صاحب الأولياء في أول العم ... وأوفى في خدمة الأنبياء
واصطفى كل من تصوف حتى ... عُدّ في الأولياء والأصفياء
فبلقياه قام بالفرض قومٌ ... وبرؤياه سنّ كل سناء
كم له منّةٌ على كل نفس ... وله ضنّةُ على نُفساء
واحدٌ في صفاته ثاني اثني ... ن لتخمير طينة الأشياء
ثالثٌ إن يُعدّ في عالم الكو ... ن وإن شئت رابع الخلفاء
ما له خامسٌ ولكن في الخا ... مسِ منه عكسٌ بغير خفاءِ
عجب الناس من تناقض ما في ... هـ مع الاعتدال والاستواء
ظاهرٌ طاهرٌ خفيٌّ حفيٌّ ... زائد ناقصٌ مريء مُراءِ
صاعدٌ نازل أمينٌ خؤون ... ناصرٌ قاصر شديدُ العناء
فابن ما ألغزتُ يا واحد العص ... ر كُفيت الروى وشر البلاء
وكتب الشيخ صلاح الدين رحمه الله تعالى الجواب عنه، ونقلت من خطه:
يا إماماً حلّى عقود العلائي ... كونه واسطاً لها ببهاء
قد بدا لُغزُك اللطيف بديعاً ... مشرقاً منه أنجم الجوزاء
هو في دقة الهواء ولكن ... حاز وصف الزلال عند الصفاء
فهو درّ والدر في الماء يلقى ... فلهذا لم يعدُه بتناء
نوّع الوصف ما لغزت فأضحى ... كل فكر لديه في إعياء
كيف لا والذي تضمّن بحرٌ ... من بيان يعزّ في الإحصاء
ظاهرٌ لفظه ولكن معاني ... هـ تناهت في دقة وخفاء
وينابيعه تسحُّ زلالاً ... بمعينٍ من ألطفِ الأشياء
ليس يخفى أني أشرتُ الى ما ... ضمّن اللغز في أتم جلاءِ
فابق كنزاً للطالبين مفيداً ... والْقَ عزّاً ودُم بكل سناء
يحيى بن عبد الرحيم
الأرمنتي المعروف بابن الأثير الشافعي.
كان من الفقهاء المباركين، درّس بمدرسة سيوط سنين كثيرة، وتولى الحكم بأطفيح وبمنفلوط وكانت سيرته حميدة، وهو من بيت علم ورئاسة وجلالة وأصالة.
وتوفي بسيطو في سنة ثمان وسبع مئة رحمه الله تعالى.
يحيى بن عبد الرحيم بن زكير
محيي الدين القوصي الشافعي.
كان معتبراً جيّد الإدراك حسن الفهم.
سمع من تقي الدين بن دقيق العيد، وبدر الدين بن جماعة، وجلال الدين أحمد الدشناوي، وأخذ عنه الفقه، وأجازه بالإفتاء. ودرّس بقوص سنين كثيرة.
قال كمال الدين الأدفوي: حضرتُ عنده الدرس ست سنين أو ما يقاربها، وكان درساً مفيداً فيه تحقيق وقلة غلط، يتقنه ويحرر الكلام فيه، وقرأ النحو والأصول على جلال الدين، وتولى الحكم بقنا، وناب في قوص، وكان حميد السيرة محمود الطريقة، ولم يعب الناس عليه إلا أنه كان يداوم مسألة الحيلة في المعاملات، يبيع
السجادة ونحوها بآلاف ويشتريها بما يعطيه في المعاملات التي قررت قبل المعاقدة. وكان يقول: إذا طولبتُ بها في غدٍ، قلت هذا الشافعي وأصحابه جوّزوا ذلك، وأنا مقلّد.
ولم يزل الى أن صُودر وأُخذ منه مال، وتضعضع وبقي في قوص.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثماني عشرة وسبع مئة.
يحيى بن عبد اللطيف
ابن محمد بن سند، محيي الدين بن سراج الدين التاجر الكارمي.
كان هذا محيي الدين لطيفاً ظريفاً غاية في الكرم.
قال كمال الدين الأدفوي: لم ترَ عيني أكرم منه، عزيز النفس، يحفظ من النظم والنثر كثيراً، وزر اليمن، وكان له حظ عند السلطان الملك الناصر محمد، وكان محبوباً عند الخاص والعام، صحب جملة من الصالحين، وكان جماعة من أصحابه يلومونه على كثرة العطاء والنفقة، فيقول: قال لي جماعة ممن لهم كشف: تموت سعيداً.
