وكان يخدم الأمير سيف الدين تنكز وحاشيته وجماعته وغاشيته وكان يرعاه إذا ورد من دمشق أو صدر، ويكرم نزله إذا صعد أو انحدر.
وقضّى في حلب سعادة عُظمى، وأياماً نظمها الدهر في سلك السرور نظماً، وتنقّل منها الى بلد طرابلس مرات، والتقى من حروب الزمان كرّات، وطُلب الى مصر غير مرة، وعاد منها ووجوه عداه مغبرّة.
يلاقي العِدا بالقصم، والوفد بالغنى ... وحُسّاده بالكبت، والداءِ بالحسم
خبيرٌ بأخلاق الزمان يروضها ... بلين الهُوينى أو بعارضة الحزم
وكان يحب الفضلاء، ويقرّب النبلاء.
ولم يزل على حاله الى أن جفّت مواد لهواته، وأكمل مدة حياته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في إحدى الجماديين سنة تسعٍ وعشرين وسبع مئة بحماة.
كان أولاً مباشراً نظر الجيش بحلب قبل عود الناصر من الكرك الى دمشق، ثم إنه توجه الى طرابلس سنة اثنتي عشرة وسبع مئة. ثم إنه تولى نظر حلب، فأقام بها في سعادة ورياسة وسيادة الى أن عزِل في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
وتوجه الى نظر طرابلس فأقام بها الى سنة سبع وعشرين وسبع مئة، ثم إنه عاد الى نظر حلب، ثم إنه نقل الى نظر طرابلس فأقام بها دون السنة، ومرض وتعلّل، فتوجه الى حماة ليتداوى بها، وأقام بها مدة عليلاً، وكان صاحب حماة الملك المؤيد يعوده ويزوره ويصله، ولما مات مشى في جنازته، وكان يخدمه لما عليه من الخدمة والمكارمة.
وفيه يقول جمال الدين بن نباتة:
قالت العَليا لمن حولها ... سبقَ الصاحب واحتلّ ذُراها
فدعوا كسبَ المعالي إنها ... حاجة في نفسِ
يعقوب قضاها
وكتب إليه شهاب الدين أحمد بن المهاجر يهنّيه بقدومه الى حلب بعد القاضي جمال الدين ابن ريّان، ومن خطه نقلت:
أبدت سروراً وهذا بعضُ ما يجب ... وكيف لا وقدوم الصاحب السببُ
وأسفرت من محيا البشر عن حسنٍ ... له إذا ما انتهى من وصفه حسبُ
وأقبلت تتهادى من غلائل في ... تيهٍ أنّ ممّن حاكها الطربُ
تقول للبرق إذ تفترّ باسمةً ... لقد حكيتَ ولكن فاتك الشنب
وتنشد الدوحُ إذ تهتزّ ناسمة ... بيني وبينك يا دوح الحمى نسبُ
لك البشارة يا شهباءنا فلقد ... أمسى وأصبح من حسادك الشهبُ
لقد علوتِ به قدراً ولا عجبٌ ... فإنه رجلٌ تعلو به الرتب
يكفيك من ذي المعالي أن منصبه ... قد زال عنه العنا والبؤس والنّصب
وأن مجلسه المأنوس منه زها ... روضاً فآض إليه الحُسن ينتسبُ
ما غاب عنه جمال من حوى شرفاً ... إليه آل التقصّي وانتهى الطلب
يعقوب بن مظفر
ابن مزهر، الصاحب شرف الدين. هو أخو القاضي فخر الدين أحمد بن مظفر.
كان الصاحب شرف الدين من أشياخ الكتّاب المعروفين بالنهضة والكفاية، كثير البرّ لأهله وأقاربه ومن يلوذ به، وكان المباشرون يخافونه ويخشون منه.
باشر النظر بدمشق وحلب وطرابلس وصفد وغير ذلك من المناصب.
توفي - رحمه الله تعالى - بحلب في شعبان ثامن عشرة سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومولده بنابلس سنة ثمان وعشرين وست مئة.
وكان وصوله الى حلب في هذه المرة ناظر الدواوين بها في مستهل شعبان، فأقام بها ثمانية عشر يوماً وتوفي رحمه الله.
يعقوب
الأمير محيي الدين ابن الملك الأشرف عبد الحق ابن السلطان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
كان جندياً وله إقطاع وعدة أولاد، وعليه ديون كثيرة، وكان يحفظ شعراً كثيراً.
