بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 555

وكان يحب الفقراء والصالحين، ويتودد إليهم ويقضي حوائجهم، وعمّر العمائر المليحة الغريبة العجيبة، ولم أر أحداً حاز مثل ذهنه في العمائر واستعمال الصنّاع والصبر على ما عندهم من المكاسرة والمدافعة.
وقلت أنا أرثيه، رحمه الله تعالى:
مات يحيى فكيف يحيا اللبيبُ ... وبه كانت الحياة تطيبُ
لم يمت إنما الرئاسة ماتت ... والمعاني تخرّمتها شعوب
كان للناس والأنام جمالاً ... فهو للبدر في التمام نسيب
كان والله كاملاً في المعاني ... وحماه للمعتفين رحيب
كان في جوده فريداً فأما ... إن ذكرت الوفا فأمرٌ عجيب
يملأ العين شكله وتسرَّ النف ... س أوصافه فما تستريب
ورئيس إن قلت فيه رئيس ... ما له في الأنام قطّ ضريب
خُلق كالنسيم إن مرّ وَهْناً ... في خلال الأزهار وهو رطيب
ومحيّاً لو أن بدراً رآه ... لاعتراه بعد الطلوع مغيب
وحياء كأنه إذ يُحيّا ... عند ردّ السلام منك مُريب
واحتمال لكل ضيم عظيم ... حيث رأس الوليد منه يشيب
وإذا نال حظوةً من مليك ... فلكل الأصحاب منه نصيب
هو في منصب يسامي الثريّا ... ونداه من المنادي قريب
لم يشنْ لفظه بغيبة شخص ... يحضر الشخص عنده أم يغيب
من سراةٍ إن سار عنهم ثناءٌ ... مادَ منه غصنٌ وماج كثيبُ
إن مخزوم في قريش لريحا ... نٌ شذاه يوم الفخار يطيب


صفحه 556

جدّهم خالدٌ وخالد جدٌ ... لهم والجناس شيء عجيب
كلهم كاتبٌ رئيسٌ كريمٌ ... عالم فاضلٌ سريٌ نجيب
كتب السرّ عند تنكز دهراً ... وهو ذاك الملك العظيم المهيب
فأخاف العدا وسرَّ الموالي ... فلهذا يثني وهذا يثيب
وعلى كتبه حلاوة لفظ ... مقتضاه البيان والتهذيب
في طروس لنا تشفّ بياضاً ... وسطور مدادها غربيب
دبّر الملك بُرهةً ليس فيها ... ما تراه سوءاً ولا ما تعيب
يتلقى أغراض كلِّ مهمّ ... فترى رأيه سهاماً تصيب
وإذا جُهّز البريد بأمر ... فيه خوف فبالأمان يؤوب
ليس إلا اللفظ الذي هو سحر ... ولمعناه في القلوب دبيب
ولبعض الكلام رونقُ حُسنٍ ... منه تُنسى البلوى وتُمحى الذنوب
أيها الذاهبُ الذي سار عنّا ... وغمامُ الدموع منا يصوب
إن يكن شقّ فيك للصبح جَيب ... فلكم شُقِّقَتْ عليك جيوب
كان دهري سِلماً فمذْ غبت عني ... نشأت بينه وبيني حروب
كنت لا أختشي إذا اعتلّ يوماً ... من أذى خطبه وأنت طبيب
آه وا لوعتي وطول نحيبي ... مع علمي أن ليس يُجدي النحيب
غير أني قضيت للودّ حقاً ... برثاءٍ له عليّ وجوب
كم أيادٍ أولَيتَنيها ونُعمى ... ومحلّ الإحسان محْلٌ جديب
جعل الله بقعة أنت فيها ... روضٌ عفو فهو الكريم الوهوب


