وسيف الدين قماري، فاستوحش الأمير سيف الدين يلبغا من ذلك وبرّز الى الجسورة بظاهر دمشق في خامس عشر جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وسبع مئة، وأقام هناك أياماً، وحضر إليه الأمير حسام الدين البشمقدار نائب حمص، والأمير سيف الدين آراق نائب صفد، والأمير سيف الدين أسندمر نائب حماة، والأمير بيدمر البدري نائب طرابلس، واجتمع الكل عنده بظاهر دمشق، وعسكر دمشق جميعه، واجتمعوا وأجمعوا على خلع الكامل، وظاهروه بالخروج عليه، وكتبوا إليه مطالعة بذلك، فكان ما كان من أمر الكامل، على ما مرّ ذكره في ترجمته.
ولما تولى الملك المظفر حاجي أقرّ سيف الدين يلبغا على حاله في نيابة دمشق وجعل ابنه أمير محمد أميراً بطبلخاناه، وأعطى دواداره الأمير عز الدين طقطاي طبلخاناه، وعمّر يلبغا قبة النصر عند مسجد القدم مكاناً كان قد برز إليه، وكان قد عمّر قبل ذلك القيسارية التي هي برّا باب الفرج، وعمّر الحمامين اللذين بحكر العنابة برّا الجابية بدمشق، وشرع في عمارة الجامع الذي بسوق الخيل على نهر بردى في أول سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وفي ثامن عشري شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة ورد إليه الخبر على البريد على يد الأمير شمس الدين آقسنقر المظفري أمير جاندار بكتاب من
السلطان الملك المظفر بإمساك الأمراء الستة الذين تقدم ذكرهم في ترجمة الأمير شمس الدين آقسنقر الناصري، وفيه إعلامه بالواقعة وإطابة خاطره وتسكينه. فكتب الجواب بالدعاء للسلطان وجهّز أستاذداره سيف الدين أشتقتمر معه، واستوحش يلبغا من هذه الواقعة كثيراً، واستدعى أمراء دمشق بعد ذلك بيومين، وهو في دار السعادة، وعرّفهم ما جرى، وكتب الى نواب الممالك بالصورة، وجهّز الأمير سيف الدين ملك آص الى حماة وحمص وحلب، وجهز الأمير علاء الدين القاسمي الى طرابلس. وجاءه ليلة الجمعة من زاده وحشة فلم يصبح له بدار السعادة أثر غير نسائه، وانتقل الى القصر الأبلق، ونزل والده وإخوته وألزامه ومن معه من مماليكه بالميدان، وكان يركب وينزل الى يوم الأربعاء، فجاءه الأمير سيف الدين آراي أمير آخور بكتاب السلطان الملك المظفر يطلبه الى مصر ليكون رأس أمراء المشور، وأن نيابة الشام قد أنعم بها على الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب حلب، وقال سيف الدين آراي ذلك بغمة لأمراء دمشق، فتحللت عنه العزائم، وفلّت الآراء، فتجهز وطلع الى الجسورة ثانياً على العادة التي فعلها في السنة الماضية، وكان ذلك بعد العصر خامس عشر جمادى الأولى، وأقام الى بعد الصلاة من يوم الجمعة سادس عشر جمادى الأولى، وكانت الملطفات قد جاءت من السلطان الى أمراء دمشق بإمساكه في عشية الخميس، فأنزلوا الصنجق السلطاني من القلعة، واجتمع عسكر دمشق تحته، ولما علم بذلك ركب بسلاحه في جماعته. ولما عاين أوائلهم هرب بمماليكه وأهله، وهرب معه أيضاً
الأمير سيف الدين قلاوون، والأمير ناصر الدين بن جمق، وتبعه الأمير علاء الدين بن طغريل أمير حاجب، والأمير شهاب الدين بن صبح وغيرهما من عسكر دمشق، وعادوا بعدما أوصلوه الى ضمير، وقتل من العسكر جماعة.
