السجادة ونحوها بآلاف ويشتريها بما يعطيه في المعاملات التي قررت قبل المعاقدة. وكان يقول: إذا طولبتُ بها في غدٍ، قلت هذا الشافعي وأصحابه جوّزوا ذلك، وأنا مقلّد.
ولم يزل الى أن صُودر وأُخذ منه مال، وتضعضع وبقي في قوص.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثماني عشرة وسبع مئة.
يحيى بن عبد اللطيف
ابن محمد بن سند، محيي الدين بن سراج الدين التاجر الكارمي.
كان هذا محيي الدين لطيفاً ظريفاً غاية في الكرم.
قال كمال الدين الأدفوي: لم ترَ عيني أكرم منه، عزيز النفس، يحفظ من النظم والنثر كثيراً، وزر اليمن، وكان له حظ عند السلطان الملك الناصر محمد، وكان محبوباً عند الخاص والعام، صحب جملة من الصالحين، وكان جماعة من أصحابه يلومونه على كثرة العطاء والنفقة، فيقول: قال لي جماعة ممن لهم كشف: تموت سعيداً.
توفي رحمه الله تعالى بمصر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة وعمره ستة وأربعون عاماً.
يحيى بن عبد الوهاب
ابن عبد الرحيم، الشيخ الفقيه النحوي تاج الدين الدمنهوري الشافعي.
كان مصدّراً لإقراء العربية بجامع الصالح خارج باب زويلة وبالجامع الظافري بالقاهرة، بلغ السبعين من عمره، وله مصنفات، ووقف كتبه بالجامع الظافري.
كان قد غلب عليه التدين والانقطاع.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشر جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
يحيى بن علي
ابن تمام بن يوسف بن موسى، الشيخ صدر الدين أبو زكريا السبكي الشافعي.
هو عمّ شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي.
كان قد ولي قضاء المحلة وعدة مناصب. وروى عن ابن خطيب المزة، وسمع منه حفيده قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد ابن عبد اللطيف وغيره.
وكان إماماً عارفاً بأصول الفقه، ومدرساً بالسيفية، وتولاها بعده ابن أخيه العلامة تقي الدين.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري صفر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
يحيى بن علي بن أبي الحسن
ابن أبي الفرج بن طاهر بن محمد، الشيخ الإمام المسند الفقيه الفاضل المنشئ محيي الدين بن الحداد الحنفي.
كان ناظماً ناثراً، قاعداً بفن الترسّل ماهراً، كتب الإنشاء بطرابلس زماناً، ونال
من طول المدة في عمره أماناً، الى أن تخلى عن المباشرة، وملّ المصاحبة من إخوانه والمعاشرة وانقطع بدمشق مُقبلاً على شانه، عالماً بخيانة إخوانه، وزمانة زمانه.
ولم يزل الى أن عُدّ فيمن أركبته المنايا على الأعواد، ولم يحمل التطريق ابن الحداد.
وتوفي رحمه الله تعالى بمنزله في الكفتيّين داخل دمشق بعد العشاء الآخرة ليلة الاثنين حادي عشري شوال سنة سبع وخمسين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية الى جانب الشيخ جمال الدين الحصيري الحنفي.
ومولده سنة ست وستين وست مئة بدمشق، وأصله رقّي.
وكان قد تولى بالقاهرة نظر القنود، ثم دار الوكالة في سنة سبع عشرة وسبع مئة، فلما توفي شمس الدين الطيبي كاتب الإنشاء بطرابلس تولى مكانه، وخرج من القاهرة في أواخر سنة سبع عشرة وسبع مئة.
أخبرني ولده الأمير ناصر الدين محمد، أحد البريدية بدمشق قال: توجهت مع والدي الى عند قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى - وقال له وأنا أسمع: إن والده أحضر الى الشيخ محيي الدين النواوي - رحمه الله تعالى - بالرواحية وهو أمرد ليشتغل عليه، فقال له: هذا صبي أمرد، وأنا مذهبي أن النظر الى الأمرد حرام مطلقاً، ولكن توجه به الى تاج الدين الفزاري، فأخذه والده وجاء به الى الشيخ تاج الدين وهو يشتغل في الجامع الأموي، أو كما قال.
وكتب الإنشاء بطرابلس نحواً من أربعين سنة، وكانت له مباشرات بالشام في دمشق وبعلبك وحمص وحماة وحلب في غير ما وظيفة من وظائف الديوان.
