سبب آخر . . كما أنه لا يجوز له أن يتساهل أو أن يتوانى في معالجته له . . كما سنرى إن شاء الله تعالى . .
الأجرة للطبيب :
ولكن ما قدمناه لا يعني : أن لا يأخذ الطبيب أجراً أصلاً ، فإن ذلك معناه أن يكون كثير من الأطباء عالة على الآخرين ، كما أن ذلك يستدعي عدم إقبال الناس على تعلم هذا العلم ، وإتقانه ، فضلاً عن النبوغ والإبداع فيه ، وهو بالتالي يحرم الإنسانية من عنصر هام ، بل هو من أهم عناصر راحتها وسعادتها ، بل وتقدمها في مختلف مدارج الكمال ، والعظمة والمجد .
ولأجل ذلك نجد : أن الإمام العسكري ( عليه السلام ) يعطي الطبيب الذي فصده تخت ثياب ، وخمسين ديناراً[1].
وأعطاه أيضاً في مرة أخرى - على الظاهر - ثلاثة دنانير ، وكان الطبيب نصرانياً[2].
وفي رواية عن علي ( عليه السلام ) : ما دون السمحاق[3]أجر الطبيب[4].
وعن ابن عباس : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : احتجم وأعطى الحجّام أجره[5]. والروايات الدالة على جواز أخذ الحجّام للأجرة كثيرة جداً ، وهي موجودة في
[1]الوسائل ج 12 ص 75 عن الخرائج والجرائح .
[2]الوسائل ج 12 ص 74 وفي هامشه عن الخرائج والجرائح ص 213 وعن أصول الكافي ص 285 .
[3]السمحاق : قشرة رقيقة فوق عظم الرأس .
[4]التهذيب للطوسي ج 10 ص 293 ح 18 والوسائل ج 19 ص 294 و 304 والفائق ج 4 ص 67 عن الشعبي ، وعبر ب « الموضحة » بدل : السمحاق .
[5]الموطأ مع تنوير الحوالك ج 3 ص 141 والطب النبوي لابن القيم ص 41 وفي هامشه عن الترمذي ، وأبي داوود ، وابن ماجة ، والمصنف لعبد الرزاق ج 11 ص 30 وفي هامشه عن البخاري كتاب الإجارة 4 / 308 وعن مسلم أيضاً .
كثير من المصادر .
إلا أن ثمة رواية عن سماعة تخالف ذلك ، وقد حملها الشيخ على الكراهة[1].
وقال العلامة قدس سره في المنتهى : « . . يجوز الاستيجار للختان ، وخفض الجواري ، والمداواة ، وقطع السلع ، وأخذ الإجرى عليه . لا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنه فعل مأذون فيه شرعاً ، يحتاج إليه ويضطر إلى فعله ؛ فجاز الاستيجار عليه كسائر الأفعال المباحة . وكذا عقد الاستيجار للكحل ، سواء كان الكحل من العليل أو الطبيب . وقال بعض الجمهور : إن شرط على الطبيب لم يجز »[2].
وأما بالنسبة للدواء ، فقد روى محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، قال : سألته عن الرجل يعالج الدواء للناس : فيأخذ عليه جعلاً ؟ فقال : لا باس به[3].
التجارة . . والسطحية :
وواضح : أنه إذا أصبح الهدف من تعلم الطب هو الحصول على المال والنوال ، وخلا من الإحساس الإنساني ، والدفع العاطفي ، ومن المسؤولية
[1]راجع : قرب الإسناد ص 52 و 53 ، والاستبصار ج 3 ص 58 - 60 و 64 والوسائل ج 12 ص 71 - 74 وفي هوامشه عن : التهذيب ج 2 ص 107 و 109 وعن فروع الكافي ج 1 ص 360 وعن الفقيه ج 2 ص 52 و 56 وعن البحار ج 10 ص 267 وعن العلل ، وغير ذلك كثير . .
[2]البحار ج 62 ص 65 .
[3]من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 107 والبحار ج 62 ص 72 والوسائل ج 1 .