وتوفي بالمزة ظاهر دمشق في ثامن ذي الحجة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
يلبسطي
الأمير سيف الدين.
لما توفي الأمير سيف الدين بلبان البدري نائب حمص عيّن الأمير يسف الدين يلبسطي المذكور للنيابة، وخلع عليه في خامس عشر ذي القعدة سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وتوجه إليها وأقام بها.
يلبغا
الأمير الكبير سيف الدين اليحيوي الساقي الناصري نائب حماة وحلب ودمشق، ابن الأمير سيف الدين طابُطا، وقد تقدم ذكره في حرف الطاء.
كان جميل المحيا، قد طال رِيّاً وطاب رَيّاً، بثغر يفترّ عن أقحوانه، وقوامٍ يهزّ منه رمحاً لدناً، غلطتُ، بل غصن بانه، كريم السجايا والأخلاق، عديم النظر في مجموع محاسنه على الإطلاق، لا يكاد يمنع سائله ولا يرد وسائله، هذا الى إقدام زلّت عنه الأقدام، وشجاعة يُردُّ عنها عنترة بوجه دام:
قمرٌ يروقك في سحاب بنوده ... ضحكَ السيوفِ من البروق الخُلّب
طبّ بأدواء الممالك راضها ... بندى يد سمحٍ وسيف مقضبِ
ذو سطوة تسعُ البُغاة وتحتها ... حلمٌ يفيض على المسيء المذنب
بسماحة وحماسة قد بيّنا ... أن ليس يمنعُ مهلكٌ من مطلبِ
خرج على الملك الكامل، ورماه بالذل الشامل، وأراد أن يفعل مثلها بالمظفر، فخرّ صريعاً لليدين وللفم وقد تعفّر، وكان يظن الثانية مثل الأولى، فعادت صحيحات العيون من أمانيه حُولاً، وحزّ رأسُه عن جسده وما نفعه مثقّف سُمره ولا موضون زرده.
وكانت قتلته بقافون في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
كان الأمير سيف الدين يلبغا من أكبر الأمراء الخاصكية، ولم يكن عند أستاذه الملك الناصر محمد أعز منه، وكانت الإنعامات التي تصل إليه لم يفرح أحد بمثلها، يطلق له الخيل بسروجها وعُددها وآلاتها: الزركش والذهب المصوغ في سروجها مرصعاً بالجواهر الثمينة خمسة عشر خمسة عشر فرساً، والأكاديش من الجشار مئتين مئتين، وتجهَّز إليه التشاريف: الأطلس والحوايص الذهب والطرز الزركش وغير ذلك من التشاريف التي يحتاج هو الى أن يعطيها من عنده لمن يُحضر إليه ذلك.
حكى لي الحاج حسين أستاذداره قال: جرى يوماً بين يدي السلطان ذكر عشرين ألف دينار، فقال يلبغا: والله يا خوند أنا عمري ما رأيت عشرين ألف دينار، فلما خرج من عنده، طلب القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص وقال: أحضر إليّ الساعة خمسةً وعشرين ألف دينار، وخمسة تشاريف أطلس أحمر وطرزها وكلوتاتها
وحوايصها، فلما حضر ذلك قال: احمل التشاريف الى عند يلبغا، وقل له: إذا جاء الجمدارية بالذهب اخلع عليهم التشاريف، وطلب خمسة جمدارية وحمّل كل واحد منهم خمسة آلاف دينار، وقال: توجهوا بهذا الذهب الى يلبغا، فأحضروها، وخلع هو عليهم تلك الخلع، وبنى له الإصطبل الذي في سوق الخيل تحت القلعة ظاهر القاهرة، ولم يعمّر قبله مثله، وأنفق عليه ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وكان يهندس الصنّاع فيه بنفسه، ولما فرغ مدّ فيه سماطاً عظيماً، وخلع على أمراء الدولة تشاريف وخيولاً. وبالجملة فكانت إنعاماته عليه وإطلاقاته له خارجة عن الحد.
