بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 623

تقدم ذكر والده في حرف الدال، التركماني الكركي قاضي الشوبك.
كان فقيهاً فاضلاً، قرأ على الشيخ تاج الدين، وعلى ولده. وأقام بالكرك مدة يُفتي ويدرّس، ثم ولي القضاء بالشوبك.
وكان حسن الشكل مليح الهيئة، فيه كرم ومروّة، وسمع من الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وابن البخاري، ومن والده وغيرهم. وحدّث بدمشق والكرك والشوبك.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ثاني شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.

يوسف بن داود بن عيسى
ابن محمد بن أيوب، الملك الأوحد نجم الدين أبو المحاسن ابن الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر ابن الملك المعظم شرف الدين ابن الملك العادل أبي بكر.
كان من أعيان أولاد الملوك وأكابرهم المشهورين بالفضل والديانة والجلالة والمكانة والتقدم في المجالس عند الملوك، وكان يُحسن الى الضعفاء والمرضى، يفرّق عليهم الأكحال والأدهان وغير ذلك بالقدس.
وتوفي سنة ثمان وتسعين وست مئة بالقدس، ودفن برباطه بالقدس عند باب حطّه.
ومولده في سنة ثمان وعشرين وست مئة.


صفحه 624

يوسف بن رزق الله
القاضي جمال الدين الموقع، هو ابن أخت القاضي شرف الدين بن فضل الله وأخيه القاضي محيي الدين.
أظنه باشر الجيش مدة، ثم إنه انتقل الى كتابة الإنشاء، ورُسم له في وقت بكتابة الدرج في حماة عوضاً عن نجم الدين بن قرناص، ولكن لم يمكّن من المباشرة. ثم إن الأمير سيف الدين تنكز جهّزه الى غزة موقعاً، فأقام بها مدة، ثم إنه نقل الى توقيع صفد، وأقام بها مدة، ثم إن تنكز نقم عليه وعزله، وأقام بطّالاً، عزله بعلاء الدين بن نصر الله، ولما أُمسك تنكز طلع القاضي جمال الدين الى مصر، وعاد الى الوظيفة بصفد.
ولم يزل بها الى أن توفي - رحمه الله تعالى - في شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وسبع مئة. وكان قد ثقل سمعه، وأما باقي حواسه فإنه تمتع بها، ولعله قارب التسعين، وهمّته كما كان ابن ثلاثين سنة.
وكان فيه كرم ومروّة وعشرة، ودُفن بصفد ومات له بدمشق ولدان كانا شابين مليحين، صبر على مصيبتهما، واحتسب.
وأنشدني من لفظه لنفسه في سنة أربعين وسبع مئة بدمشق:
بدا لنا ينفخ عُثنونه ... وكبّر العِمّة واللّحيه
وعنفص الأنف لأفسو به ... فجئتُ أفسو طلعت خريه


صفحه 625

يوسف بن سليمان
ابن أبي الحسن بن إبراهيم، الفقيه الأديب الشاعر الخطيب الصوفي الشافعي النابلسي.
نشأ بدمشق وقرأ بها الأدب على الشيخ تاج الدين اليماني، وقرأ النحو على الشيخ نجم الدين القحفازي وغيره، وحفظ التنبيه فيما أظن.
كان شاعراً قادراً على الارتجال، ماهراً في الإقامة على المعاني الجيدة والارتحال، ينظم القطعة على ما يُطلب منه بديهاً، ويجيد الإتيان بها والتصرّف فيها.
وكان لذيذ المفاكهة، جميل التخلف والمواجهة، صحب الناس وعاشرهم وجاملهم بالودّ وكاشرهم، وحاسنهم وما خاشنهم، وشاجنهم وما شاحنهم، وصافاهم وما نافاهم، فاشتمل الرؤساء على ودّه، والتقطوا من منادمته جنيّ ورده، وكان كما قال الحريري:
وعاشرت كل جليس بما ... يُلائمه لأروق الجليسا
فبين الرواة أدير الكلا ... م وبين السُقاة أدير الكؤوسا
وكان مليح النادرة، سريع الجواب في البادرة، وتنسّك في آخر عمره وحسُن حاله في نهاية أمره، وخطب فأشجى القلوب، وندّم على ما ندّ من الذنوب.
ولم يزل على حاله أن خلا من مقامه المنبر، وما ذكره صاحبه إلا استعبر.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبع مئة في طاعون دمشق، انقطع يومين لا غير.