ثم إن الأمير فخر الدين أياز نائب صفد وصل بعسكر صفد الى دمشق في بكرة الأحد ثامن عشر جمادى الأولى، وخرج العصر بعسكر دمشق أيضاً وصفد وتوجه بهم الى حمص وجدّوا، وكان العرب قد أنكَوه ومنعوا منه الماء، واقتطعوا بعض نقله، وجدّ في طلبه سلار بن تتر البدوي وأخوه بُريد، ومنعوه النوم والقرار، وكلَّ هو ومن معه، وملّوا من حمل السلاح ليلاً ونهاراً، وحمي الحديد عليهم، وعاينوا الهلاك، واختلف مماليكه عليه، فقال لهم: بالله وسّطوني أو اضربوا عنقي. كل هذا وهم ما بين القريتين الى أمهين وصدد، ولما سمعت ذلك قلت:
تفرق شمل السعد عن يلبغا وقد ... بغا وغدا في عكسه متورّطا
فقال له السيف الذي شدّ وسطهُ ... وقد بالغ الأعراب في الجور والسّطا
تلذذ بقتلٍ فيه للنفس راحةٌ ... وإن رُمت أهنأ العيش فابغِ توسُّطا
وقال له مماليكه: أنت قلت لنا إن نائب حماة معك، توجّه بنا إليه، فلم يرَ إلا المطاوعة، فعبر على ظاهر حمص وتوجه الى حماة، فخرج إليه الأمير سيف الدين قلطيجا الحموي النائب بحماة، فتلقّاه ودخل به الى حماة، ثم إنه أمسكه وأمسك والده
وأخويه قراكز وأسندمُر، وعز الدين طقطاي الدوادار وسيف الدين جوبان وقلاوون ومحمد بن جمق، وقيّدهم وجهّز سيوفهم الى السلطان. ثم بعد ذلك جهّز الأمير سيف يلبغا ووالده مقيَّدَين الى مصر، فلما وصلا الى قاقون تلقاهما الأمير سيف الدين منجك، فأطلعه الى قلعة قاقون هو ووالده وحبسهما في بيتين منفردين، ثم أُنزل والده من قلعة قاقون، وجُهّز وحده على البريد الى السلطان، وطلع الى الأمير سيف الدين يلبغا مشاعليّان، فأحسّ بذلك، وسألهما الوضوء وصلاة ركعتين، ولما فرغ من ذلك قال لهما: بالله هوّناها عليّ. فقالا له: يا خوند إن أردت ذلك فدعنا ندير كتافك، فمكّنهما من نفسه، وخنقاه، فسمع الناس شهقته من أسفل القلعة. ثم إنه حُزّ رأسه وجعل في عسل، وجُهّز الى باب السلطان، ثم دفنت جثته بقاقون، رحمه الله تعالى وسامحه وعفا عنه، وذلك في العشر الأواخر من جمادى الأولى في السنة المذكورة.
وقلت أنا في ذلك:
إن في يلبغا لكلِّ لبيبٍ ... عبرةً أصبحت على الدّهر تُتلى
ما تساوى العزُّ الذي قد رآهُ ... في دمشق بذلّ قاقون أصلا
وقلت أيضاً:
ألا إنما الدنيا غرورٌ وباطلُ ... فطوبى لمن كفّهاه منها تفرغا
وما عجبي إلا لمن بات واثقاً ... بأيام دهرٍ ما رعَت عهد يلبغا
ثم إن الأمير سيف الدين منجك وصل الى حماة، وجهز إخوة يلبغا وجماعته الذي أُمسكوا مقيّدين الى باب السلطان.
وخلّف الأمير سيف الدين يلبغا اثني عشر ولداً، أكبرهم أمير محمد وعمره تقدير سبع سنين، وكان له زوجتان: أخت صمغار وأخت بُزلار، وكان يحبها كثيراً، وأم محمد وهي أخت الخوندة أُردو.
وكان يتلو القرآن جيداً، ويلازم تلاوته في المصحف، ويحب أهل القرآن ويجالسهم، ويحب الفقراء. ولم يكن فيه شرٌ ولا انتقام. وقبل خروجه من دمشق أحضر إليه قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي الى القصر، ووقف أملاكه وخصّ الجامع الذي أنشأه بدمشق بمبلغ ستين ألف درهم في كل سنة من صلب ماله، رحمه الله تعالى. ومضى كأن لم يكن.
ولم أر مثل ما ناله من السعادة التي فاضت عنه على والده ووالدته وإخوته وأقاربه ومماليكه، لأن والده كان أمير مئة مقدم ألف، وأخواه أميري طبلخاناه، وولده أمير طبلخاناه، وذو قرابته الأمير شهاب الدين شعبان أمير طبلخاناه، ودواداره الأمير عز الدين طقطاي أمير طبلخاناه، ومملوكه سيف الدين جوبان أمير عشرة، وبقية مماليكه جماعة منهم لهم الإقطاعات الجيدة القوية في الحلقة. واعتنى بجماعة من أهل حماة وحلب ودمشق، وخلّص لهم الطبلخانات.
