانا
نعمت بما ترضون لي يا أحبتي ... ولم أخشَ أشواقاً إليكم وهجرانا
وعذب عذابي فيكم وتحرّقي ... وكم من عزيز في محبتكم هانا
فكتب شهاب الدين بن غانم الجواب إليه:
رقادي لما بنْت يا منيتي بانا ... فكيف يزور الطيف مني أجفانا
وقلبي مذ ودّعت لا علم لي به ... وآخر عهدي أنه عندكم كانا
على أن ما شطّت نوى من غدت له ال ... سرائر من صدري ربوعاً وأوطانا
وحاشى لمثلي أن يُرى متشكياً ... صدوداً وأن يخشى ببعدك هجرانا
وما زال توحيدي وشخصك والهوى ... بقلبي سكّاناً أقاموا وجيرانا
ومن شعره قصيدة في المجون، وجوّدها، أولها:
لا والأيورِ الصُّلعِ
منها يقول:
ما وقع الكسّ على ... قلب الخصيّ بموقعِ
هدية بنت علي بن عسكر
الشيخة أم محمد البغدادية، اللّبان أبوها، الهرّاس جدها.
كانت امرأة صالحة، كثيرة الصلاة والنوافل. روت عن ابن الزبيدي، وابن اللتي، وجعفر الهمداني، وغيرهم.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليها مسند الدارمي، ورافقتها في السفر من دمشق الى القدس، وقرأت عليها بعجلون، والبيت المقدس، وبلد الخليل عليه السلام، وبالأردن عند جسر دامية، وغير ذلك، وكانت تتردد الى بيتنا وتقيم عندنا الأيام المتوالية. وسمع منها جماعة من الطلبة.
ثم إنها توفيت رحمها الله تعالى بالقدس في ثامن عشر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
الألقاب والأنساب
الهذباني
نجم الدين الحسن بن هارون. ونور الدين علي بن محمد.
الهكاري
الشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد. عماد الدين داود بن محمد.
ابن هود
الشيخ بدر الدين الحسن بن علي.
الهرغي
تقي الدين عبد الله بن محمد.
ابن الهمام
ناصر الدين محمد بن الهمام.
أولاد ابن هلال
الصاحب تقي الدين أحمد بن سليمان. ومعين الدين الحسين بن محمد. وفخر الدين عبد الرحمن بن عبد العزيز. ومخلّص الدين عبد الواحد بن عبد الحميد. ونجم الدين علي بن محمد. وأمين الدين محمد بن محمد بن عمر.
ابن الهيتي
صلاح الدين ناصر بن أبي الفضل.
حرف الواو
ابن والي الليل
محمود بن رمضان.
الوتار القوّاس
علي بن إسماعيل.
وحيد الدين إمام الكلاسة
يحيى بن أحمد.
ابن ورّيدة
عبد الرحمن بن عبد اللطيف.
وهبان بن علي
ابن محفوظ بن أبي الحياء السبتي، الشيخ زين الدين أبو الكرم المؤذن بباب السلطان، الجزري.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: روى لنا عن ابن باقا الجزء الثالث من البيوع من مسائل الإمام أحمد الأثرم، قرأته عليه بمنزله في علوّ خان مسرور بالقاهرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة أربع وست مئة بجزيرة ابن عمر.