ولا أريد في هذا البحث أن أطيل الكلام على شعر المؤلف .. وشاعريته الجياشة وقريحته الخصبة ، والتحدث عن بعض خصائصه ونزعاته ، ولكني أريد في هذا المقام ، الألمام والأشارة الى الساعات خاطره وسرعة نظمه للشعر ، فلا يعسر عليه قول الشعر في أية ساعة من الساعات ، وفي أي حال من الأحوال يدعو الشعر فيجيئه في أقرب من لمح البصر وهذا دليل على أن جهاده في سبيل العلم والحق لم يصرفه عن العناية بالأدب ، وحسبه ديوانه الخالد على وجه الدهر ..
قال السيد الأمين : أمام في الرجال والحديث : واسع التتبع ، كثير الأطلاع قوي الحافظة ، لا يكاد يسأله أحد عن مطلب إلا ويحيله الى مضانه من الكتب مع الأشارة الى عدد الصفحات ، وكان أحد الأساطين والمراجع في الهند ، وله وقار وهيبة في قلوب العامة وأستبداد في الرأي ، ومواظبة على العادات ، وهو معروف بالأدب والعربية معدود من أساتذتهما وأليه يرجع في مشكلاتهم ، وخطبة مشتملة على عبارات جزلة وألفاظ مستطرفة ، وله شعر جيد ومنه :
إن كنت من شيعة الهادي أبي حسن
حقا فأعدد لريب الدهر تجنافا
إن البلاء نصيب كل شيعته
فأصبر ولا تك عند الهم منصافا[١]
وهذا المعنى مأخوذ من قول الأمام أمير المؤمنين عليه السلام : من أحبنا أهل البيت فليستعد للبلاء ، وفي رواية فليستعد للفقر جلبابا ـ وقد ثبت إن النبي (ص) قال لعلي عليه السلام : لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق[٢]ـ وقد ثبت إن النبي (ص) قال : إن البلوى أسرع الى المؤمن من الماء الى الحدود[٣].
وقال الحجة الثبت شيخنا الأكبر العلامة الأميني قدس الله روحه : بهجة الأدب ومهجة الأدب ، مجموعة شعرية أدبية في مجلدين ، تحتوي على قصائد جمع من أعلام هند الفطاحل ، ورجالها الأفذاذ ، أنشدت في الحفلات الدينية
[١]أعيان الشيعة ٤٩ : ١٠٨.
[٢]الغدير ٣ : ١٨٣.
[٣]إبن أبي الحديد ٤ : ٢٨٩.
المنعقدة عام ١٣٠٨ هج المجلد الأول ٤٧٦ ص كلها في مناقب الأمام أمير المؤمنين (ع) ، والمجلد الثاني ٢٧٠ ص جلها في رثاء السبط الشهيد ، والمجموعة مكتوبة عام ١٣١٣ بقلم السيد محمد عوض آله آبادي ، وفي المجلد الأول منها شعر للسيد ناصر حسين[١].
وقد تعجب معي لهذا الشعر الرصين يخطر في ألفاظه البديعة السهلة القوية ، ويميس بقوافيه الهادئة الوادعة في أبيات وقصائد أخرى ، كما تستغرب لهذه المعاني الواضحة الصريحة ، والألفاظ الجميلة المتناسقة ، لكنه ولعمري أنها ملكة الشاعر وعبقريته الفياضة التى تتصرف بها تصرف العارف بالفن ، الواثق من عبقريته وإلهامه الرائع.
لقد نظم ـ سيدنا ـ فكان أحسن الشعراء ، ونحا فيه منحى المتقدمين ، من حيث الجزالة والمتانة والأسلوب والأبداع والبراعة.
أجازاته للرواية :
بعد أن أجتاز السيد ناصر حسين كرم الله وجهه .. مراحل الدراسة العالية ، وبلغ القمة من الفقه والأصول ، والذروة من البحث والتحقيق. منحت له فقهاء الأمة ورجالاتها وشيوخها بالعلوم الأسلامية ، اجازات وشهادات مباركة .. وهو وأن لم يكن مفتقرا إليها بيد أن المنهج العلمي الرزين المتبع في الجامعة الكبرى النجف الأشرف .. يحتم منح أمثال المترجم له أوسمة علمية .. وإمتيازات تقديرية. ثبت إن حاملها أجتاز المراحل الدراسية وبلغ الذروة ، وقمة الأجتهاد .. ويستسيغ له رواية ما يروونه عن شيوخهم ، وهي في الواقع رمز علمي لا يناله إلا ذو حظ عظيم ..