صفحه 626

وحج في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، ثم إنه حج في سنة سبع وأربعين وسبع مئة، عقيب موت ولده سليمان، فإنه حصل له ألم كبير بوفاته، وما رأى لنفسه دواء غير الحج.
وكان شاعراً يجيد المقاطيع لفظاً ومعنى، وله في ذلك بديهة مطاوعة، وفكرة متسرعة، وكان القاضي شهاب الدين بن فضل الله قد جدّد رسوم البدرية التي في أرض مَقْرى، وعمّرها في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا، وقرر فيها خطبة يوم الجمعة، وجعل هذا جمال الدين خطيباً بها، فهو أول من خطب بها، وكان أول يوم خطب به يوماً مشهوداً، اجتمع له القضاة والعلماء ووجوه الناس والأعيان، وعمل القاضي شهاب الدين ذلك النهار طعاماً كثيراً، وخلع فيه الخلع السنيّة، وخطب جمال الدين المذكور خطبة جيدة فصيحة الألفاظ بليغة المعاني، واستمر الى أن مات - رحمه الله - وهو يخطب من إنشائه.
وكتبت له توقيعاً بالخطابة، ونسخته:
رُسم بالأمر العالي لا زال يكسو المنابر جمالاً، ويُكسب أقمار الوجوه من الخطباء كمالاً، أن يرتّب المجلس السامي جمال الدين في كذا ثقة ببلاغته التي يرف على مياهها ريحانُ القلوب، وفصاحته التي يكاد لفظها لمن يذوق يذوب، وبراعته التي إذا قال: أيها الناس فقد غزا الأسماع بجيش غير مغلوب، وعظاته التي إذا فاه بها بكى الناس ليوسف بأجفان يعقوب، وعبارته التي نسج منها ابن المنيّر على خير أسلوب،


صفحه 627

ومقاصده التي قطف ابن نباتة زهره من روضها المحبوب، لأنه في هذا العصر بحمد الله تعالى أفضل مَن عفّ ومن برّ، وأفصحُ خطيب لو كُلف مشتاق فوق ما في وسعه لسعى إليه المنبر.
فليباشر ذلك مباشرة يعقد على فخرها الإجماع، وتُشنّف بدرّها الأسماع، ويثق من إحسان هذه الدولة ببلوغ مناه، وإزالة عناه، وإزاحة ما يحجب غناه. فطالما خلت وظيفة كان يظنها له ملاذاً، وشغر منصب استسقى منه رذاذاً، ولاح رزق قلب وجهه في سمائه، وهذه الولاية تقول: " يوسفُ أعرضْ عن هذا "، الى أن لمع به شهاب تألق، وأغدق وابل جوده الذي فاض وترقرق، فرقاه خطيباً، وهزّ بلطفه المنبر غصناً رطيباً، وضوّع أرجاءه بأرجه حتى قيل إنه ضمّخ طيباً فليُجر بعظاتها الراجزة سحب المدامع، ويوقظ البصائر بإرشاده من كل ذي طرف هاجع، ويُميل عِطف من يسمعه فإنه على غصن منبره بليل حُلّته بلبلٌ ساجع. وليستدرج القلوب الطائرة الى لقط حب التوبة، ويستخرج خبايا الندم على ما فات،