توفي رحمه الله تعالى بمصر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة وعمره ستة وأربعون عاماً.
يحيى بن عبد الوهاب
ابن عبد الرحيم، الشيخ الفقيه النحوي تاج الدين الدمنهوري الشافعي.
كان مصدّراً لإقراء العربية بجامع الصالح خارج باب زويلة وبالجامع الظافري بالقاهرة، بلغ السبعين من عمره، وله مصنفات، ووقف كتبه بالجامع الظافري.
كان قد غلب عليه التدين والانقطاع.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشر جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
يحيى بن علي
ابن تمام بن يوسف بن موسى، الشيخ صدر الدين أبو زكريا السبكي الشافعي.
هو عمّ شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي.
كان قد ولي قضاء المحلة وعدة مناصب. وروى عن ابن خطيب المزة، وسمع منه حفيده قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد ابن عبد اللطيف وغيره.
وكان إماماً عارفاً بأصول الفقه، ومدرساً بالسيفية، وتولاها بعده ابن أخيه العلامة تقي الدين.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري صفر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
يحيى بن علي بن أبي الحسن
ابن أبي الفرج بن طاهر بن محمد، الشيخ الإمام المسند الفقيه الفاضل المنشئ محيي الدين بن الحداد الحنفي.
كان ناظماً ناثراً، قاعداً بفن الترسّل ماهراً، كتب الإنشاء بطرابلس زماناً، ونال
من طول المدة في عمره أماناً، الى أن تخلى عن المباشرة، وملّ المصاحبة من إخوانه والمعاشرة وانقطع بدمشق مُقبلاً على شانه، عالماً بخيانة إخوانه، وزمانة زمانه.
ولم يزل الى أن عُدّ فيمن أركبته المنايا على الأعواد، ولم يحمل التطريق ابن الحداد.
وتوفي رحمه الله تعالى بمنزله في الكفتيّين داخل دمشق بعد العشاء الآخرة ليلة الاثنين حادي عشري شوال سنة سبع وخمسين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية الى جانب الشيخ جمال الدين الحصيري الحنفي.
ومولده سنة ست وستين وست مئة بدمشق، وأصله رقّي.
وكان قد تولى بالقاهرة نظر القنود، ثم دار الوكالة في سنة سبع عشرة وسبع مئة، فلما توفي شمس الدين الطيبي كاتب الإنشاء بطرابلس تولى مكانه، وخرج من القاهرة في أواخر سنة سبع عشرة وسبع مئة.
أخبرني ولده الأمير ناصر الدين محمد، أحد البريدية بدمشق قال: توجهت مع والدي الى عند قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى - وقال له وأنا أسمع: إن والده أحضر الى الشيخ محيي الدين النواوي - رحمه الله تعالى - بالرواحية وهو أمرد ليشتغل عليه، فقال له: هذا صبي أمرد، وأنا مذهبي أن النظر الى الأمرد حرام مطلقاً، ولكن توجه به الى تاج الدين الفزاري، فأخذه والده وجاء به الى الشيخ تاج الدين وهو يشتغل في الجامع الأموي، أو كما قال.
وكتب الإنشاء بطرابلس نحواً من أربعين سنة، وكانت له مباشرات بالشام في دمشق وبعلبك وحمص وحماة وحلب في غير ما وظيفة من وظائف الديوان.