صفحه 557

وكتبت أنا إليه من الديار المصرية أهنئه بكتابة السر بالشام في جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة:
كم عدو يموت أيام يحيى ... ومحبّ في العز والسعد يحيا
هذه دولة تقول الليالي ... لعُلاها أهلاً وسهلاً ورعيا
طالما اشتاقها الزمان بنفسٍ ... هي للمجد والمكارم ظميا
جِمجَمَ الدهرُ مدة بسواها ... وهو منها يُسرّ في القلب أشيا
أطلعت في سما دمشق شهابا ... منه شمس النهار في الأفق خَزْيا
أين من يطلب المعالي وتأبى ... من رئيس تأتي لمغناه سعيا
لو أراد الزمان يأتي بمثلٍ ... لعلاه بين البريّة أعيا
كاتب السر سرَّ كل محبّ ... وأعاد الجميل فينا وأحيا
بسجايا من السحائب أندى ... وجناتٍ من الحدائق أفيا
ذو سكون وعفة ليس يشكو ... من خُطاه وجهُ الثرى قطّ وطيا
صرّفِ الآن دهرنا يا شهاب ال ... دين مهما أردت أمراً ونهيا
ومر السعد بالذي تشتهيه ... فهو يأتي في الحال ما اخترت جَريا
فلك الحمدُ والمآثر إرث ... عن كرامٍ زكوا مماتاً ومَحيا
أنت من عصبةٍ كرامٍ نماهم ... خالدُ بن الوليد في كل عَليا
عملوا صالحاً وحازوا المعالي ... فهم الفائزون أخرى ودُنيا
بك تزهى دمشق فامنع حماها ... فلها من علاء في العز بُقيا
قلم في بيان كفك يسعى ... فوق طرس أم حاك في الخط وشيا
كل سطر كأنه إذ تبدّى ... شفةٌ بالمدادِ الأسودِ لَميا
ينثر الدرّ بل يُري السحر حقاً ... حين يُملي عليه فكرك وحيا
فإذا ما أعملتَهُ في مهمٍّ ... يستبيح الأعداء قتلاً وسبيا


صفحه 558

هذه الدولة التي كنت أرجو ... أن أرى لي بها مع السعد لُقيا
ويسر الفؤاد نيلُ الأماني ... وأرى طعم صبره صار أرْيا
لا أراني لها الزمان انفصالاً ... ما اشتكى عاشق من الحب نأيا
يقبّل الأرض ويهنئ نفسه والأنام، ومملكة الشام والأيام، وبيض الطروس وسُمر الأقلام وأرباب الطيالس وأصحاب الأعلام، بهذه الرتبة التي طلع في سمائها شهاباً توقّد نوره وكات سرٍّ كثرت بمعاليه في ديوان الإنشاء شموسه وبدوره، ووجدت الأقلام لها في ميدان البلاغة مجالاً، وبلغت المعالي من قربه أمانيها فلم تعدم بمن تهوى اتصالاً:
وزاد المرهفات ضياءَ عزمٍ ... فصار على جواهرها صِقالا
وأبصرت الذوابل منه عدلاً ... فأصبح في عواملها اعتدالا
فالله يرزقنا معاشر الأرقاء شكر هذه النعمة التي أقمر بها ليل الأمل والتحف الدهر منها برداء المحاسن واشتمل، وانتشق خمائل فضلها من كانت الأيام أخرته حتى خمل، وانتصف فيها من كانت واقعته تذكّر الناس بأيام صفّين والجمل:
وأضحى فضلها في الناس باد ... يدار بها على الشرب العُقارُ
فهذه الأيام التي كانت بها الآمال في الضمائر أجنّة، وهذه الأوقات التي جرت إليها سوابق الأماني مُطلقات الأعنة، وهذه الدولة التي جرت في رياض حماها جداول السيوف تشقّ رياحين الأسنّة، ليس فيها ما يقال له: كمُلَت لو أن ذا كمال.


صفحه 559

فأنتم يا بني القيسراني فضلكم مثل جدكم خالد، ونجمُ من عاندكم هابط ونجم سعودكم صاعد، وجنان الفضل ترون فيها " مُتكئين فيها على الأرائك " وتحيتكم فيها المحامد، وأيديكم تضرب من البلاغة في الذهب الذائب إذا ضرب غيركم من العي في الحديد البارد، وبنان حسانكم ينهلّ بالنّدى فهو جائد وبنانُ غيركم جامد. زينتم الوجود من عصر نور الدين الشهيد سُقي ضريحه رحمة وبرّاً، وبدأت حسنات الأيام بوجودكم من هناك وهلم جرّا، كم قد تجمل منكم منصب الصحابة بوزير، وكم جلس منكم كاتب سرّ بين يدي صاحب السرير، وكم حلّيتم بدرر إنشائكم جيد قاضٍ وعنق أمير، وكم روى الإحسان منكم عن نافع وابن كثير.
أما فضائلكم فإنها ملأت الدفاتر، وأقرّت بالتقصير عنها مآثر البواتر.
وأما تشددكم في الدين فقد تفيأ الظل من سدرة المنتهى، وبلغ غايةً لم تكن الشمس في علوّ المنزلة أختَها.
وأما مكارمكم فما عهد الناس مثلها من البرامك، ولا اجتلوا مثل أقمارها في الدياجي الحوالك. وكيف لا يجد الناس بكم صفاء الأيام وفي وجودكم لذة العيش، أم كيف لا ينشقون أرج الخزامى وبنو مخزومٍ ريحانة قريش، فالله لا يُخلي الوجود من حسناتكم التي تفيد كل بهجة وتحيي من موت الفضائل كل مهجة.
بقاؤكم عصمةُ الدنيا وعزّكم ... سترٌ على بيضة الأيام منسدل
إن شاء الله تعالى.