وكان هو والأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي قد توليا تمريض السلطان لما مات. ثم إن يلبغا سأل في أيام الصالح إسماعيل أن يكون نائب حماة، فأُجيب الى ذلك، وجاء إليه عوضاً عن الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني، وتوجه المارداني الى نيابة حلب عوضاً عن الأمير سيف الدين طقزتمر، وجاء طقزتمر الى نيابة دمشق، وذلك في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ولما مات الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني في حلب، رسم للأمير سيف الدين يلبغا بنيابة حلب، ولما ملك الملك الكامل طلب طقزتمر من دمشق الى مصر ليكون لها نائباً، ورسم للأمير سيف الدين يلبغا بنيابة دمشق، فدخل إليها يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبع مئة، وتوجه الأمير سيف الدين أرقطاي الى حلب نائباً، وأقام يلبغا اليحيوي على حاله بدمشق، وأرجف الناس كثيراً بأن الملك الكامل يريد إمساك يلبغا، وذلك بعد إمساك الأمير سيف الدين آل ملك
وسيف الدين قماري، فاستوحش الأمير سيف الدين يلبغا من ذلك وبرّز الى الجسورة بظاهر دمشق في خامس عشر جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وسبع مئة، وأقام هناك أياماً، وحضر إليه الأمير حسام الدين البشمقدار نائب حمص، والأمير سيف الدين آراق نائب صفد، والأمير سيف الدين أسندمر نائب حماة، والأمير بيدمر البدري نائب طرابلس، واجتمع الكل عنده بظاهر دمشق، وعسكر دمشق جميعه، واجتمعوا وأجمعوا على خلع الكامل، وظاهروه بالخروج عليه، وكتبوا إليه مطالعة بذلك، فكان ما كان من أمر الكامل، على ما مرّ ذكره في ترجمته.
ولما تولى الملك المظفر حاجي أقرّ سيف الدين يلبغا على حاله في نيابة دمشق وجعل ابنه أمير محمد أميراً بطبلخاناه، وأعطى دواداره الأمير عز الدين طقطاي طبلخاناه، وعمّر يلبغا قبة النصر عند مسجد القدم مكاناً كان قد برز إليه، وكان قد عمّر قبل ذلك القيسارية التي هي برّا باب الفرج، وعمّر الحمامين اللذين بحكر العنابة برّا الجابية بدمشق، وشرع في عمارة الجامع الذي بسوق الخيل على نهر بردى في أول سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وفي ثامن عشري شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة ورد إليه الخبر على البريد على يد الأمير شمس الدين آقسنقر المظفري أمير جاندار بكتاب من
السلطان الملك المظفر بإمساك الأمراء الستة الذين تقدم ذكرهم في ترجمة الأمير شمس الدين آقسنقر الناصري، وفيه إعلامه بالواقعة وإطابة خاطره وتسكينه. فكتب الجواب بالدعاء للسلطان وجهّز أستاذداره سيف الدين أشتقتمر معه، واستوحش يلبغا من هذه الواقعة كثيراً، واستدعى أمراء دمشق بعد ذلك بيومين، وهو في دار السعادة، وعرّفهم ما جرى، وكتب الى نواب الممالك بالصورة، وجهّز الأمير سيف الدين ملك آص الى حماة وحمص وحلب، وجهز الأمير علاء الدين القاسمي الى طرابلس. وجاءه ليلة الجمعة من زاده وحشة فلم يصبح له بدار السعادة أثر غير نسائه، وانتقل الى القصر الأبلق، ونزل والده وإخوته وألزامه ومن معه من مماليكه بالميدان، وكان يركب وينزل الى يوم الأربعاء، فجاءه الأمير سيف الدين آراي أمير آخور بكتاب السلطان الملك المظفر يطلبه الى مصر ليكون رأس أمراء المشور، وأن نيابة الشام قد أنعم بها على الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب حلب، وقال سيف الدين آراي ذلك بغمة لأمراء دمشق، فتحللت عنه العزائم، وفلّت الآراء، فتجهز وطلع الى الجسورة ثانياً على العادة التي فعلها في السنة الماضية، وكان ذلك بعد العصر خامس عشر جمادى الأولى، وأقام الى بعد الصلاة من يوم الجمعة سادس عشر جمادى الأولى، وكانت الملطفات قد جاءت من السلطان الى أمراء دمشق بإمساكه في عشية الخميس، فأنزلوا الصنجق السلطاني من القلعة، واجتمع عسكر دمشق تحته، ولما علم بذلك ركب بسلاحه في جماعته. ولما عاين أوائلهم هرب بمماليكه وأهله، وهرب معه أيضاً