وكان قد كتب هو إليّ لما ورد دمشق:
يا إماماً قد فاق سحبان بل قس ... سَ إيادٍ قل لي أأنت خضر
أنت للفضل قبلةٌ ولأهل ال ... علم نجم يُهدي وللدين بَدر
فإذا ما نطقت أفنيت أفكا ... ر البرايا ولم يحرْ لك فكر
وإذا ما وضعت في الطرس خطّاً ... باهر الحسن جلّ بل حلّ سحر
وإذا ما نظمت شعراً فللشع ... رى حياء منه وللشعر فخر
وإذا ما نحوت نحواً فمن زي ... دٌ من الماهرين فيه وعمر
أخجل النظم منك نظمٌ وأودى ... نثرة الشهب من مقالك نثر
أترى أنت عالم بولائي ال ... محضِ أم بينه وبينك ستر
ليس شكل من الصواب فلو حقّ ... قت قربي ما عاقني عنك بحر
وعلى الحالتين بعدٌ وقرب ... لك عندي حبٌ وحمدٌ وشكر
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
لك مني حمد يفوق وشكرٌ ... لي منه على مدى الدهر سكرُ
وولاء عقدتُ منه لواءً ... منه طي في الخافقَين ونشر
ودعاء حقٌ بغير ادّعاءٍ ... فيه من سرعة الإجابة سرّ
وثناءٌ أعليت منه بناءً ... فهو أفقٌ نجومه منك زهر
قد تفضّلت بادياً بقريضٍ ... كلُّ بيت فيه من الحسن قصرُ
فهو ينهل في انسجام ويحلو ... فعلي كل حالةٍ فهو قطر
وكأن السطور روض مريع ... والمعاني كأنها فيها زهرُ
أنت يا بن الحداد صغت المعالي ... لك طوقاً فيه كلامك درُّ
بك قد أشرقت دمشق وتاهت ... فلها من سناك فجرُّ وفخر
أنت فيها بحرٌ وقد سبق القو ... ل ضميري فقلت إنك حبرُ
كيف يُدعى بالبحر من كل بحر ... مستمدٌ من فضله مستمرّ
فابق في نعمةٍ تفيد البرايا ... فضلَ علمٍ يغشاه زيدٌ وعمرو
يحيى بن فضل الله
ابن المجلي بن دعجان، القاضي الكبير الرئيس محيي الدين أبو المعالي القرشي العدوي العُمري، كاتب السر السلطان بالشام، أولاً، وبمصر أخيراً.
تقدم ذكر أخيه القاضي شرف الدين عبد الوهاب، وذِكرُ ولديه القاضي شهاب الدين أحمد، والقاضي بدر الدين محمد وذكر أخيه بدر الدين محمد بن فضل الله كلّ منهم في مكانه.
كان سعيد الحركات إذا تحرك، سديد السكنات، كأن القدر تكفّل له بحُسن العقبى وتدرّك، متعه الله تعالى بالمناصب والأولاد، والسعادة التي لها الجبال أوتاداً، فرأى في مناصبه ما لا رآه غيره، وفي أولاده من السعد ما لم يزجر به لغيرهم طيره. وكتب الخطّ الذي تودّ الرياضُ لو كانت أوراقه، والعقود لو نُظمت مثل سطره في حُسن اللباقة. ما أعتقد أنه خدم الترك مثله، ولا نبت في وادي أغراضهم إلا بانُهُ وأثله، قد درِبَ مقاصدهم وألفها، وفرّع مرامي مراميهم وعرفها، طال عمره في السعادة وخدمته في آخر عمره بالحسنى وزيادة.
وكان يرعى حقّ من خدمه، ويعلي كعب صاحبه وقدمه، ولم يكن فيه لأحد أذى، ولا رأى غيره من عينه قذى، منجمعٌ عن الناس، لا يجتمع بأحد في مآتم ولا أعراس، شُغله بخويصة نفسه، والاعتزال عن أبناء جنسه. وكان شديد الحزم، مديد الهمة والعزم:
لا يقرع السنَّ للفوات ولا ... يعضّ حرّ البنان من ندمه
يقلّ قدرُ الأنام عنه كما ... يصغر جنب الزمان في عظَمه
ولم يزل على حاله الى أن انهار به جُرفه، وتهدّم من عمره شُرفه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة، ودفن بالقرافة، وكانت جنازة عظيمة، ثم إنه نقل تابوته الى دمشق، ودفن بتربتهم التي في الصالحية في شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة.
