وقال ولي الله[١]في قرة العينين : وروى ، الحمد لله ولا إله إلا الله يعطي من شاء ما يشاء ، لقد كنت بهذه الوادي يعني ضجنان أرعى إبلا للخطاب وكان فضا غليظا يتعبني إذا عملت ويضربني إذا قصرت ، وقد أصبحت وأمسيت وليس بيني وبين الله أحد أخشاه[٢].
[١]ولي الله بن عبد الرحيم العمري الدهلوي المتوفى ١١٧٦ محدث مفسر فقيه أصولي له اثار : هدية العارضين ٢ : ٥٠٠. معجم المؤلفين ١٣ : ١٦٩.
[٢]قرة العينين : ٩٨ ط الهند. ١٣١ حجر.
فصل
مبحث عدم الكفاءة
ومما يدل على بطلان هذا العقد الموهوم مسألة الكفاءة ، فأن مراعاة الكفاءة واجبة في عقد النكاح ، وعمر بن الخطاب لم يكن كفواءا لسيدتنا أم كلثوم سلام الله عليها بوجه من الوجوه ، وهذا ظاهر كل الظهور ، ولذلك ترى علماء العامة يأتون في دفع هذا الأشكال بكلمات متهافتة متناقضة تستوقف العجلان ، وتضحك الثكلى ، قال أبو بكر بن شهاب الدين العلوي الحسيني الشافعي الحضرمي[١]في كتابه المسمى ـ رشفة الصادي ـ مانصه : فائدة ، عد صاحب التلخيص (ص) إنتساب أولاد فاطمة إليه ، وأطراد الحكم بذلك الأنتساب في الكفاءة وغيرها ، وعده الشيخان في الروضة وأصلها من الخصائص أيضا تبعا لهم وأنكر ذلك القفال ، قالوا : وأنكار القفال ذلك مردود بما مر من الأحاديث وقد صرحوا بأن من القواعد الأنتساب إليه (ص) أن يطلق عليه أنه أب لهم ، وأنهم بنوه كما في آية المباهلة[٢]وغيرها من الأحاديث ، حتى يعتبر هذا في الأحكام ، كالوقف والوصية ، والكفاءة أيضا فلا يكافئ غير المنسوب إليه (ص) المنسوبه إليه لكونها من ذريته ، وأما قولهم : إن بني هاشم وبني المطلب
[١]كان حيا قبل ١٣٠٣. أيضاح المكنون ١ : ٥٢٢ ، ٥٧٥.
[٢]فان حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم نقل تعالوا ندعو أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين. آل عمران : ٦١.
أكفاء محله في غير هذه الصورة.
قال العلامة ابن ظهيرة[١]: بنو هاشم وبنو المطلب أكفاء بعضهم لبعض وليس واحد منهم كفوا للشريفة من أولاد الحسن والحسين رضي الله عنهما ، لأن المقصود من الكفاءة الأستواء في القرب إليه (ص) وليسوا بمنسوبين فيها ، فهذه خصلة خصوا بها لا توجد في غيرهم من بنات قريش ، ولهذا يقال : كان علي بن أبي طالب كفوءا لفاطمة رضي الله عنها.
فهذه دقيقة مستثناة من أطلاق المصنفين في عامة كتبهم وأنهم أكفاء ، وليس لذلك وهو مفهوم لمن تأمله وتدبره ، وقواعد الشرع تقبله ، وهذا هو الحق فليتنبهوا له فانه مهم.
أنتهى[٢].
وقد ذكر العلامة أبن حجر في فتاواه ، نحوا من هذا ، ويؤيد قول إبن حجر في فتاواه كلامه في الصواعق حيث قال فيه بعد ذكر آية المباهلة وما يتعلق بها : خاتمة .. علم من الأحاديث السابقة إتجاه قول صاحب التلخيص من أصحابنا ، من خصائصه (ص) إن أولاد بناته ينسبون إليه (ص) وأولاد بنات غيره لا ينسبون الى جدهم من الكفاءة وغيرها.
