ما إن عجبتُ لكون نيلك فاتني ... لسواد لحظي وهو بحرٌ مزبدُ
لكنني متعجّب كيف اختفى ... بين الأيادي البيض حظ أسود
ومنه:
كنا إذا جئنا لمن قبلكم ... أنصف في التّرحيب قبل القيامْ
واليوم صِرنا حين نأتيكم ... نقنع منكم بلطيفِ الكلام
لا غيّر الله بكم خيفةً ... من أن يجيء من لا يردّ السلام
وأنشدني الشيخ قطب الدين عبد الكريم إجازة، قال: أنشدني لنفسه:
مسائل دورٍ شيبُ رأسي وهجرُها ... فكل على كل له سببٌ يُنبي
فأحلِفُ لولا الهجرُ ما شاب مفرقي ... وتُقسم لولا الشيب ما كرهتْ قربي
قلت: كنت قد سمعت أنا الشيخ العلامة تقي الدين أحمد بن تيمية ينشد هذين البيتين، ويترنّم بهما، فأعجباني، ونظمت المعنى مختصراً وقلت:
مسألة الدور بنا ... عجبت من وجودها
صدّت لشيبٍ قد بدا ... والشيبُ من صدودها
ولما خاض السلطان الملك الظاهر بيبرس الفرات ورمى بنفسه وبالجيوش فيه، قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر - رحمه الله تعالى:
تجمّع جيش الشّرك من كل وجهة ... وظنوا بأنّا ما نُطيق لهم غلبا
وجاؤوا الى شاطي الفرات وما دروا ... بأن جياد الخيل تقطعها وثْبا
وجاءت جنود الله في العُدد التي ... تُميس به الأبطال يوم الوغى عُجبا
فعُمنا بسدٍّ من حديد سباحةً ... إليه فما اسطاع العدو له نقْبا
ولما سمع ابن مهمندار العرب ذلك، قال: أنشدني الشيخ أثير الدين، قال: أنشدني لنفسه:
لو عاينتْ عيناك يوم نزالنا ... والخيل تطفح في العجاج الأكدر
وسنا الأسنّة والضياء من الظبى ... كشفا لأعيننا قتام العثير
وقد اطلخمّ الأمر واحتدم الوغى ... ووهى الجبان وساء ظن المجتري
لرأيت سداً من حديد مائراً ... فوق الفرات وفوقه نارٌ تري
ورأيت سيل الخيل قد سدّ الرُبا ... ومن الفوارس أبحُراً في أبحر
ظفرتْ وقد منع الفوارس مدّها ... تجري ولولا خيلُنا لم تطفر
حتى سبقنا أسهُماً طاشت لنا ... منهم إلينا بالخيول الضّمر
لم يفتحوا للرمي منهم أعيُناً ... حتى كُحلنَ بكل لدنٍ أسمر
فتسابقوا هرباً ولكن ردّهم ... دون الهزيمة رمح كلّ غضنفر
ملؤوا الفضاء فعنْ قليل لم ندع ... فوق البسيطة منهم من مُخبر
سدّت علينا طُرقنا قتلاهم ... حتى جنحنا للمكان الأوعر
ما كان أجرى خيلنا في إثرهم ... لو أنها برؤوسهم لم تعثرِ
من كل أشهب خاض في بحر الدِّما ... حتى بدا لعيوننا كالأشقر
كم قد قلعنا صخرةً من صرخةٍ ... ولكم ملأنا محجراً من محجر
وجرى دماؤهم على وجه الثّرى ... حتى جرت منها مجاري الأنهر
والظاهر السلطان في آثارهم ... يُذري الرؤوس بكل عضبٍ أبتر
ذهب العجاج مع النّجيع بصقله ... فكأنه في غمده لم يُشهر
إن شئت تمدحه فقف بإزائه ... مثلي غداة الروع وانظم وانثر
قلت: هذه الأبيات الأخيرة الأربع ليست من رواية الشيخ أثير الدين.
وكتب ناصر الدين ابن النقيب الى بدر الدين بن مهمندار العرب:
أيوسُفُ بدر الدين والحُسنُ كله ... ليوسف يُعزى أو الى البدر يُنسب
أتيت أخيراً غير أنك أول ... تعدّ من الآحاد شعراً وتُحسب
وأحسن ما في شعرك الحرّ أنه ... به ليس تستجدي ولا تتكسّب
وتوفي بدر الدين - رحمه الله - في حدود السبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وست مئة.
ومن شعره العذب، ونظمه الذي كأنه في الصّقال عضب، قوله:
عسى الليالي وفي قولي عسى خدع ... تردّ لي من زماني بعض ما ذهبا
بانوا بأبهى من الدنيا وزينتها ... عندي وأكرم مطلوب إذا طلبا
كالغصن منثنياً كالظبي ملتفتاً ... كالشمس مبتسماً كالبدر منتقبا
كم بتّ أرشفُ صغراً حشوه درر ... وكلما زدتُ لثماً زادني لهبا
منها في المديح:
مَن حاتمٌ وعطايا جوده جملٌ ... وجودُ ذا جمل تترى ولا عجبا
لكن هو الحظّ ذكر الغيث سار وما ... هَمى لجيناً على عافٍ ولا ذهبا
وسار جدواه في الدنيا وساكنها ... فأدبر الفقرُ عنهم ممعناً هربا
فاضمُم يديك على مالٍ حباك به ... تعوّد البذل، لو قيّدته وثبا
وارفقْ بنفسك لا تعديكَ راحته ... فتغرق الناس من بعض الذي وهبا
يوسف بن شاذي
ابن داود بن شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي، الأمير صلاح الدين ابن الملك الأوحد ابن الملك الزاهر ابن الملك المجاهد، تقدّم ذكر والده الأوحد في مكانه من حرف الشين.