وكتبت أنا الى ولده القاضي علاء الدين كاتب السر أرثيه بقصيدة وهي:
يا قاصد الفضل عُد قد مات مُحييه ... وغاب من كان بين الناس يُبديه
وأوحشَ الدست ذاك لصّدرٍ حين مضى ... فطالما كانت الأسرار تأويه
كم دبر الملك بالآراء فامتنعت ... ثغوره وحماهُ من أعاديه
ورفّة السُمر والبيض الصفاح فما اح ... تاج الشجاعُ لأن تجري مذاكيه
وكم كتابٍ له أردى الكتائب لم ... ما بات في ساحة الديوان يُمليه
مهما نسيتُ فما أنسى توجّعه ... لي من زماني إذ خانت لياليه
ولُطفه كلما وافيتُ مجلسَه ... كأنما نسماتُ الروض لي فيه
يا ذاهباً ترك الأسماع من حَزَنٍ ... تودّ لو أنها صُمّت لناعيه
ومن مضى والورى تدري محاسنه ... حتى لقد شكر الله مساعيه
أقسمتُ ما خدم الأملاك مثلُك في ... سرّ تبيتُ من الأعدا تُراعيه
ولا يوفّي الأمور الباهظات إذا ... ما أظلم الرشد حقاً أنت تدريه
ربّيْت فيما مضى من دهرنا دولاً ... من غير عجزٍ ولا كبرٍ ولايته
وكم وصلت لمن قد بات ملتجئاً ... إليك رزقاً رآه لا يواتيه
يُجنى عليك ولم تُظهر مؤاخذةً ... لأجل ذلك تعلو من تناويه
وما برحتَ عظيم القدر ذا شرفٍ ... عند المليك الذي جلّت أباديه
وقد مضَيت الى الله الكريم وما ... يضيعُ مثلك ضيفاً عند باريه
قدمت في مثل شهر الصوم حضرته ... بُشراك بُشراك خيرٌ بتَّ تجنيه
فقِرَّ عيناً بمن خلّفتَ من ولدٍ ... فإن حقّك كل الناس يدريه
ولم يمت من بنوه سادةً نجُبٌ ... كلٌ على حدةٍ يحيي معاليه
لاسيما وعلاءُ الدين ثالثهم ... يفوه بالمسك من أضحى يسمّيه
كفاية ووقار في رسوخ نهىً ... فما أرى أحداً في ذا يوفّيه
أما الكتابةُ فاسأل كلَّ يانعة ... من الحدائق إن كانت تحاكيه
أو العبارةُ فاسأل كل بارقة ... من الدياجر إن كانت تجاريه
أو الترسّل فاسأل كل هاطلة ... من السحائب إن كانت تباريه
أو الخلائق فاسأل كل نافحةٍ ... من النواسم إن كانت تضاهيه
نظمٌ كأن سلاف الدنّ شعشعها ... فينا ضُحىً وأدارتها قوافيه
وكل سجع لو أن البحر يعرف ما ... يأتي به لاستحتْ منه لآليه
يا من سردت معانيه وأقسمُ ما ... تدري الليالي له مثلاً فتحويه
اصبر على فقد مولى كلُّ ذي أدب ... إن كان يُنصفُ لا ترقا مآقيه
وسلّم الأمر في هذا لخالقه ... تنلْ من الله ما تغدو تُرجّيه
فأنت أولى بصبر القلب في حزنٍ ... ما غير فضلك فينا من يُعانيه
ولم أر فيمن عاصرته من كتب النسخ وخرّج التخاريج والحواشي أحلى ولا أظرف ولا آنق من القاضي محيي الدين بن فضل الله ومن الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، نعم والقاضي جمال الدين إبراهيم بن شيخنا شهاب الدين محمود، ولكن القاضي محيي الدين رعشت يده في آخر عمره، وارتجت كتابته أخيراً، ورأيت بخطه المثل السائر، والوشي المرقوم وهما في غاية الحُسن.
وأول ما كتب الإنشاء بدمشق في أيام أخيه القاضي شرف الدين عبد الوهاب سنة إحدى وستين وست مئة، ثم إنه جهّزه الى حمص، فأقام بها سنتين، ونُقل الى دمشق، فأقام مدة، ثم أعيد الى حمص وأقام بها قريباً من خمس سنين، ثم إنه نقل الى دمشق، ولما توجه أخوه الى كتابة السر بمصر وأقام بها الى أيام السلطان حسام الدين لاجين حصل للقاضي شرف الدين استرخاء، فجهّز السلطان أحضر القاضي محيي الدين سنة سبع وتسعين وست مئة، فأقام بمصر ينوب عن أخيه تسعة أشهر، ثم إنه طلب العود الى دمشق، فأعيد إليها.