وأنكر ذلك القفال وقال : لا خصوصية بل كل أحد ينسب إليه أولاد بناته ، ويرده الخبر السابق ، كل بني أم ينتمون الى عصبة ، الى آخره ، ثم معنى الأنتساب إليه (ص) الذي هو من خصوصياته أنه يطلق عليه أنه أب لهم وإنهم بنوه ، حتى يعتبر ذلك في الكفاءة ، فلا يكافي شريفة هاشمي غير شريف.
وقولهم : أن بني هاشم والمطلب أكفاء ، محله فيما عدا هذه السورة كما بينته بما فيه في أفتاء هو بل مشعر في الفتاوى ، وحتى يدخلون في الوقف على أولاده والوصية بهم.
[١]جمال الدين محمد بن أمين المكي الحنفي كان حيا. ٩٦. الكنى والألقاب ١ : ٣٤٥. مثذرات الذهب ٨ : ٢٤٣. كشف الظنون : ٣ ، ٥٧٧.
[٢]وشفة الصادي : ٤٠.
وأما أولاد بنات غيره فلا يجري فيهم مع جدهم لأمهم هذه الأحكام ، نعم يستوي الجد للأب والأم في الأنتساب اليهما من حيث تطلق الذرية والنسل والعقب عليهم ، فأراد صاحب التلخيص بالخصوصية بأمر ، وأراد القفال بعدمها ، وهذا وحينئذ فلا خلاف بينهما في الحقيقة وأتى بما ليس عليه مزيد فراجعه.
وقال العلامة محمد بن أبي بكر الأشخر[١]في فتاويه : فان قلت يؤيد مادل عليه أطلاقهم إن نحو الهاشمي يكافئ من إنتسب الى البضعة الكريمة فاطمة الزهراء رضي الله عنها ، تزويج علي رضي الله عنه أبنته أم كلثوم وأمها فاطمة ، من عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لأنه إذا كافأها من ليس هاشميا ولا مطلبيا فمن ثم يزوجه جبرا ، لأنها كانت صغيرة جدا إذ ذاك ، فلأن يكافئها هاشمي ومطلبي من باب أولى.
قلت : لادليل في هذه القضية على ما ذكر إذ لا تصريح بأن عمر رضي الله عنه كفو لها حتى يستدل على أولوية مكافأة من مر ، وغاية ما فيه وقوع عقدها بالأجبار فلعلهما كانا يريان صحة العقد ثم تخير أذا بلغت كما هو أحد قولي الشافعي ، وإن كان الأظهر خلافه ، وقد سمعت بعض مشايخنا ، أجاب بأن عمر ـ (رض) لما كان أفضل منها ومن أبيها على المذهب السني أقتضى كمال حالها أن لا ينظر فضيلة الأنتماء إليه (ص) المحض ، وهذا لا يأتي على قاعدة المذهب أن بعض الخصال لا تقابل ببعض والله أعلم[٢].
[١]جمال الدين محمد بن أبي بكر الأشخر الزبيدي اليمني الشافعي المتوفى ٩٩١ فقيه أصولي ، نحوي ، نساية ، ناظم ، مشارك في علوم. النور السافر : ٣٩٠. الشذرات ٨ : ٤٢٥. البدر الطالع ٢ : ١٤٦ إيضاح المكنون ٣٦٣٠٢. الأعلام ٦ : ٢٨٥. هدية العارفين ٢ : ٢٥٧.
[٢]أتفقت كلمة النبي الأعظم (ص) وكلمات الصحابة والتابعين على أن أفضل الأمة بعد الرسول الأقدس (ص) هو أمير المؤمنين عليه السلام بلا منازع ، وقد روى الهيثمي عن عبد الله بن مسعود قال : كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة علي بن أبي طالب. مجمع الزوائد ٩ : ١١٦ / الرياض النضرة ٢ : ٢٠٩.
