ومالك، ولا رؤوا مثل أيوب السخستياني، نعم، ولا رأى مالك مثل الزُهري، ولا رأى مثل ابن المسيّب، ولا رأى ابن المسيب أحفظ من أبي هريرة رضي الله عنه، ولا رأى أيوب مثل ابن سيرين، ولا رأى مثل أبي هريرة، نعم، ولا رأى الثوري مثل منصور، ولا رأى منصور مثل إبراهيم، ولا رأى إبراهيم مثل علقمة، ولا رأى علقمة كابن مسعود، فيما زعم.
وقال شيخنا الذهبي: لم يسألني ابن دقيق العيد إلا عنه. وقال الذهبي أيضاً: وكان قد اغترّ في شبيبته، وصحب عفيف الدين التلمساني، فلما تبيّن له ضلاله هجره وتبرّأ منه. وقال الذهبي: وكان يترخّص في الأداء من غير أصول، ويُصلح كثيراً من حفظه، ويسامح في دمج القارئ ولغط السامعين، ويتوسّع، وكأنه يرى العمدة على إجازة المُسمع للجماعة، وله في ذلك مذاهب عجيبة، وكان يتمثّل بقول ابن مندة: يكفيك من الحديث شمّه.
وصنّف كتاب تهذيب الكمال في أربعة عشر مجلداً. كسف به الكتب
المتقدمة في هذا الشأن، وسارت به الرُكبان، واشتهر في حياته، وصنّف كتاب الأطراف للكتب الستة في ستة أسفار، وخرّج لجماعة.
قال الذهبي: وما علمته خرّج لنفسه لا عوالي ولا موافقات ولا معجماً، وكل وقت ألومه في ذلك فيسكت، وقد حدّث بكتابه التهذيب خمس مرات، وحدّث بالصحيحين مرات، وبالمسند ومعجم الطبراني وبدلائل النبوة ويكتب جمّة، وحدّث بسائر أجزائن العالية وبكثير من النازلة.
وقال الذهبي أيضاً: أعلى ما عنده مطلقاً الغيلانيات وجزء ابن عرفة وابن الفرات بإجازة.
وسمع منه الذهبي سنة أربع وتسعين، وأخذ عنه صحيح البخاري غير مرة. واستملى منه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وقاضي القضاة عز الدين بن جماعة، وشيخنا ابن سيد الناس، ومحب الدين وأولاده، وشمس الدين السروجي، وابن الدمياطي وابن عبد الهادي وابنا السفاقسي، والشيخ تقي الدين بن رافع، وسبط التنيسي، وخلائق. وتخرّج به جماعة كشيخنا علم الدين البرزالي، والشيخ صلاح الدين العلائي، والشيخ عماد الدين بن كثير، وابن عبد الهادي، وابن العطار، وابن الفخر، وابن الجعبري، وغيرهم.
وقال شيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس في حقه: ووجدت بدمشق الإمام المقدم، والحافظ الذي فاق من تأخر من أقرانه ومن تقدم، أبا الحجاج المزي بحر هذا العلم الزاخر، القائل من رآه: كم ترك الأوائل للأواخر، أحفظ الناس
للتراجم، وأعلم الناس بالرواة من أعارب وأعاجم، لا يخص بمعرفته مصراً دون مصر، ولا ينفرد علمه بأهل عصر دون عصر، معتمداً آثار السلف الصالح، مجتهداً فيما نيط به في حفظ السّنة من النصائح، معرضاً عن الدنيا وأشباهها، مقبلاً على طريقه التي أربى بها على أربابها، لا يبالي ما ناله من الأزل، ولا يخلط جدّه بشيء من الهزل، وكان بما يضعه بصيراً، وبتحقيق ما يأتيه جديراً، وهو في اللغة إمام، وله بالقريض إلمام، وكنت أحرص على فوائده لأحرز منها ما أحرز، وأستفيد من حديثه الذي إذا طال لا يملل، وإن أوجز وددت أنه لم يوجز، وهو الذي حداني على رؤية الشيخ تقي الدين بن تيمية.