كان الأمير صلاح الدين من أحسن الناس صورة، وهو أمرد، وعمل الإمرة من أحسن ما يكون. وكان ذهنه في العمائر وغيرها ذهناً جيداً صحيحاً، ليس في دمشق أحسن من بستانه، ولا من العمارة التي رتّبها فيه. وكان الأمير سيف الدين تنكز قد مال إليه، وأحبّه، وكان يطلع الى بستانه، ويأكل ضيافته فيه، وكانت تكون شيئاً عظيماً.
ولما أمسك السلطان تنكز وأمسك بعده الأمير سيف الدين بشتاك الأميرين سيف الدين ألجيبغا، وسيف الدين طيبغا حاجي وأودعهما الاعتقال بقلعة دمشق لاختصاصهما بتنكز داخل الأمير صلاح الدين الرُعب والفزع، فانقطع في بستانه بالمرض جمعة.
ومات - رحمه الله تعالى - في صفر سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
وكان قد لبس خلعة الإمرة في يوم الخميس عاشر شهر رجب الفرد سنة ثماني عشرة وسبع مئة لأنه كان قد توجّه الى مصر بتقدمة حسنة مليحة، فرُسم له بالإمرة.
يوسف بن عبد الله
ابن محمد بن عطاء بن حسن بدر الدين أبو المحاسن العدل ابن قاضي القضاة شمس الدين الأذرعي الحنفي الصالحي.
كان فقيهاً فاضلاً مهيباً. سمع من ابن الزبيدي، وجمال الدين بن الحصيري. وحدّث عنه ابن الخبّاز.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده سنة تسع عشرة وست مئة.
يوسف بن أبي عبد الله
ابن يوسف بن سعد جلال الدين أبو المحاسن النابلسي الدمشقي الشافعي.
كان قاضياً مفتياً، سمع من خالد الحافظ - وكان عمه - ومن مجد الدين الإسفراييني، والمرسي، وشيخ الشيوخ وطائفة.
وأم بالشامية، وأعاد بها، وعرف بجودة النقل، وولي قضاء بعلبك، وكان حميد الأحكام.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في حدود عشر وسبع مئة.
ومولده قبل الأربعين وست مئة.
يوسف بن عبد الرحمن
ابن يوسف بن علي بن عبد الملك بن أبي الزهر، الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الفريد الرحلة، إمام المحدّثين جمال الدين أبو الحجاج المزي بن الزكي القضاعي الكلبي، الحلبي المولد، خاتمة الحفّاظ، ناقد الأسانيد والألفاظ.
طلب الحديث في أول سنة خمس وسبعين وست مئة، وهلمّ جرا الى آخر وقت، لا يفتر عن الطلب والاجتهاد والرواية والتسميع.
سمع من أصحاب ابن طبرزد، والكندي، وابن الحرستاني، وحنبل، ثم ابن ملاعب الرّهاوي، وابن البنا، ثم ابن أبي لقمة، وابن البن، وابن مكرّم، والقزويني، ثم ابن اللتي، وابن صبّاح، وابن الزبيدي. وأعلى ما سمع بإجازة عن ابن كليب،
وابن بوش، والجمّال، وخليل بن بدر، والبوصيري، وأمثالهم، ثم المؤيّد الطوسي، وزاهر الثقفي، وعبد المعزّ الهروي. وسمع الكتب الأمهات المسندة، والكتب الستة، والمعجم الكبير، وتاريخ الخطيب، والنّسب للزبير، والسيرة والموطأ من طرق، والزهد، والمستخرج على مُسلم، والحلية والسُنن للبيهقي، ودلائل النبوة، وأشياء يطول ذكرها. ومن الأجزاء ألوفاً. ومشيخته نحو الألف.
وسمع أبا العباس بن سلامة، وابن أبي عمر، وابن علان، والشيخ محيي الدين النووي، والزواوي، والكمال عبد الرحيم، والعز الحراني، وابن الدّرجي، والقاسم الإربلي، وابن الصابوني، والرشيد العامري، ومحمد بن القواس، والفخر بن البخاري، وزينب، وابن شيبان، ومحمد بن محمد بن مناقب، وإسماعيل بن
العسقلاني، والمجد بن الخليلي، والعماد بن الشيرازي، والمحيي بن عصرون، وأبا بكر بن الأنماطي، والصّفي خليلاً، وغازياً الحلاوي، والقطب بن القسطلاني وطبقتهم، والدمياطي شرف الدين، والفاروثي، واليونيني، وابن بلبان، والشريشي، وابن دقيق العيد، والظاهري، والتقي الإسعردي، وطبقتهم. وتنازل الى طبقة سعد الدين الحارثي، وابن نفيس، وابن تيمية.
ولم يتهيّأ له السماع من ابن عبد الدائم، ولا الكرماني، ولا ابن أبي اليسر، ونحوهم. ولا أجازوا له، مع إمكان أن تكون له إجازة المرسي، والمنذري، وخطيب مردا، واليلداني، وتلك الحلبة.
وحفظ القرآن، وعُني باللغة، فبرع فيها، وأتقن النحو والتصريف.
وكان شيخنا الحجة جمال الدين أبو الحجاج شيخ الزمان وحافظ العصر، وناقد الأوان، لو عاصره ابن ماكولا كان له مشروباً ومأكولا، وجعل هذا الأمر إليه موكولا، أو الحاكم لقال: لأمرُهُ دائم النفوذ، وكان الى حرمه يعود وعليه يعول وبه يعود، أو ابن نقطة، لأغرقته بحاره الزّخّارة، ورأى خطه المستقيم خارجاً