بالأضافة الى إن الشهادات هذه تثبت توثيقه ، وصدقه ، وتضلعه وتبحره ، ومهارته ، في العلوم النقلية ، وأخيرا إن حاملها ثبت حجة ، حافظ ثقة ، متقن
[١]ثمرات الأسفار إلى الأقطار ـ مخطوط ـ المجلد الأول.
صدوق ، جيد الحديث وصالحه ، وحسنه.
ومن المعلوم إن شخصية كالمؤلف رضي الله عنه .. الذي يعتبر بصرا لا نظير له ، وكنزا هو الملجأ إذا نزل المعضلة وإماما في الكلام والإمامة ، وفقيها للعصر معنى ولفظا ، ورجلا عملاقا في كل سبيل ، كأن الله سبحانه جمع الأمة في صعيد واحد ، أو في بطل فذ ، نجد الفقهاء يرغبون في الحصول على أجازة رواية من أمثال المترجم له ، لتكون أواصر العلم بينهم أقوى ، ووشائج الفكر فيهم أوثق وأمتن ، وحين عاد المؤلف .. الى وطنه ـ لكهنو ـ تسلم مع أشتغاله العلمي رسائل تطلب أصحابها منحهم أجازة الرواية ، موشحة بتوقيعه الكريم ، وكان من بينهم فقيه المحققين .. ومحقق الفقهاء .. وسيد الطائفة .. المرجع الديني الأعلى للشيعة الأمامية .. آية الله العظمى السيد شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي .. بارك الله في عمره .. وبعد إيام تلقى من المؤلف الأجازة التالية ونصها :
بسم الله الرحمن الرحيم
إن أحلى حديث تستطيبه الأرواح ، ويشتاءه القلم ، وأحنى خبر تستعذ به النفوس ويصبه المرقم على متون القراطيس ، حيثما رقم ، حمد الله المتفضل على عباده بالآية ، المستفيضة وجلائل النعم ، المتكرم على عبيده بنعمائه الوافرة ، وعقائل القسم ، سبحانه من عطوف أحمى عليهم مسلسلات شآبيب الدعم ، وأفاض عليهم مرسلات أهاضيب الكرم ، والصلاة والسلام على رسوله المعتام ، المصطفى المنتجب المنتخب المبعوث من من سرة البطحاء لهداية الأمم ، المرفوع المتصل ذكره الحسن فيالعرب والعجم ، المجيز وفوده بمتواتر الكرم ، العارج من معارج العلي الى أعلى القمم ، المحكم حبال العهود وأواصر الامم ، وعلى آله مصابيح الظلم ، الدارئين غياهب الغمم ، المزيحين بأنوارهم الزاهرة حوالك البهم ، الكاشفين بأضوائهم اللامعة الباهرة حنادس الليل الأليل إذا جن وادلهم ، لاسيما ابن عمه وصهره الهزبر الباسل القسم ، والسيد الماجد الخضم ، الواضع
لعلو اسناده على ظهر النبي القدم ، الشافي بكلامه المعجز كل مرض وسقم ، مطهر ، بيت الله عن كل وثن وصنم ، مفجر ينابيع الحكم ، ممضى عزائم الهمم ، محيي دوارس الرمم ، صلاة دائمة باقية ما ظهرت أسرار الوجود عن خبايا العدم ، متلاحقة متتالية لا تكتمل بالعمم.
أما بعد فان أحق الفضائل وأولاها ، وأزهر العقائل وأسناها هو العلم الذي يتضائل عنده رأس كل عز وفخر ، ويتطأطأ عند عظمته تليع عنق الدهر ، ويضمحل في حذائه كل نور وينكسف ، وينمحي في أزائه كل ضياء وينخسف ، فلا مجد الا وهو ذروته وسنامه ، ولا شرف إلا وهو يمينه وحسامه ، ماقرطا مادية بأعلى منه وأغلى ، ولا المسك الأذفر والعنبر الأشهب بأطيب منه وأذكى ، بيد أن له أفانين وفنون ، وعساليج[١]وغصون ، وإن من أجل العلوم شأنا ، وأعلاها مكانا ، وأرجحها ميزانا ، وأكملها تبيانا ، علم الحديث ، فله من بينها الرتبة الأعلى ، والمنزلة القصوى ، وكفى له علوا وأمتيازا ، وسمو وأعتزازا ، أنه يرى منازل كانت مهبط جبرئيل ، ويعرض وجوها نطق في ثنائهم الكتاب الجميل ، ويوصل الى مربع محفوف بالتقديس والتهليل ، وينظم في عقد منظوم من جواهر معادن الوحي والتنزيل ، ويشد بجبل ممدود يصل الى الله الجليل.
