قطعت أولي النُهى في البحث سبقاً ... فما لك في مناظرة نظيرُ
إذا أغربت في الإعراب وجهاً ... فكم ثلجت بما تبدي الصدور
وإن قيل المعمّى والمورّى ... فذهنك نافد فيه بصيرُ
وها أنا قد دعوتك للتّحاجي ... لأنك في الحجى طبٌ خبيرُ
فما ساعٍ يُرى في غير أرض ... ولا هو في السّما مما يطيرُ
تراه مردّداً ما بين طردٍ ... وعكسٍ قصّرت عنه الطيور
ويلطَم كلما وافى مداهُ ... ويُسحب وهو مغلول أسيرُ
وتُنزع كل آونةٍ حشاهُ ... ويُلقى وهو للبلوى صبور
ويُرشف بعد ذلك منه ثغر ... ولا عذبٌ هناك ولا نميرُ
إذا ما سار أثّر في خطاه ... طرائق دونَها الروض النّظيرُ
يجرّ إذا سعى ذنباً طويلاً ... ويفتر حين يعلوه قصور
ويُسمع منه عند الجري صوتٌ ... له في صدره منه خَرير
قليل المكثِ كم قد بات تُطوى ... له من شقّة لما يطيرُ
ويفترش الحرير ويرتديه ... غطاء وهو مع هذا فقير
وتظهر في جوانبه نجوم ... وفي أحشائه فلكٌ يدور
فأوضح ما ذكرت فغيرُ خافٍ ... على مجموع فضلك ما أشير
ودُم في نعمة وسعود جدٍ ... وعزٍ ما سقى روضاً غديرُ
فكتب الجواب في أسرع وقت:
أوجهُك لاحَ أم قمرٌ مُنيرُ ... وذكرُك فاح أم نشرٌ عبيرُ
طلعت طلوع شمس الصحو صُبحاً ... على فرس حكي فلكاً يسيرُ
ويا لله روضاً ضمن طرسٍ ... زهير في جوانبه جرير
رميت به إليّ فقلت هذا ... شعاع الشمس مأخذه عسير
أراني رمزه الوضاح حسناً ... ينبهني على أني حقير
وإني ملحَق بأقل صنفٍ ... إذا ما حقّق الجمُّ الغفيرُ
فمذ صحّفته فكري مَلولٌ ... ومذ نشرته باعي قصير
هو المأسور بالماسور لكن ... له في أسره مرح كثير
نشيط أيّدٌ ويقاد طوعاً ... بخيط متنه واهٍ طريرُ
يُراع لأن مهجته يَراعٌ ... له في الجوف من خوف صغير
يحور الى يمين من شمال ... وما يغنى بذا لكن يخور
غدا يسعى بأربعة سراعٍ ... وليس لمشيه بهم نظير
يخالف بين رجليه فيجري ... وترفعه يداه فيستطير
له نول يسير لكل حي ... وميت فيه إحسانٌ كثير
إذا أسدى إليه الخير مُسدٍ ... جزاهُ عليه وهو بذا قدير
كذاك صفاتك الحُسنى ولكن ... بدأت تطوّلاً وبنا قصور
ففخراً ثم ستراً ثم قَصراً ... فأين الثّمدُ والبحر الغزيرُ
وكتب هو يوماً متقاضياً:
إلى بابك العالي توجهتُ موقناً ... بسرعة نيل القصد قبل التوجهِ
وعادتُنا منك النجاح لقاصدٍ ... نحاك وأنت الجاهُ للمتجوّه
ومن مسّ دهر من تأوّه من له ... سواك وأنت الجبرُ للمتأوّه
فلاقاه بالحمد امرؤٌ وهو مطنب ... لخلق ولست القصدُ للمتفوّه
واقترح علينا يوماً القاضي شهاب الدين بن فضل الله معارضة أحمد بن حسن الموصلي في موشحه الذي أوله:
باسمٌ عن لآلٍناسمٌ عن عطرنافرٌ كالغزالسافرٌ كالبدرِ
فكان الذي نظمه ولم يلتزم قوافيه في الأغصان ولا الحشوات، فقال:
زائرٌ بالخيالزائلٌ عن قربيباهرٌ بالجمالناهر بالعُجبِ
