نحليه بهذا الطوق أو نخصّه بهذه الدرّة، وذكر بين أيدينا الشريفة جماعة كل منهم جلّ إلا أن يكون قد جلّى، واستوعب الشروط المعتبرة، وكان بذلك الاستيعاب مُحلّى، فأشار مَن إشارته كالسهم الذي يصيب الإشارة، وبركةُ رأيه خالصة من حظوظ النفس الأمّارة، وعيّن من عزّت به الشريعة الشريفة منالاً، وزان رتبتها الجليلة فازدادت به جمالاً، وحمى حوزتها لأنه فارس البحث وجدّلهم وجدّ لهم ونسف مغالط النسفي ولو كانت جبالاً، ونقّى ونقّح كلام من مضى فكم قيّد مطلقاً يمرح وأطلق مقيّدا برَسف، وجلس في حلقة دروسه وكأنما تطلع من محراب داود ويوسف، يغرق المُزني في وابل فضله الصيّب، ويفوق عَرفُ عرفانه على القاضي أبي الطيّب، ويتلوّن الصباغ في شامله من عجزه، ويعترف الغزالي بأنه لم يكن من نسج طرزه، قد صاغ أصوله وابن الحداد في الفروع، والتذّ بكراه وصاحب التنبيه لا يذوق لذّة الهجوع، وأنفق من محصوله وابن الحاجب في ضيعة من صيغة منتهى الجموع.
وكان المجلس العالي القضائي الجمالي هو مُظهر هذه الضمائر والمقصود بهذه الأدلة والأمائر، لا تليق هذه الصفات إلا بذاته، ولا تحسن هذه النعوت إلا بأدواته. فلذلك
رُسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني المالكي الناصري الناضري، لا زال الرعايا بعدله في أمان، ومواقع اختياره ترتاد لهم الكافي الكافل من رب السيف والطيلسان، أن يفوّض إليه القضاة الشافعية بالشام المحروس ولاية أُحكم عقدها، وانتظم عِقدها، وتبلج عُرفُها وتأرّج عَرفُها. فليأمر بالمعروف وينْهَ عن المنكر، ويسير سيرة عمرية تُتلى محاسنها وتشكر.
وليأخذ بحق المظلوم ممن ظلمه، ويجر لسان قلمه بما قامت به البيّنة فعلمه، وليتّبع الحق إن كان مع المشروف أو الشريف، ويطلب رضى الله تعالى في خذلان القوي ونصرة الضعيف.
وليُسوّ بين المتخاصمين في موقفهما عنده، ويسمع الدعوى إذا تمت والجواب إذا أكمل قصده، وليُلِن جانباً لمن حضره، ويتمسك بآداب الشرع التي حضّه عليها وأمره.
وليتحرّز من أمر الشهود في كل شيء ولينقّب عن أحوالهم فإن منهم من يموت على الشهادة وهو حي، ويتبعهم بألمعيّته في كل أمر، ويسمع شهادتهم بفطنة إياس وذكاء عمرو.
والأيتام فليولّ عليهم من يراقب الله في أموالهم، ويخشى الله في معاملاتهم، فكفى ما بهم من سوء حالهم، ولا يركن في أمرهم إلا لمن اختبره المرة بعد المرة، وعلم أن عفته لا تسامحه في التماس الذّرة.
والأوقاف فليُجرِ أمورها على النظام البارع ولا يتعدّ بها شروط الواقفين، فإن نصّ الواقف مثل نصّ الشارع.
والأيامى فليزوجهنّ من أكفائهن شرعاً، ويمنع من يُلبسهن من العَضْل
دَرعاً. والأنكحة الأهلية يستوضح عقودها، والخلية يعتبرها شهودها. ومال المحجور عليه يودعه حرزاً يُحفظ فيه، ومال الغائب، وكذلك المجنون والسفيه.
ووقائع بيت المال المعمور فلتكن مضبوطة النظام، محفوظة الزّمام، مقطوعة الجدل والخصام. ونوابه في البلاد والجهات والنواحي المتطرفات هو المطلوب عند الله بجنايتهم، والمحاسب على ما اجترحوه من ولايتهم. فلا يولّي من يراه فقيهاً " وإذا تولّى سعى في الأرض ليُفسد فيها "، ولا من اتّصف بالجهل، ورأى زينة المال والأهل، بل يتحرّ في أمورهم، ويتّبع معاملتهم في غيبتهم وحضرهم، فأنت أدرى بما إليه الأمر يؤول، وكلكم راع وكل راع مسؤول.
والوصايا كثيرة ومنك تُعرف، وإليك ترجع وتصرف. فما نُعلّم عوانك الخمرة، ولا نعرّف صنّاعَك كيف تصنع الشذرة، فما تحتاج الى أن نسردها، بل نجمعها ولا نفردها، وهي تقوى الله عز وجلّ التي مَنْ تمسّك بها فاز قِدحُه، وأمِن سَرحُه، وتعيّن ربحه وتبيّن نُجْحه.
والله تعالى يتولاك، ويعينك على ما أولاك، ويزيدك مما أولاك.
والخطّ الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه حجة في ثبوت العمل بما اقتضاه. والله الموفِّق بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى.
يوسف بن أحمد
ابن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن طاهر، الشيخ الإمام الفاضل الصدر الكبير بهاء الدين أبو المحاسن ابن الصدر كمال الدين بن العجمي الحلبي، سبط الصاحب كمال الدين بن العديم.
قال شيخنا البرزالي: روى لنا جزءَ ابن عرفة عن النجيب عبد اللطيف الحرّاني، وسمع كثيراً، وقرأ الفقه، واشتغل وحصّل وكتب المنسوب، ودرّس بحماة وولي كتابة الإنشاء بدمشق، وحكم بحماة نيابة.