صفحه 628

فكم للنفوس من أوبة بعد عظيم الحوبة، ويغسل درن الذنوب بذكر الممات فكم لصخر القساوة به من لين وذوبة. وإذا وعظ فلا يعظ إلا نفسه التي يمحضها النصيحة، وإذا ذكّر فليذكر في ذلك الجمع انفراده إذا سكن ضريحه، فإن ذلك أوقعُ في نفس السامع، وأجلبُ لسحّ الجفن الهامي بالدمع الهامع، وليأخذ لذلك طيبه العاطر وزينته، ويرقى درج منبره بوقاره الذي لا تُزعزع الرياح سكينته، وليبلّغ السامعين بإفهام واقتصاد، ويذكّرهم بتقوى الله تعالى والموت والمَعاد.
وليأت بأدب الخطيب على ما يعلمه. ويحذر من تقعير اللفظ الذي يكاد أن يُعربه فيُعجمه، وتقوى الله تعالى جُنّة واقية، وجنة راقية، وسنّة باقية، فليلبس حلّة شعارها ويُعلي منازه منارها، والله يليّن لمقاله جامد القلوب، ويمنح بعظاته ما سود الصحف من الذنوب.
والخط الكريم أعلاه، حجة بمقتضاه، والله الموفق بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى.
وكان القاضي محيي الدين بن فضل الله لما تولى كتابة السر بعد شمس الدين بن الشهاب محمود قد رتّب جمال الدين المذكور في ديوان الإنشاء كاتب الغيبة على الموقعين، وكان يحضر الديوان بكرةً وعصراً، ويكتب اسم من تغيّب، ويؤخد من كل من غاب من جامكيته ما يخص كل يوم، ولازم الديوان مدة فتاقت نفسه ليكون من


صفحه 629

جماعة الجماعة في الموقعين، وأخذ يرشّح نفسه لذلك وينجمع عن الناس، وخلع ذلك الثوب الذي كان لبسه، فسلّطوا عليه الفخر عثمان النصيبي الذي كان يدخل الى تنكز، ويُمسخر بالناس عنده، فدخل يوماً الى تنكز وقال: يا خوند هناك صبي وما أقدر أعمل شغلاً إلا به، فقال: اطلبوه، فطلب في الحال، فأحضر، وأخذ عثمان يمسخر وينزل في قذاله، فتألم جمال الدين المذكور لذلك ألماً عظيماً وكاد يسافر من دمشق، وتيقظ له جماعة الشعراء في ذلك العصر، ونظموا فيه مقاطيع كثيرة، وجمعها زين الدين عمر بن الحسام الشاعر، وعملها صورة مقامة، وكتب بها نسخ كثيرة، ومما نظم في هذه الواقعة:
يوسف الشاعر من نقصه ... يروم جهلاً رتبة الفاضل
تطلّب التوقيع في جلّق ... فجاءه التوقيع في الساحل
وأنشدني من لفظه في فرس أدهم:
وأدهم اللون فات البرقَ وانتظرَهْ ... فغارت الريحُ حتى غلّبتْ أثرَهْ
فواضعٌ رجلَه حيث انتهت يده ... وواضع يده أنّى رمى بصره
شهمٌ تراه يُحاكي السهم منطلقاً ... وما له غرض مستوقف خبره
يعقّر الوحش في البيداء فارسه ... وينثني وادعاً لم يستثر غبره
إذا توقّل قطب الدين صهوته ... أبصرتَ ليلاً بهيماً حاملاً قمره


صفحه 630

وأنشدني أيضاً لنفسه:
قد مضتْ ليلةُ الوصال بحالٍ ... قصّرت عن محصّل الأزمان
أخبرتنا أن الزمان جميعاً ... قد تقضّى في ليلة الهجران
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يعيبون من أهوى بكسرة جفنه ... وعندي لهذا العيب قد تمّ حُسنُهُ
فقلتُ وما قصدي سوى سيف جفنه ... إذا دام فتك السيف يكسَر جفنهُ
وأنشدني أيضاً ما قاله في بستان الصاحب شمس الدين:
ودولاب يحنّ بجسّ عودٍ ... على وترٍ يساسُ بغير جسِّ
فلما أن بدت منه نجوم ... حكى فلكاً يدورُ بسعدِ شمسِ
وأنشدني من لفظه له في مليح ينظر في مرآة:
سَقياً لمرآة الحبيب فإنها ... أمسَت لطلعته البهيّة مَطلعا
واستقبلت قمرَ السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
وأنشدني من لفظه وكان الغزّي يدّعيهما:
كأن السحاب الغرَّ لما تجمّعت ... وقد فرقت عنا الهموم بجمعها
نياق ووجه الأرض قعب وثلجها ... حليب ومرّ الريح حالب ضرعها
وأنشدني أيضاً، والغزّي يدّعيهما:
ونوّار خشخاش بكرنا نزوره ... وقد دُهش الرائي لحسن صفوفه
تغنّى به الشحرورُ من فرط وجده ... فنقّط بالياقوت ملء دفوفه