ولهذا أهتم بشأنه العلماء وأتعبوا أبدانهم ، وأسهروا أجفانهم ، وتجرعوا لنيله غصص النوى ، وباتوا وفي أحشائهم تتقدنا الجوى ، وخاضوا لأجله لجج الدأماء ، وجزعوا المنفق البيداء حتى فازوا بالمراد ، وأصبحوا زعماء البلاد ، ومناهج الرشاد ، وهداة العباد ، ومنهم العالم الثقة الجليل ، والكامل البارع النبيل محرز خصل السبق في مضمار التحقيق ، وحائز قصب السبق في سباق التدقيق ، مطلع نيري الفروع والأصول ، وملتقى بحرى المعقول والمنقول ، السيد النبيه أبو المعالي شهاب الدين بن محمود الحسيني المرعشي النجفي ، وفقه الله لمراضيه ، وجعل مستقبله خيرا من ماضيه ، فأنه دام علاه ، استجازني طلبا
[١]عساليج : ما لان من قضبان الشجر.
للسعادة ، وأدراكا لشرف الأتصال بأهل بيت العصمة والسيادة ، فأجزت له أن يروي عني كل ما صحت لي روايته عن مشايخي العظام عن مشائحهم الى أن ينتهي الأمر الى الأئمة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين ، أو الى ارباب الكتب المؤلفة في الفنون والعلوم من التفسير والحديث الفقه والأصول والكلام والعربية وغيرها ، لا سيما نهج البلاغة ، والصحيفة السجادية ، والكتب الأربعة التي عليها المدار[١]في الأعصار والأمصار ، والجوامع الثلاثة المتأخرة التي بلغت في الوضوح حد الشمس في رابعة النهار[٢].
ولي طريقان : الأول أن أروي عن حجة الأسلام وآية الله في الأنام الوالد الماجد العلام أعني العلامة السيد حامد حسين .. أعطاه الله من الأجر كفلين. وآخر روايتي عن الأستاذ العلامة ، والحبر الفهامة ، قدوة المجتهدين ، ومنتجع العلماء الربانيين ، أروع الناس ، مولانا المفتي السيد محمد عباس ، أعلى الله مقامه ، وأجزل في الخلد أكرامه ، وكل منهما يروي عن آية الله في العالمين ، وحجته على الجاحدين ، سيد العلماء مولانا السيد حسين .. سقى الله ثراه ، وجعل الجنة مثواه ، يحسن مشائخع الأعلام ، أحلهم الله دار السلام ، على ما هو مذكور في تقريض روائح القرآن في فضائل أمناء الرحمن[٣]وأرجو منه دام علاه أن يراعي في الرواية مسلك الأحتياط ، بعد الدراية ، وأن لا ينساني في مضان أستجابة الدعوات الصالحات ، لاسيما في زاويات الخلوات ، وأعقاب الصلوات. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
[١]الكتب الأربعة هي : الكافي التهذيب. من لا يحضره الفقيه. الأستبصار.
[٢]الجوامع الثلاثة : بحار الأنوار. وسائل الشيعة. الوافي.
[٣]للسيد المفتي السيد محمد عباس التستري الهندي المتوفى ١٣٠٦ طبع في الهند مع فهرسته الموسوم ـ قبة العجلان ـ جمع فيه مائة وأحدى وثلاثون آية من القرآن في فضائل أمير المؤمنين ـ ع ـ وأولاده الأئمة ـ ع ـ وفرغ من تأليفه ١٢٧١ ، وقيل فيه :
هذا صحيفة محض الدين والعمل
حضت بحب أمير المؤمنين علي
نور لكل ذكي منصف فطن
نار لكل غوي ناصب جدل
الذريعة ١١ / ٢٥٥.
وكان ذلك في السابع من شهر جمادي الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة بعد الألف ـ ١٣٥٢ ـ من الهجرة النبوية ، على صاحبها الآف السلام والتحية.