وعلى الجملة فكانت سعادة زائدة عن الحد، لكنها ختمت بهذا الشرّ الكبير الذي فاض عنه على ذويه، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بقدر الصعود يكون الهبو ... طُ فإياك والرُتبَ العاليه
ومن جملة ما أرى من العز أنه كان قد توعّك وحصل له سوء مزاج، فكان عند
السلطان في المرقد وهو جالس ورجلاه الى ركبتيه في حجر السلطان وهو يكبّسهما بيده ويرش الماورد على وجهه، ويتولى تمريضه وطبّه وعلاجه وخدمته بنفسه. وكان ولد السلطان وهو إبراهيم أكبر من أبي بكر قد مرض بالجدري فمات إبراهيم ودفن ولم يره أبوه ولا عاده شُغلاً منه بتمريض يلبغا، فهذا نهاية في العز.
ومن جملة الذلّ الذي رآه أن تولى خنقه في قلعة قاقون مشاعليّان ودفن في أرض قاقون جسداً بلا رأس، اللهم خلّصنا من شرور هذه الدنيا الغرارة.
وقلت أنا فيه وقد التزمت الزاي المشددة:
دعِ الدّهرَ يُعلي من أراد الى السُهى ... ودافعه من وقتٍ لوقت وجَزِّهِ
فقد نال منه يلبغا فوق ما ابتغى ... وقصّته تُجلى على المتنزّه
وأُنزل من عند الثريا الى الثرى ... وأمسكه صرفُ الرّدى في محزّه
وألحفه العيشُ الغليظُ رداءَهُ ... على لطفِ معناه ورقّة بزّه
فلا سعدَ إلا ما رأيناه نالهُ ... ولا ذلَّ إلا ما رأى بعد عزّه
اليلداني
أبو محمد الصحراوي عبد الرحمن بن عبد المولى.
يلقطلو
بنت أبغا الخاتون.
كانت امرأة ديّنة صيّنة تقيّة نقيّة، محبّة للخير وأهله، وكانت عمّة غازان وخربندا، وكانت بين المغل جليلة القدر نبيهة الذكر، وافرة الحُرمة، مسموعة
الكلمة، ذات شهامة وفروسية، وكانت مزوّجة بعرب طي، ومنازلها لا تبعد من أطراف بلاد الإسلام، ولما مات زوجها المذكور ركبت بنفسها وقتلت قاتله وقطعت رأسه وعلّقته في قلادة فرسها، وبقي الرأس على هذا زماناً طويلاً حتى كُلّمت فيه فألقته، وقيل إنما ألقته بأمر اليرلغ، ولم تتزوج بعد عرب طي، وحرص الأفرم على زواجها وكتب إليها في ذلك وأخذ كتب السلطان وسلار إليها فيه، وبذل لها حمص وبلادها صداقاً عنه فنهرت رسله وردّتهم بالخيبة، وقالت: أنا أنصح أمة محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أنصح فلان وفلان وفلان، فإن كانت مناصحاتي للمسلمين هي التي أطمعت الإفرم فيّ فما بقيتُ أناصحهم، وكيف تجاسر الأفرم عليّ، ومن هو الأفرم؟ وأنا أقل كوتلجي عند مثل الأفرم.
وقدمت هذه يلقطلو الى الشام وتوجهت الى الحج في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
قال القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله: وكنت حاجّاً في تلك السنة فكنت أرى منها امرأة تعد برجال حزماً وعزماً وكرماً، وعليها سيماء الجلالة ووسامة الملك، وتصدقت بأموال كثيرة، قيل إنها تصدقت في الحرمين بثلاثين ألف دينار، وكانت تركب في الطريق محفة، وتركب الخيل، وتشدّ في وسطها التركاش ويُشال عليها الجتر، وكانت تضرب حلقات صيد وتتصيد طول الطريق. وكانت بحر كرم وغاية إحسان، ولما قدمت دمشق خرج الأمير سيف الدين تنكز للقيّها ولاطفها حتى دخلت دمشق بغير جتر على رأسها.
اليمني
الشيخ تاج الدين عبد الباقي، اسمه محمد بن أحمد.
ابن يمن
قاضي القضاة الحنفي.
ينجي
الأمير سيف الدين السلاح دار.
كان من جملة الأمراء بدمشق، ولما جاء الفخري وملك دمشق كان هو فيها مقيماً في شدّ الدواوين، وكان يصدّ الفخري وغيره عن أشياء كثيرة من طلب الناس.
ومرض مدة بعد ذلك وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ينغجار
الأمير سيف الدين الناصري أخو الأمير سيف الدين آرغون الدوادار الناصري.
كان سكنه على بركة الفيل في حكر الخازن، وأُخرج الى الشام سنة ثلاثين وسبع مئة فيما أظن، وأقام بدمشق مدة، وولي نيابة قلعة دمشق مدة، وولي الرحبة، وولي نيابة بعلبك مديدة في أيام الأمير سيف الدين يلبغا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بدمشق في ثامن عشر جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.