وقول إبن عباس بعدما سأله معاوية عن علي بن أبي طالب : رحم الله أبا الحسن كان والله علم الهدى ، وكهف التقى ، ومحل الحجى ، وطور البها ، ونور السرى .. وأفضل من حج وسعى. الأستيعاب ٢ : ٤٥٦. فضائل الخمسة ٢ : ٢٤٦.
أقول : هذا الكلام فيه من الهفوات والسقطات مالا يخفى على صغار الطلبة فضلا عن العلماء الأعلام منها ، نفي كفاءة مولانا أمير المؤمنين (ع) لسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع) فأنه جرأة عظيمة ، وجسارة جسيمة ، يا لله وللعجب كيف يجترأ مسلم على أن ينسب الى رسول الله (ص) تزويج أبنته فاطمة الزهراء سلام الله عليها برجل ليس لها بكفؤ.
فهذه من المنكرات التي لا يجوز نسبتها الى رجل عامي من عوام المسلمين فضلا عن سيد المرسلين (ص).
ومنها : نسبة الأجبار الى سيدنا ومولانا أمير المؤمنين عليه آلاف السلام ما أختلف الليل والنهار ، باطلة لأن أبنته سيدتنا أم كلثوم (س) ولو فرض صغر سنها لا يتصور معها الأجبار ، نعم لاشك في تحقيق ولايته عليها (س) ولكن ولاية الولي تسقط عند التزويج بغير الكفؤ قطعا ، فكيف يصدق مسلم عاقل أن ينسب الى مثل أمير المؤمنين (ع) هذا الظلم الصريح ، والجور الفضيح.
ومنها : إن أحتمال كون علي (ع) يرى صحة العقد ثم تخير أذا بلغت أحتمال باطل ، لادليل عليه أصلا ، وهو شئ عجاب يؤذن ان قائله ممنو بالتهافت والأضطراب وكيف يصح في ذهن أحد من العقلاء بعد ملاحظة حال مولانا أمير المؤمنين (ع) أن يجوز لهذا الأمام المعصوم أن يعقد عقدا لأبنته مع غير الكفؤ لا يصح في حال من الأحوال ، أو عقدا متزلزلا يفقد فيه الكفاءة ، ويبطل في زمن الأستقبال.
ومنها : أحتمال كون عمر بن الخطاب ، يرى جواز عقد يفقد فيه الكفاءة ، ويثبت فيه التخيير للزوجة بعد البلوغ ، لأن هذا اقدام على المنكر الفضيح ، وتجاسر على الظلم القبيح لا يتأتي نسبة الى عمر من سني ولو كان جاهلا فضلا ممن يدعي العلم.
ومنها قول بعض المشايخ الذي تفوه فيه ، بأن عمر لما كان أفضل من سيدتنا أم كلثوم (س) بل ومن أبيها عليه الآف التحية والثناء ، على المذهب
السني أقتضى كمال حالهما أن لا ينظر الى فضيلة الأنتماء إليه (ص) المحض ، فان في هذا التفوه الباطل الفاسد ، والقطع البهمرج الكاسد ، ظلمات بعضها فوق بعض ، وكيف يجترأ عاقل متدين أن يتقول هذه الأباطيل في هذا المقام ، وأن يتجاهر بهاتيك الخزعبلات والطوام ، ويوهن بمثلها فضيلة البضعة النبوية عليها وعلى أبيها وجدها آلاف السلام والتحية.
ولقد ظهر بطلان هذا الكلام بالقول المذكور في آخره وأتضح أن هذا التلبيس الصادر من بعض المشايخ باطل لأن هذا لا يأتي على قاعدة المذهب والحمد لله أولا وآخرا.