أي غصن نضير ... نزهة للنظرْ
لحظُ عيني خفير ... منه ورد الخفَرْ
يا له من غرير ... في هواه غرَرْ
ساحرٌ بالدّلالِساخرٌ بالصبِّفائقٌ في الكماللائقٌ بالحبِ
بشذا المسكِ فاحْ ... ثغرُ هذا الغزالْ
باسمٌ عن أقاحْ ... أو فريد اللآلْ
ردّ نور الصّباح ... كظلام الليالْ
ريقهُ حين جالفي لماهُ العذبصرتُ بين الزّلالوالهوى في كرب
ذو قوام رطيبْ ... منه تُجنى الحُرَقْ
رام ظلم القضيب ... فاشتكي بالورق
فتثنّى الحبيب ... ورنا بالحدق
مثل بيض النّصالمن سواد الهدبوالعوالي أمالبالقوام الرّطب
لو رآه القسوس ... حسّبته المسيح
وهو يحيي النفوس ... بالكلام الفصيحْ
ما تبينُ الشموس ... عند هذا المليح
خلِّ عنك الغزاليرتعي في الكثبثم قل للهلاليحتجب في الغرب
ثغره في بريق ... إذ جلاه بريق
كل حُر رقيق ... للماه الرّقيق
خده والشقيق ... ذا الهذا شقيق
قد بدا فيه خالكسواد القلبإذ غدا في اشتعالفوق نار الحب
ما لصبّ صبا ... في هواهُ نصيب
منه قبل الصِّبا ... قد علاني الشّيب
يا نسيم الصَّبا ... جُزْ بأرض الحبيب
واجتهد أن تنالمنه طيب القُربثم عد بالنوالمن هدايا حبي
جائرٌ قد ظهر ... عدله في القوام
في الوجود اشتهر ... مثل بدر التّمام
فيه يحلو السهر ... ويمر المنام
صدّ تيهاً وقالوهو يبغي حربيلحظ عيني نبالقلت آه وا قلبي
وكان الذي قلته أنا:
جامح في الدّلالجانح للهجرخاطر في الجمالعاطر في النشرِ
غصنٌ بانَ رطيب ... قد زها بالطّرب
ينثني في كثيب ... بالصّبا عن كثب
ما لقلبي نصيب ... منه غير النّصَبْ
قمر في كمالفوق غصن نضرطالعاً لا يزالفي دياجي الشعر
كم جَلا بالسّنا ... فرقُه لي الصّباح
وحلا في الجَني ... مبسمٌ عن أقاح
إن رَنا وانثنى ... أو تبدّى ولاح
يا حياءَ الغزالوافتضاح السمرواختفاء الهلالوكسوف البدر
خاله كالرقيب ... للعِذار الرّقيم
وسط نار تُذيب ... حول روض وسيم
يتشكّى اللهيب ... في النعيم المقيم
ذاق برد الظلالفي لهيب الجمرواهتدى في الضّلالببروق الثّغر
غضنٌ بانَ يميس ... في رياض الزهرْ
ريقه الخندريس ... في زلالٍ ظهرْ
فيه درٌ نفيس ... في عقيقٍ بهر
جفنه حين صالفي حنايا صدريلو كفاني النّباللاكتفى بالسَّحر
شقّ قلب الشّقيق ... منه خدٌ أنيق
والقوام الرّشيق ... فيه معنىً دقيق
كم سقاني الرحيق ... من فم كالعقيق
بعد ذاك الزلالما حلا لي صبريوالقوام المُمالقام فيه عُذري
يوسف بن سيف الدولة
أبي المعالي بن زمّاخ - بالزاي والميم المشددة وبعد الألف خاء مشددة - ابن بركة بن ثمامة بن أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان التغلبي المصري المعروف بابن مهمندار العرب، بدر الدين.
كان شيخاً متجنّداً فاضلاً، شاعراً مؤرخاً، صنّف تصانيف منها كتاب في الأنساب، ومنها كتاب في البديع سمّاه الآيات البيّنات.