قلت: وكان معتدل القامة، مشرباً حمرة، قوي التركيب، متع بذهنه وبحواسه، ولم أر بعد الشيخ فتح الدين بن سيد الدين من يحكم ترقيق الأجزاء وترميمها مثل الشيخ جمال الدين، ولم يستعر مني شيئاً فأعاده إلا وقد نبّه فيه على نكتة كنت محتاجاً إليها حتى في إجازة الشيخ فتح الدين بن سيد الناس لي. وفيه قلت:
درتُ على أشياخ عصري فيا ... فخري بما نلتُ ويا عزّي
وذقتُ طعم الكل في علمهم ... فلم أجد أحلى من المزي
وسمعتُ صحيح مسلم على البندينجي، وهو حاضر بقراءة ابن طغريل، وعدة
نسخ حاضرة صحيحة، يقابل بها فيردّ الشيخ جمال الدين - رحمه الله - على ابن طغريل اللفظ، فيقول ابن طغريل: ما في النسخة إلا ما قرأت، فيقول من في يده بعض تلك النسخ الصحيحة: هو عندي، كما قال الشيخ، أو هو مظفّر عليه أو مضبّب أو في الحاشية تصحيح ذلك، ولما تكرر ذلك، قلت أنا له: ما النسخة الصحيحة إلا أنت.
وقرأت عليه من لفظي ديوان خطب ابن نُباتة والأربعين النووية، وسمعت عليه من الأجزاء كثيراً، وسمع هو شيئاً من شعري بدار الحديث، وقرأت عليه كتاب الشمائل للترمذي بعدما كتبته بخطي، ولم أر في أشياخي بعد شيخنا أثير الدين في العربية مثله خصوصاً في التصريف واللغة، إلا أنه مع إتقانه لأسماء الرجال وله فيها هذا المصنف العظيم، لم يكن يعتني بتراجم العالم من الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء والقضاة والعلماء والقراء والأطباء والأدباء والشعراء، ولا له فيها مشاركة البتّة، وإنما كان يعتني برجال الحديث لا غير، ولقد سألته مرة عن القالي بالقاف، والفالي بالفاء، فقال: لا أعرف إلا الفالي بالفاء فعلمت أنه ليس له عناية بغير رواة الحديث، وإلا فأبو علي القالي بالقاف مشهور بين صغار الأدباء، ولكن عندي من الشيخ جمال الدين فوائد وقواعد في أسماء رجال الحديث، لم آخذها إلا عنه، ولا وجدتها في كتاب، وكان أسماء الرجال الذين يجيء ذكرهم في سماعاته وطرقه يجيد الكلام في طبقاتهم وأحوالهم وقوتهم وضعفهم ولينهم، وكان في ذلك بحراً لا يشق ثبجه وعجاجاً لا ينحط قتامه.
ولما كان في سنة خمس وسبع مئة. تكلم الشافعية وغيرهم مع الشيخ تقي الدين بن تيمية وبحثوا معه في القصر الأبلق، وبحث معه صفي الدين الهندي ثم كمال الدين بن الزملكاني، وخرجوا، وانفصلت القضية، فلما كان بعد ذلك في يوم الإثنين ثاني عشري شهر رجب الفرد قرأ الشيخ جمال الدين المزي فصلاً في الردّ على الجهمية من كتاب أفعال العباد تصنيف البخاري، وكانت قراءته لذلك تحت قبة النسر في المجلس المعقود لقراءة الصحيح، فغضب لذلك بعض الفقهاء الحاضرين، وقالوا: نحن المقصودون بهذا، ورفعوا الأمر الى قاضي القضاة الشافعي، فطلبه، وحبسه، فبلغ ذلك الشيخ تقي الدين بن تيمية، فتألم لذلك، وأخرجه من الحبس بنفسه، وخرج الى القصر الأبلق، واجتمع هو وقاضي القضاة هناك وردّ عن المزي، وأثنى عليه، وغضب قاضي القضاة، وأعاد المزي الى الحبس بالقوصية، فبقي أياماً، ثم أُفرج عنه، ونادى الأفرم في دمشق أنه أي من تكلم في العقائد حلّ ماله ودمه.