صفحه 560

وكتبت إليه وأنا بدمشق أتقاضاه وعداً بإقطاعٍ عند بعض الأمراء لفتاي:
يا سيداً دأبي الثناء المجتبى ... عليه بالتصريح والرمز
أصبحتُ من جودك أغنى الورى ... لكنني أحلم بالخبز
وكتبت أنا إليه عند وصولي الى القاهرة أصف له مشقة كابدناها في الطريق بالرمل وغيره، ونحن صحبة ركاب الأمير سيف الدين تنكز في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وهو مشتمل على نظم ونثر سقته جميعه في الجزء الحادي عشر من التذكرة.

يحيى بن سليمان
ابن علي، الإمام العالم محيي الدين الرومي الحنفي المعروف بالأسمر.
مدرّس المدرسة الركنية، تولاها بعد الفقيه الفاضل شمس الدين محمد بن المعلم الحنفي.
وكان شيخاً فاضلاً، وله حلقة إشغال تفيد الطلبة بالجامع الأموي، وقرأ عليه جماعة من الفقهاء.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.

يحيى بن صالح
ابن عتيق، القاضي محيي الدين الزواوي المالكي.
كان فقيهاً فاضلاً ناب عن القاضي المالكي مدة بدمشق ثم عزله ثم أعاده.
واستمر الى أن مات في أوائل شوال سنة عشر وسبع مئة.


صفحه 561

يحيى بن عبد الله
ابن عبد الملك، الشيخ العلامة البارع، شيخ الشافعية أبو زكريا الواسطي.
قرأ الفقه والأصلين، وبرع في الفقه وتخرج به الأصحاب، ودرّس بالشرابية بواسط. تفقّه على والده وحدّث ببغداد بكتاب مطالع الأنوار النبوية في صفات أفضل البرية، وكان يقال هو فقيه العراق في زمانه.
تفقه عليه ابن عبد المحسن، وشمس الدين محمد بن القاسم الملحمي الواعظ، والمجد عبد الله بن إبراهيم الدقيقي وغيرهم.
وله سماع من الفاروثي صحيح البخاري بفوت. وأجاز له الشيخ عبد الصمد، والكمال بن وضّاح، وابن أبي الدينة، وله مؤلف في الناسخ والمنسوخ في الحديث وغير ذلك.
توفي بواسط في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.

يحيى بن عبد الرحمن
الشيخ المحدث الكاتب المجوّد المحرر الموسيقار نظام الدين بن النور الحكيم الجعفري.
كان يكتب طبقه، ويتقدم بحسن أوضاعه كل من سبقه، فإذا رأيت خطه في


صفحه 562

المهارق أنساك سحر الأحداق وزهر الحدائق، وكان له عناية بالحديث، وسماع القديم والحديث، قرأ بنفسه، وأسمع أولاده، ورحل بهم عن أوطانه، وفارق أحباءه وبلاده.
وكان موسيقاراً يتقن اللحون والأنغام، ويقرّ له في هذه الصناعة ربُّها ويخضع له ولو أنه الضرغام، فإذا أورد لحناً أعرب فيه عن أستاذيته، وفتن أهل الغرب بمشرقيته، وسلب عقولهم بمشرفيته:
ما كان حين يُغنّي في مجالسهم ... إلا نسيم الصّبا والقوم أغصانُ
قدم من العراق الى الشام، وانتجع بارق الملك الناصر وشام، وتوجه الى الديار المصرية، وطلب العود الى دمشق لما عند نفسه الأبيّة من الحرية، ثم إنه عاد الى عراقه وادّكر أوطانه لطيب أعراقه.
ولم يزل هناك يكتب عن الملوك وينظّم درّ رسائلهم في السلوك الى أن انتظم النظام في سلك الأموات وعدّ بعد حياته من الرُفات وفات.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وستين أو سنة ستين وسبع مئة. ورد خبر موته من بغداد.
كان هذا نظام الدين قد وصل من بغداد مع الوزير نجم الدين بن شروين وناصر الدين خليفة بن علي شاه لما وفدوا على السلطان الملك الناصر.