ترجمته، وجبى التتار الأموال من الدماشقة، وقيل: إن الذي حُمل الى خزانة غازان ثلاثة آلاف ألف ألف وست مئة ألف درهم، والذي أطلقه لمقدّمي المغل نحو آلات على الناس بوصولات وأخذوا أكثر مما كُتب لهم فهو أكثر من ذلك. وأخذ شيخ الشيوخ لنفسه مبلغ ست مئة ألف درهم. وأخذ قبجق أكثر م نذلك، وأخذ يحيى وإسماعيل أكثر من ذلك، وعزم الناس أكثر من ذلك، وجبوا على الرؤوس أكثر من ذلك، وجبوا على البيوت أكثر من ذلك، وجبوا على الأوقاف أكثر من ذلك، وأخذوا جميع ما وجدوه من الخيل والبغال والجمال والدواب. وأحرقوا جامع التوبة بالعقيبة، وجميع ما حول البلد وخيار منتزهاتها، وأجود عماراتها مثل الدهشة، وصُفّة أبقراط، العافية، وناصرية الجبل، وبيمارستان الصالحية، وترب كثيرة، وغالب الجواسق التي بالبساتين، وغالب ما حول القلعة. وأما شبابيك الصالحية وما قدروا عليه من الرخام فإنهم أخذوه وأفسدوه. وقتلوا من أهل الصالحية أربعة آلاف نفس، وأسروا ما شاء الله. وأما الذي قتلوه من الضياع البرّانية وأسروه فشيء لا يعلمه إلا الله تعالى. وكانوا إذا قرروا على الإنسان عشرة آلاف درهم ينوبه ترسيم للمُغل ألفان. ولم يزل وجيه الدين ابن المنجّا يجبي من الناس الى أن كمّل المبلغ وحمله الى غازان، وجُملته ما تقدّم ذكره.
وأقام غازان بالغوطة نازلاً الى ثاني عشر جمادى الأولى، ورحل طالباً بلادَه وخلّف نائبه خطلو شاه بالقصير في فرقة من المُغل.
وفي شهر رجب جمع قبجق الأعيان والقضاة الى داره وحلّفهم للدولة الغازانية بالنُّصح وعدم المداجاة، ثم إن قبجق توجه هو والصاحب عز الدين ابن القلانسي الى مصر في نصف رجب، وقام بحفظ المدينة وأمر الناس أرجواش.
وفي يوم الجمعة سابع عشر رجب أعيدت الخطبة للسلطان الملك الناصر، وكان مدة إبطال ذلك مئة يوم.
وأما السلطان الملك الناصر فإنه دخل الى مصر بعد الكسرة وتلاحق به الجيش، وأنفق في العساكر، واشتُريت الخيلُ وآلات السلاح بالأثمان الغالية.
وفي يوم عاشر شعبان قدِم الأفرم نائب دمشق بعسكر دمشق، وقدم أمير سلاح بالميسرة المصرية، ثم دخلت الميمنة، ثم دخل القلب وفيه سلاّر بالجيوش الى القاهرة، وكثرت الأراجيف بمجيء التتار، وانجفل الناس الى مصر والى الحصون، وبلغ أجرة المحارة الى مصر خمس مئة درهم، ثم فترت أخبار التتار في شهر ربيع الأول سنة سبع مئة. ثم دخل التتار الى حلب وشرع الناس في قراءة البخاري، وقال الوداعي في ذلك، ومن خطّة نقلت:
بعثنا على جيش العدو كتائباً ... بُخاريةً فيها النبيّ مُقدّمُ
فرُدوا الى الأُردو وبغيظٍ وخيبةٍ ... وأُردُوا وجيشُ المسلمين مسلّمُ
فقولوا لهم: عودوا نَعُدْ، ووراءكم ... إذا ما أتيتُم أو أبيتُم جهنّمُ
ووصل السلطان الى العريش ووصل التتار الى حلب.