وكنت قد كتبت أنا له توقيعاً بمشيخة دار الحديث النورية عوضاً عن الشيخ علم الدين البرزالي - رحمه الله تعالى - وذلك في المحرم سنة أربعين وسبع مئة، ونسخته:
رسم بالأمر العالي، لا زالت أوامره المطاعة تزيد العلم الشريف جمالاً، وتزينه بمن يفيده كمالاً، أن يرتب المجلس السامي الشيخي الجمالي في كذا ثقة بأنه الثقة، والعالم الذي لغيره المقت وله المقة، والمحدّث الذي متى فاه بما عنده بادر كل أحد بالقبول وصدقه، والحبر الذي إذا تكلم نسخ كلام من تقدم بأقواله المحققة،
والحافظ الذي اجتحف سيله ابن نقطة فأغرقه، والناقد الذي كدر على ابن معين صفوه ورنّقه، والمصنّف الذي شيب من ابن أبي شيبة مفرقه، والمسند الذي لو عاصره عبد الرزاق حرمه الرحلة إليه مما رزقه، والمتأخر الذي لا يعرف بعد الدارقطني مثله، وربما تقدمه في فنّه المحرر وسبقه.
فليباشر ما فوض إليه مباشرة يتضوّع من نشر السنة بها النشر، ويكون للحديث الشريف حفظ يدوم الى الحشر، مجتهداً في البيان للطلبة، والإعانة لهم على سلوك المعرفة، فمحجّتها بالغموض منتقبة، لأن تهذيب كماله ليس للبدر في تمامه كما له، وأطرافه سار في الأطراف، فما ينكره علماء الحديث ولا رجاله، وإتقانه للأسماء إتقان تزأر في غابة أسوده وأشباله، ومحله من الحفظ محل يعزّ على صاحب الاستيعاب مناله، وإعرابه لو عاصره أبو البقاء لم يظفر بلبابه، وتصريفه لو عاينه ابن جني ما دخل سوقه على تصنيفه الملوكي برفع حجابه، ولغته لو سمعها ابن الأعرابي ما نقل شيئاً عن أعرابه.
ولينزّل الطلبة منزل البنين في الحنوّ عليهم عند الهفوة، ولا يكن فيه قسوة المعلمين
على من في ذهنه فترة، ولم يكن من الفهم في الذروة، وليجْلُ عليهم حسن وجه الإقبال، وإذا كان المؤمنون إخوة فيوسف أحسن الإخوة، حتى يوضح لهم ما أبهم من الأسانيد المظلمة، والأسماء التي هي لتساوي صورها مبهمة، والألفاظ التي هي لولا القرائن موهمة.
ولينبّه على الصحيح إذا ورد، والحسن إذا أضاء وجهه لمن انتقد، والضعيف إذا اعتلّ متنه ولم يصح له سند، والموضوع الذي لا يعرفه إلا من امتاز برتبته وانفرد، وليحرر لهم الألفاظ إذا رواها، ويحقق مخارجها الصحيحة الفصيحة التي فاخر بها هذا اللسان العربي وباهى، ويحترز في أدائها، فقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها " عاملاً في ذلك بشرط الواقف أثابه الله فيما يبدي ويعيد، ولا يتعدّ ما قرره، فإن الله تعالى يرى عمله، وقد استفاض في الواقف أنه شهيد، والوصايا كثيرة، وعنه تصدر بالإفادة جميع وفودها، ومن أفق فضائله تتألق كواكب سعودها، وتقوى الله عز وجل ملاك أمرها، وسداد ثغرها، فلا يتعرّ منها منكبه، ولا يتعدّ عنها مركبه، والله تعالى يمدّ في أجله، ويبلّغ كلاً من الطلبة في بقائه غاية أمله.
والخط الكريم أعلاه حجة في ثبوت العمل بما اقتضاه، والله الموفق بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
يوسف بن عبد الغالب
ابن هلال الإسكندري العلاف.
كان عامياً، ولكن له النظم الحلو، وروى عنه الفضلاء، وكتبوا شعره.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في بلده سنة عشرين وسبع مئة.
ومن شعره، وقيل إنه لابن الوحيد:
وخضراء لا الحمراء تفعل فعلها ... لها وثباتٌ في الحشا وثباتُ
تؤجج ناراً وهي في العين جنة ... وتعطيك طعم المرّ وهي نبات
ومنه:
كم قلت للحائك الظريف وفي ... يمينه طاقة يخلّصها
هل لك في ردّ مهجةٍ لفتى ... ليس له طاقة يخلّصها
يوسف بن عبد المحمود
ابن عبد السلام، الشيخ الإمام العالم جمال الدين البتّي الحنبلي.
كان من فضلاء العراق ببغداد.
توفي - رحمه الله تعالى - في حادي عشر شوال سنة ست وعشرين وسبع مئة.
وكان إليه المرجع في القراءات والعربية.