فصل
ومن العجائب إن الكفائة وجوبها بلغ مبلغا عظيما في الأسلام بحيث إن عمر بن الخطاب شدد في أمرها تشديدا كبيرا ، وقال فيها قولا ذكره علماء السنة في كتبهم ، وبأسفارهم محتجين به ، قال شمس الدين السرخسي[١]في كتابه المبسوط في كتاب النكاح ، قال : وبلغنا عن عمر (رض) انه قال : لأمنعن النساء خروجهن إلا من الأكفاء ، وفي هذا دليل على إن للسلطان يدا في الأنكحة فقد أضاف المنع الى نفسه وذلك يكون بولاية السلطنة.
وفيه دليل إن الكفائة في النكاح معتبرة ، وإن المرأة غير ممنوعة من أن تزوج نفسها ممن يكافئها ، وإن النكاح ينعقد بعبارتها[٢].
فصل : قال أبو بكر بن شهاب الدين العلوي الحسيني الشافعي الحضرمي في كتابه ، رشفة الصادي ، أيضا في ضمن فائدة ذكر فيها كلام العلماء على أولاد بنات رسول الله (ص) غير الحسن والحسين (ع) بوجوه : منها ، أنهم لا يكافئون اولاد الحسن والحسين فالزبيني مثلا ليس كفوا للحسنية ، ولا للحسينية ، أنتهى ، فلينظر العاقل الذي أوتي حظا من الأنصاف أنه إذا كان أمر الكفائة عند العلماء بالغا الى حد يمنع كون الزبيني كفوا للحسينية
[١]شمس الديلأن محمد بن أحمد بن أبي سهر السهرخسي الحنفي المتوفى حدود ٤٨٣. متكلم أصولي مجتهد سجن مدة طويلة وكتب المبسوط في السجن. معجم المؤلفين ٨ : ٢٣٩.
[٢]المبسوط ٥ : ٢٣.
والحسينية فكيف يمكن أن يجتري ذو فهم ودين على أن يجعل عمر بن الخطاب وهو بعيد عن الرسول (ص) في النسب بمراحل شاسعة ، وفيافي نازحة ، كفوا لأم كلثوم (س) وهي بنته (ص) بلا شك ولا أرتياب ، إن هذا إلا زعم أهل التيار والتبات ، وقول المستهترين باللغو والكذاب فصل ، لقد أتى العلامة أبو بكر بن شهاب الدين الشافعي الحضرمي بكلام مبرم في تأييد عمل السادة العلويين الحسنينين قديما وحديثا ، وفي عدم تزويج بناتهم إلا من شريف صحيح النسب حيث قال : في كتابه شرفة الصادي مانصه : تتمة ، جرى عمل سادتنا العلويين الحسينين رضوان الله عليهم ، قديما وحديثا أنهم لا يزوجون بناتهم إلا من شريف صحيح النسب ، غيرة منهم على هذا النسب العظيم ، ولا يجيزون تزويجها بغير شريف وإن رضيت ورضي وليها مثلا لأنهم يرون إن الحق في هذا النسب الطاهر ، راجع لكل من أنتسب الى الحسنين رضي الله عنهما لا للمرأة ووليها فقط ، ورضاء جميع أولاد الحسنين بذلك متعذر.
وعلى هذا العمل الى الآن وهم نعم القدوة والأسوة ، إذ فيهم من الفقهاء والصلحاء والأقطاب ، والأولياء ، من لا ينبغي لنا أن نخالفهم فيما أسسوه ، ودرجوا عليه ، لا يسعنا غير السير بسيرتهم ، والأقتداء بهم ، ولهم أختيارات وأنظار لا مطمع للفقيه في ادراك أسرارها ، ويؤيد هذا الأختيار أيضا قول سيدنا عمر بن الخطاب (رض) : لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء ، والله أعلم[١]انتهى.
وانت إذا احطت خبرا بهذا الكلام استبان لك إن السادات الكرام قديما وحديثا لا يعتقدون صحة تزويج سيدتنا أم كلثوم (س) لعمر بن الخطاب ، إذ لو كان عندهم خبر يوثق به في هذا الباب لما وسعهم الأتفاق على العمل بخلاف عمل
[١]دمشقة الصاوي.