ودخل شهر جمادى الأولى والناس في أمر مريج، ووصل بكتمر السلاح دار بألف فارس، وعاد السلطان الى مصر، فانجفل الناس غنيُّهم وفقيرهم، ونودي في الأسواق بالرحيل، وضجّ النساء والأطفال، وغُلّقت أبواب دمشق، واقتسم الناس قلعة دمشق بالشبر، ووقع على غيّارة التتار عسكرُ حمص فكسروهم وقتلوا منهم نحو مئة، وصحّت الأخبار برجوع غازان نحو حلب، فبلغ الناس ريقهم، وأطفأ السكون حريقهم، وهلك كثير من التتار تحت الثلج بحلب، وعمّ الغلاء، وعزّ اللحم بدمشق وبيع الرطل بتسعة دراهم، ثم دخل الأفرم والأمراء من المرج بعدما أقاموا به أربعة أشهر، واستقرّ حال الناس بعد ذلك.
وفي شهر شعبان أُلبس النّصارى الأزرق واليهود الأصفر والسامرة الأحمر، وسبب ذلك أن مغربياً كان جالساً بباب القلعة عند سُلاّر والجاشنكير، فحضر بعض الكتّاب النصارى بعمامة بيضاء، فقام له المغربي يتوهّم أنه مسلم، ثم ظهر له أنه نصراني، فدخل الى السلطان وفاوضه في تغيير زي أهل الذمّة ليمتاز المُسلمون عنهم. وفي ذلك يقول علاء الدين الوَداعي، ومن خطه نقلت:
لقد أُلزم الكُفّار شاشاتِ ذلّةٍ ... تَزيدُهم من لعنةِ الله تَشويشا
فقلت لهم: ما ألبَسوكُم عَمائماً ... ولكنهم قد ألبَسوكم بَراطيشا
ونقلت منه له:
غيَّروا زيّهُم بما غيّروه ... منْ صفاتِ النبيّ ربِّ المكارِمْ
فعليهم كما ترون براطي ... شُ ولكنها تُسمى عمائمْ
ونقلت منه له:
لقد ألبسوا أهل الكِتابين ذلّةً ... ليظهر منهم كلُّ من كان كامنا
فقلت لهم ما ألبسوكم عمائماً ... ولكنهم قد ألبسوكم لَعائنا
وفي ذلك يقول شمس الدين الطيبي:
تعجّبوا للنصارى واليهود معاً ... والسامريّين لما عُمّموا الخرَقا
كأنما باتَ بالأصباغِ مُنْسَهِلاً ... نسرُ السماء فأضحى فوقهم ذَرقا
وفي جمادى الأولى سنة إحدى وسبع مئة توفي أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد ودُفن عند السيدة نفيسة، كما تقدّم في ذكره، وتولى الخلافة ولده أمير المؤمنين المستكفي بالله أو بالربيع سليمان، وقرئ تقليده بولاية العهد بعد العزاء.
وفي سنة اثنتين وسبع مئة فتحت جزيرة أرواد وهي بقرب انطرسوس وقُتل بها عدة من الفرنج، ودخل الأسرى الى دمشق وهم قريبٌ من المئة وخمسين.