كتبه العبد المذنب ناصر حسين الموسوي جعله الله من أصحاب الصراط السوي.
وفاته .. عقبة :
قضى السيد ناصر حسين .. عمره في جهاد علمي ، ونشاط فكري ، ترك للأجيال ثروة فكرية حية ، وتراثا علميا منيعا ، جزاه الله عن المسلمين أفضل الجزاء ، وجعل منزلته من الجنان موفر الأجزاء ، لقد توفى في الخامس والعشرين من ذي الحجة ١٣٦١ ، وقيل في اليوم الثاني والعشرين[١]ـ ودفن في حسينيته الخاصة الواقعة الى جنب قبر والده في أكبر آباد ، احد حواظر القطر الهندي ، ويليه مثوى السيد الإمام ضياء الدين القاضي الشهيد نور الله المرعشي المستشهد سنة ١٠١٩.
وتبارى الشعراء الى رثائه والبكاء عليه ، وأقيمت المآتم في أكثر الأقطار
[١]اختران تابناك : ٥٢٨.
المعمورة ، وأرخ الشعراء تاريخ وفاته ، فمنهم من جاء تاريخه :
ناصر الحفاظ ١٣٦١
ومنهم من قال :
قضى نحبه ناصر آل طه ١٣٦١ (٢)
وخلف ولداه :
أ ـ السيد محمد نصير ولد ١٣١١ ، وكان مجتهدا جليلا ، ومن اساتذة الكلام والتفسير والأدب عمل في الحقل السياسي ، وبرع فيه وجاهد في استقلال بلاده لانه كان يؤمن إيمانا صادقا من أن الحق لا بد منتصر بحكم القانون الطبيعي ، كما تنبت سنابل الربيع ويهب الريح ، دخل المجلس النيابي منتخبا من قبل الطائفة الشيعية الامامية. الى ان توفى في ـ لكهنو ـ وحمل نعشه الى العراق ودفن في كربلاء في الصحن الشريف بمقبرة المجاهد الميرزا محمد تقي الشيرازي ، ومن مؤلفاته :
ترجمة وجوب السورة في الصلاة ، تأليف والده ، الى الأوردية.
التطهير.
ديوان شعر.
مجمع الآداب[٢]
ب ـ السيد محمد سعيد المتوفى ١٣٨٧.
عالم مجتهد ، فاضل ، متكلم ، محقق مؤلف ، درس في النجف الأشرف ، وتخرج على كبار العلماء ، ونال الدرجات العالية ، وعاد الى وطنه لكهنو حيث تولى شؤون الرياسة العلمية والدينية هناك بجدارة كافية ، وقابلية تامة مع هيبة في
[١]ريحانة الأدب ٦ : ٩٨.
[٢]معحم رجال الفكر والأدب : ٣٩٠.
قلوب العامة ، ومكانة سامية لدى جميع الطبقات ، وكان على جانب عظيم من الأخلاق الكريمة والسجايا الحسنة.
وزار العراق مرات عديدة ، وكان موضع الأكبار والتقدير ، ومن مؤلفاته : الأمام الثاني عشر ، ألفه خلال اقامته في النجف الأشرف وطبع في النجف عام ١٣٥٥ ويقع في ٧٤ ص[١]
آية الولاية.
آية التطهير.
الأيمان الصحيح على ضوء القرآن.
مدينة العلم.
مسانيد الأئمة (ع)
عبقات الأنوار ـ حديث المناصبة.
عبقات الأنوار حديث خيبر ـ القسم الثاني[٢]
توفى بالهند عام ١٣٨٧ ودفن الى جنب والده ، في صحن مرقد القاضي الشهيد نور الله المرعشي التستري.
أعقب الخطيب الفاضل السيد علي ناصر .. وكان قد درس في النجف الاشرف ، وبعد اجتيازه بعض المراحل الدراسية عاد الى وطنه.
المكتبة الناصرية :
المكتبة مشجب الفقيه ، والعالم ، والباحث ، والمحقق ، وصومعة
[١]معجم المطبوعات النجفية : ٩٤.
[٢]معجم رجال الفكر : ٣٩٠. الذريعة ٢ : ٥١٤ و ٢٠ : ٢٥١ مؤلفين كتب جابي فارسي ٣ : ٢٢١.
مقدمة حديث الثقلين من العبقات ١ : ٢٠ و ٣٨. المقدمة.