وكان قد كتب هو إليّ لما ورد دمشق:
يا إماماً قد فاق سحبان بل قس ... سَ إيادٍ قل لي أأنت خضر
أنت للفضل قبلةٌ ولأهل ال ... علم نجم يُهدي وللدين بَدر
فإذا ما نطقت أفنيت أفكا ... ر البرايا ولم يحرْ لك فكر
وإذا ما وضعت في الطرس خطّاً ... باهر الحسن جلّ بل حلّ سحر
وإذا ما نظمت شعراً فللشع ... رى حياء منه وللشعر فخر
وإذا ما نحوت نحواً فمن زي ... دٌ من الماهرين فيه وعمر
أخجل النظم منك نظمٌ وأودى ... نثرة الشهب من مقالك نثر
أترى أنت عالم بولائي ال ... محضِ أم بينه وبينك ستر
ليس شكل من الصواب فلو حقّ ... قت قربي ما عاقني عنك بحر
وعلى الحالتين بعدٌ وقرب ... لك عندي حبٌ وحمدٌ وشكر
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
لك مني حمد يفوق وشكرٌ ... لي منه على مدى الدهر سكرُ
وولاء عقدتُ منه لواءً ... منه طي في الخافقَين ونشر
ودعاء حقٌ بغير ادّعاءٍ ... فيه من سرعة الإجابة سرّ
وثناءٌ أعليت منه بناءً ... فهو أفقٌ نجومه منك زهر
قد تفضّلت بادياً بقريضٍ ... كلُّ بيت فيه من الحسن قصرُ
فهو ينهل في انسجام ويحلو ... فعلي كل حالةٍ فهو قطر
وكأن السطور روض مريع ... والمعاني كأنها فيها زهرُ
أنت يا بن الحداد صغت المعالي ... لك طوقاً فيه كلامك درُّ
بك قد أشرقت دمشق وتاهت ... فلها من سناك فجرُّ وفخر
أنت فيها بحرٌ وقد سبق القو ... ل ضميري فقلت إنك حبرُ
كيف يُدعى بالبحر من كل بحر ... مستمدٌ من فضله مستمرّ
فابق في نعمةٍ تفيد البرايا ... فضلَ علمٍ يغشاه زيدٌ وعمرو
يحيى بن فضل الله
ابن المجلي بن دعجان، القاضي الكبير الرئيس محيي الدين أبو المعالي القرشي العدوي العُمري، كاتب السر السلطان بالشام، أولاً، وبمصر أخيراً.
تقدم ذكر أخيه القاضي شرف الدين عبد الوهاب، وذِكرُ ولديه القاضي شهاب الدين أحمد، والقاضي بدر الدين محمد وذكر أخيه بدر الدين محمد بن فضل الله كلّ منهم في مكانه.
كان سعيد الحركات إذا تحرك، سديد السكنات، كأن القدر تكفّل له بحُسن العقبى وتدرّك، متعه الله تعالى بالمناصب والأولاد، والسعادة التي لها الجبال أوتاداً، فرأى في مناصبه ما لا رآه غيره، وفي أولاده من السعد ما لم يزجر به لغيرهم طيره. وكتب الخطّ الذي تودّ الرياضُ لو كانت أوراقه، والعقود لو نُظمت مثل سطره في حُسن اللباقة. ما أعتقد أنه خدم الترك مثله، ولا نبت في وادي أغراضهم إلا بانُهُ وأثله، قد درِبَ مقاصدهم وألفها، وفرّع مرامي مراميهم وعرفها، طال عمره في السعادة وخدمته في آخر عمره بالحسنى وزيادة.
وكان يرعى حقّ من خدمه، ويعلي كعب صاحبه وقدمه، ولم يكن فيه لأحد أذى، ولا رأى غيره من عينه قذى، منجمعٌ عن الناس، لا يجتمع بأحد في مآتم ولا أعراس، شُغله بخويصة نفسه، والاعتزال عن أبناء جنسه. وكان شديد الحزم، مديد الهمة والعزم:
لا يقرع السنَّ للفوات ولا ... يعضّ حرّ البنان من ندمه
يقلّ قدرُ الأنام عنه كما ... يصغر جنب الزمان في عظَمه
ولم يزل على حاله الى أن انهار به جُرفه، وتهدّم من عمره شُرفه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة، ودفن بالقرافة، وكانت جنازة عظيمة، ثم إنه نقل تابوته الى دمشق، ودفن بتربتهم التي في الصالحية في شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة.
وكتبت أنا الى ولده القاضي علاء الدين كاتب السر أرثيه بقصيدة وهي:
يا قاصد الفضل عُد قد مات مُحييه ... وغاب من كان بين الناس يُبديه
وأوحشَ الدست ذاك لصّدرٍ حين مضى ... فطالما كانت الأسرار تأويه
كم دبر الملك بالآراء فامتنعت ... ثغوره وحماهُ من أعاديه
ورفّة السُمر والبيض الصفاح فما اح ... تاج الشجاعُ لأن تجري مذاكيه
وكم كتابٍ له أردى الكتائب لم ... ما بات في ساحة الديوان يُمليه
مهما نسيتُ فما أنسى توجّعه ... لي من زماني إذ خانت لياليه