وفي شعبان من السنة عدّى التتار الفرات وانجفل الناس، وخرج السلطان بجيوشه من مصر. وفي عاشر شعبان كان المصاف بين المسلمين والتتار بعُرض، كان المسلمون ألفاً وخمس مئة، وعليهم أسندمر وأغرلو العادلي وبهادر آص، وكان التتار نحواً من أربعة آلاف، فانكسر التتار، وأسر مقدّمُهُم وقُتل منهم خلق كثير. ثم دخل دمشق من
جيش مصر خمس تقدام وعليهم الجانكشير، والحسام أستاذ الدار، ثم دخل بعدهم ثلاثة آلاف مقدمهم أمير سلاح وبعقوبا وأيبك الخزاندار، ثم أتى عسكر حلب وحماة متقهقراً من التتار، وتجمّعت العساكر الى الجُسورة بدمشق، واختبط الناس، واختنق في أبواب دمشق من الزحام غيرُ واحد، وهرب الناس " وبلغتِ القلوبُ الحناجرَ "، ووصل السلطان الى الغَور، وغُلّقت أبواب دمشق، وضجّ الخلق الى الله تعالى، ويئس الناس من الحياة. ودخل شهر رمضان، وتعلّقت آمال الناس ببركاته، ووصل التتار الى المرج، وساروا الى جهة الكسوة، وبعَدوا عن دمشق بكرة السبت ثاني شهر رمضان المعظّم، وصعد النساء والأطفال الى الأسطحة وكشفوا رؤوسهم وضجّوا وجأروا الى الله تعالى، ووقع مطر عظيم، ووقّعت الظهر بطاقة بوصول الدعاء وحفظ أسوار البلد، وبعد الظهر وقع المصاف والتحم الحرب، فحمل التتار على الميمنة من المسلمين فكسروها، وقُتل مقدّمُها الحُسام أستادار ومعه جماعة من الأمراء المقدمين، وثبت السلطان ذلك اليوم ثباتاً زائداً عن الحد، واستمر القتال من العصر الى الليل، ورُدّ التتار من حملتهم على الميمنة بغلَس وقد كَلَّ حدّهم فتعلّقوا بالجبل المانع.
وطلع الضوء بكرة يوم الأحد والمسلمون مُحدقون بالتتار، فلم يكن ضحوة من النهار إلا وقد ركن التتار الى الفرار وولّوا الأدبار، ونزل النصر، ودُقّت البشائر، وزُيّن البلد، وكان التتار نحواً من خمسين ألفاً وعليهم خطلوا شاه نائب غازان،
ورجع غازان من حلب ضيّقَ الصدر من كسر أصحابه يوم عُرْض، وبهذه الكسرة سقطت قواه، لأنه لم يعد إليه من أصحابه غير الثلث، وتخطّفهم أهل الحصون، وساق سلار وقبجق وراء المنهزمين الى القريتين، ولم ينكسر التتار هذه المرة.
حكى لي جماعة من دير بشير أنهم كانوا يأتون إلينا عشرين عشرين وأكثر وأقل، ويطلبون أن نعدّي بهم الفرات في الزواريق الى ذلك البر، فما نعدّي بمركب إلا ونقتل كلَّ من كان فيه، حتى إن النساء كنّ يضربن بالفؤوس ونحن نذبحهم في إثر ذلك، فما تركنا أحداً منهم يعيش.
وهذه الواقعة الى الآن في قلوبهم، وكان قد جاء كتاب غازان يقول فيه: ما جئنا هذه المرة إلا للفُرجة في الشام، فقال علاء الدين الوداعي في ذلك، ومن خطه نقلت:
قولوا لغازان بأن جيوشَهُ ... جاؤوا ففرّجناهم بالشام
في سرحةِ المرجِ التي هاماتُهم ... منشورها وشقائق الأجسام
ما كان أشأمَها عليهم فُرجةً ... غمّت وأبركها على الإسلام
وقال لما انهزم:
أتى غازان عدواً في جُنودٍ ... على أخذ البلاد غَدَوا حِراصا