أنشدني الشيخ العلامة أثير الدين، قال: أنشدني المذكور لنفسه:
وليلة مثل عين الظّبي وهي معي ... قطعتها آمناً من يقظة الرُقَبا
أردفتُها فوق دهم الليل مختفياً ... والصبحُ يركض خلفي خيله الشهبا
حتى دهاني وعين الشمس فاترة ... وقد جذبت بذيل الليل ما انجذبا
ما هي بأول عادات الصباح معي ... ليلُ الشباب بصبح الشيب قد هربا
وبه قال: أنشدني له:
أعلى الورى همماً أوفاهُم ذمماً ... أسناهم كرماً في كل مبتذل
ماضي العزيمة وهّاب الكريمة دفّ ... اع العظيمة، وثّابٌ بلا فشل
مُعطي الألوف ومِطعام الضيوف ومط ... عانُ الصفوف ومُردي الحادث الجلل
بادي الوسامة، دفّاع الظلامة حمّ ... الُ الغرامة ذو عِلم وذو عملِ
صافي السرائر، صوّام الهواجر قوّ ... امُ الدياجر والإصباح والأصل
تأتي الوفود إليه لا إلى أحد ... ومَن رأى البحر لا يأتي الى الوشلِ
الدهر جسمٌ وأعضاء جسمه دولٌ ... وأنت وحدك فيه جوهر الدول
وأنشدني الشيخ فتح الدين سيد الناس، والشيخ أثير الدين كلاهما، قال: أنشدنا لنفسه:
فلا تعجب لحُسن المدحِ مني ... صفاتك أذكرت حكمَ البوادي
وقد تُبدي لك المرآة شخصاً ... ويُسمعك الصّدى ما قد تُنادي
وأنشدني الشيخ أثير الدين قال: أنشدني له:
ما شيمةُ العرب العَرْباء شيمتُكم ... ولا بهذا عُرِفنَ الخرّدُ الغيدُ
كانت سُليمى ولبنى والرّباب إذا ... أزمعنَ هجراً أتتهنّ المواعيد
ودار بينهما فحوى مُعاتبةٍ ... أرقُّ مما أراقته العناقيد
وآفة الصبِّ مثلي أن يبثّ جوىً ... لمن يحبُّ ولا يُلوى له جيد
ومن شعره:
إن كنتَ تفخر أن تفوهَ بوصفه ... حُسناً ومثلك من يفوقُ قريضُهُ
سَل عن سواد الشّعر نرجسَ طرفه ... يخبرْكَ بالليل الطويل مريضه
ومنه:
ما إن عجبتُ لكون نيلك فاتني ... لسواد لحظي وهو بحرٌ مزبدُ
لكنني متعجّب كيف اختفى ... بين الأيادي البيض حظ أسود
ومنه:
كنا إذا جئنا لمن قبلكم ... أنصف في التّرحيب قبل القيامْ
واليوم صِرنا حين نأتيكم ... نقنع منكم بلطيفِ الكلام
لا غيّر الله بكم خيفةً ... من أن يجيء من لا يردّ السلام
وأنشدني الشيخ قطب الدين عبد الكريم إجازة، قال: أنشدني لنفسه:
مسائل دورٍ شيبُ رأسي وهجرُها ... فكل على كل له سببٌ يُنبي
فأحلِفُ لولا الهجرُ ما شاب مفرقي ... وتُقسم لولا الشيب ما كرهتْ قربي
قلت: كنت قد سمعت أنا الشيخ العلامة تقي الدين أحمد بن تيمية ينشد هذين البيتين، ويترنّم بهما، فأعجباني، ونظمت المعنى مختصراً وقلت:
مسألة الدور بنا ... عجبت من وجودها
صدّت لشيبٍ قد بدا ... والشيبُ من صدودها
ولما خاض السلطان الملك الظاهر بيبرس الفرات ورمى بنفسه وبالجيوش فيه، قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر - رحمه الله تعالى:
تجمّع جيش الشّرك من كل وجهة ... وظنوا بأنّا ما نُطيق لهم غلبا