وكان صالحاً ديّناً مشكوراً محبَّباً الى الناس.
توفي - رحمه الله تعالى - سابع عشري جمادى الآخرة سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وخمسين وست مئة.
ودفن بتربة خاله، قبالة جوسق ابن العديم ظاهر دمشق.
وتوفي بعده ولده القاضي عزّ الدين محمد بعشرة أيام، فإنه توفي - رحمه الله تعالى - تاسع شهر رجب سنة عشر وسبع مئة وولي بعد القاضي بهاء الدين بن العجمي تدريس النجيبية القاضي نجم الدين الدمشقي الشافعي نائب الحكم.
يوسف بن أحمد بن جعفر
ابن عبد الجبار الفقيه الإمام العالم الفاضل جمال الدين الشاطبي الشافعي.
كان فاضلاً اشتغل بفنونه وحصّل فضائل، وله نظم ونثر، وفيه أمانة ونهضة وديانة، وشهد له القاضي بدر الدين بن جماعة وغيره بأهلية التدريس والاشتغال والإفادة.
وولي خطابة جامع جرّاح مدة يسيرة، وكان يخطب بإنشائه.
وأدركه أجله دون الأربعين.
توفي - رحمه الله تعالى - حادي عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مئة.
يوسف بن أحمد بن إبراهيم
علم الدين الخطيب القناوي الشافعي الأديب.
كان من الرؤساء الأعيان الكرماء الأجواد الأذكياء.
قرأ الفقه على جلال الدين أحمد الدشناوي، وكانت له معرفة جيدة بحلّ الألغاز، ونظم فيها أشياء كثيرة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رجب سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وله لغز في لابس، الثاني من قوله:
يبين إن صحّفت مع قولِ لا ... وهو إذا صحّفته لا يبين
وله لغزٌ في مغني:
ما اسمٌ إذا عكستهُ ... يُطربُ إن سمعتَهُ
يُنعِمُ بالوصل متى ... صحّفت ما عكسْتَهُ
وله لغز في زغل:
وما لغزٌ إذا فتّشت شعري ... تراه مسطّراً فيه مسمى
وإن تعكسهُ كان من التحرّي ... إذا حققته فيالبير يُرمى
وفاعله إذا نمّوا عليه ... فيخشى أن تُزال يداهُ حتما
قال كمال الدين الأدفوي: تولى الخطابة ببلده، وناب في الحكم في مواضع شتى، منها دشنا وفاو من بلاد قوص، والمنشأة، وطوخ من بلاد إخميم. وكان يكرم الوارد.
يوسف بن أحمد بن أبي بكر
ابن علي بن إسماعيل بن عمرو بن عبد المجيد، المسند المُعمّر، بقية الرواة، أبو علي الغسّولي المعروف بابن غالية.
سمع من موسى بن عبد القادر، والشيخ الموفق، وتفرّد في وقته.
وسمع منه خلق، فسمع منه شيوخنا الذهبي والبرزالي والمزي، وسمع منه المقاتلي،
وابن النابلسي، والمحبّ الصدر أبو بكر بن خطيب حماة، والشهاب بن عُدَيْسة، ونجم الدين القحفازي، وخلق.
قال شيخنا الذهبي: كان شيخاً ساكناً فقيراً متعفّفاً، بدت منه هنات وسط عمره، ثم إنه كبر وصلحت حاله، وكان حجّاراً، ثم عجز ولزم بيته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة سبع مئة.
وجبي له الكفن، ومولده بقاسيون سنة اثنتي عشرة وست مئة.
يوسف بن أحمد بن محمد بن عمر
الفقيه محب الدين المقدسي الحنبلي.
كان يشهد تحت الساعات بدمشق، ولديه فضيلة، وفيه إقدام وشهامة، ودخل بلاد الروم وغيرها، وسمع من خطيب مَرْدا، ولم يحدّث.
توفي - رحمه الله تعالى - في ثاني عشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وست مئة.
يوسف بن أحمد بن يوسف
ابن عبد الله بن علي بن الحسين بن عبد الخالق بن شكر، الصدر نجم الدين بن علم الدين بن تاج الدين بن الصاحب صفيّ الدين بن شكر المالكي.
كان مدرباً بمدرسة جدّه بالقاهرة.
توفي - رحمه الله تعالى - في حادي عشر جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة.
يوسف بن أحمد بن محمد
ابن يوسف بن عبد الغني الجذامي الإسكندري الفقيه، المالكي، الأديب صدر الدين، عرف بابن غنّوم - بغين معجمة ونون مشددة وواو بعدها ميم - موقّع الثغر.
كان فاضلاً ذكياً. كتب للقضاة زمناً طويلاً، ثم إنه انقطع بمنزله، وخمّس قصائد للصرصري.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده بالإسكندرية سنة ستّ وسبعين وست مئة.
قال كمال الدين الأدفوي أنشدني لنفسه، وقد سألته أن ينشدني شيئاً من شعره:
يا مَن يُسائل عن شعري ليرويه ... مهلاً فليس شعاري نظمَ أشعارِ
مُذ حلّ زائر هذا الشيب صيّرني ... بعد الصّبا وإزاري ذِكرُ أوزاري
قال: وأنشدني له أيضاً:
وبي غريب الدار مُستأنسٌ ... أسالَ دمعي منهُ خدّ أسيلْ
فإن أمُت شوقاً الى وصله ... ففي سبيل الله وابن السبيلْ
قال: وأنشدني له:
قُم نقترع بكر المدامة بُكرةً ... في روضة حسُنت وراقَتْ مَنْظرا
فالرّاح سيفٌ قاطعٌ لهمومنا ... أو ما تراه بالحَباب مُجوهَرا