فما كسَبوا سِوى قتلٍ وأسرٍ ... وأعطوهُ بحصّته حُصاصا
وقد نظم الناس في هذه الواقعة كثيراً، ومن أحسن ما وقفتُ عليه قول شمس الدين الطيبي - رحمه الله تعالى - وهو يقارب المئة بيت، وهذا الذي وقع لي منها وهو:
برقُ الصوارم للأبصار يختطِفُ ... والنّقعُ يحكي سَحاباً بالدِّما يكفُ
أحلى وأعلى وأغلى قيمةً وسنا ... من ريقِ ثغر الغَواني حينَ يُرتَشَفُ
وفي قدود القنا معنىً شُغفت به ... لا بالقدود التي قد زانها الهيَفُ
ومن غدا بالخُدود الحُمر ذا كلف ... فإنني بخدود البيض لي كلَفُ
ولامةُ الحرب في عينيّ أحسن من ... لامِ العذارِ التي في الخد تنعطف
كلاهما زردٌ هذا يُفيد وذا ... يُردي فشأنهما في الفعل يختلف
والخيل في طلب الأوتار صاهلةً ... ألذُّ لحناً من الأوتار تأتلف
ما مجلس الشّرب والأرطال دائرةٌ ... كموقف الحرب والأبطال تزدلف
والرّزقُ من تحت ظل الرمحِ مقترنٌ ... بالعزّ، والذلّ يأباهُ الفتى الصَّلف
لا عيشَ إلا لفتيانٍ إذا انتُدبوا ... ثاروا وإن نهضوا في غمةٍ كشفوا
يَقي بهم ملةَ الإسلام ناصرُها ... كما يقي الدرّة المكنونة الصّدف
قاموا لقوة دين الله ما وهنوا ... لما أصابهم فيه ولا ضعُفوا
وجاهدوا في سبيل الله فانتصروا ... من بعد ظُلمٍ ومما ساءَهم أنِفوا
لما أتَتْهُم جيوشُ الكُفر يَقدُمهم ... رأسُ الضّلال الذي في عقله جنَفُ
جاؤوا وكل مقامٍ ظلّ مُضطَرباً ... منهم وكل مَقامٍ بات يرتجفُ
فشاهدوا علمَ الإسلام مرتفعاً ... بالعدلِ فاسْتَيقنوا أن ليسَ ينصرف
لاقاهُمُ الفيلقُ الجرّارُ فانكسروا ... خوفَ العوامل بالتأنيث فانصرفوا
يا مرجَ صُفّر بيّضْت الوجوه كما ... فعلت من قبلُ بالإسلام يُؤتنف
أزَهْرُ روضِكَ أزهى عند نفحته ... أم يانعاتُ رؤوس فيكَ تُقتطَف
غدرانُ أرضك قد أضحَتْ لوارِدِها ... ممزوجةً بدماءِ المغلِ تُرتشف
زلّت على كتف المصري أرجلُهم ... فليس يدرون أنّى تؤكل الكتف
أوَوْا الى جبلٍ لو كان يعصمُهم ... من موج فوج المَنايا حين يختطف
دارت عليهم من الشُجعان دائرة ... فما نجا سالمٌ منهم وقد زحفوا
ونكّسوا منهم الأعلام فانهزموا ... ونكصوهُم على الأعقاب فانقصَفوا
ففي جماجمهم بيضُ الظّبي زُبَر ... وفي كلاكلهم سُمر القنا قِصَف
فرّوا من السيف ملعونينَ حيث سَرَوا ... وقُتّلوا في البَراري حيثما ثُقِفوا
فما استقامَ لهم في أعوجٍ نهَجٌ ... ولا أجار لهم من مانع كتف
وملّت الأرض قتلاهم بما قذَفَتْ ... منهم وقد ضاقَ منها المهمهْ القذف
والطير والوحش قد عافت لحومَهُم ... ففي مزاج الضواري منهم قرف
رُدّوا فكل طريق نحو أرضهِمُ ... تدلّ جاهلَها الأشلاءُ والجيف
وأدبَروا فتولّى قطعَ دابرهُم ... والحمد لله قومٌ للوغى ألِفوا
ساقوهم فسقَوا شطّ الفراتِ دماً ... وطمّهم بعُباب السّيل فانحرفوا
وأصبحوا بعدُ لا عينٌ ولا أثر ... غير القلاع عليها منهم شعف