الشرعية والأخلاقية . . فإنه عدا عن أن ذلك يمكن أن يجعل من هذا العلم - كما جعل من كثير غيره - وبالاً على الإنسان وعلى الإنسانية . . لا بد وأن تقل فيه نسبة الإبداع والعمق ، بحيث لا ينسجم ذلك مع حجم العمل والعاملين فيه . . ولا يبقى ثمة ما يؤهله لان يقدم للأمة وللأجيال المزيد من المعارف الدقيقة والهامة ، ويفتح أمامها آفاقاً جديدة في مجالاته المختلفة . . كما . . وتصبح المؤسسات الطبية مجرد حرف جافة لا تهتم بإسعاد هذا الإنسان بقدر ما تهتم بسلبه ونهب ثرواته ، ومن ثم بزيادة شقائه وبلائه . .
نعم . . وحينئذٍ تبدأ عملية العد العكسي لازدهار العلوم ، ويتجه المتعلمون - في الأكثر - إلى السطحية ، ثم إلى الجهل الذي يستتبع الكثير من التدليس والتزييف . . ثم أن يفقد الإنسان أخلاقياته وإنسانيته ، وليتحول إلى موجود خسيس ورذل ، ويكون كالبهيمة المربوطة ، همها علفها ، على حد تعبير أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
حبس الجهال من الأطباء :
ولأجل ما تقدم . . نجد أن الإسلام قد وقف في وجه هذه الظاهرة بقوة وحزم ، حتى لقد روي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قوله :
« يجب على الإمام أن يحبس الفساق من العلماء ، والجهال من الأطباء الخ . . »[1].
نعم . . يجب ذلك ؛ لأن ممارسة الجاهل لأعمال الطب ، كثيراً ما تزيد من آلام ومتاعب المريض ، وتعرض راحته ، ومستقبله - إن لم نقل تعرض حياة الكثيرين - للأخطار الجسام . . وكما أن فساق العلماء يفسدون الدين ،
[1]من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 20 والتهذيب للشيخ ج 6 ص 319 والنهاية للشيخ أيضاً ص 62 ، والوسائل ج 18 ص 221 ، وقصار الجمل ج 1 ص 299 .
فإن جهال الأطباء يفسدون الأبدان ، ويسلبون الإنسان الراحة والسعادة في الدنيا ، فيجب ردعهم ، والوقوف في وجههم ، بكل قوة وشدة . .
ضمان الجاهل لما يفسده :
وانطلاقاً مما تقدم . . فإن الجهال إذا مارسوا الطب ، وأفسدوا ما يفترض فيهم أن يصلحوه ، فإنهم يكونون مسؤولين عن إفسادهم ذاك عقلاً ، وعرفاً ، وشرعاً ، لقاعدة : الضمان على كل متلف . . فإذا أدى ذلك إلى الموت : فإنه يضمن دية الخطاء ، كما هو معلوم .
وذلك أمر مفروغ عنه بين الفقهاء « بلا خلاف في ذلك » بل في التنقيح : « الطبيب القاصر المعرفة ضامن لما يتلفه بعلاجه اجماعاً »[1].
كما أن هذا الأمر مجمع عليه لدى أهل العلم من غير شيعة أهل البيت ( عليهم السلام )[2].
كما أنهم قد رووا عنه ( صلى الله عليه وآله ) : « من تطبب ولم يعلم منه الطب [ قبل ذلك ] فهو ضامن » . وبمعناه غيره[3].
وفي نص آخر : « من تطبب ولم يكن بالطب معروفاً ، فإذا أصاب نفساً
[1]راجع : الجواهر ج 43 ص 44 - 45 والمسالك كتاب الديات ، موجبات الضمان ، والرياض ج 2 ص 537 ومباني تكملة المنهاج ج 2 ص 222 ، وعن مجمع البرهان كتاب الديات ص 1 . فإن هؤلاء جميعاً قد نصوا على عدم الخلاف في ذلك ، أو نقلوا الاجماع عن التنقيح .
[2]الطب النبوي لابن القيم ص 109 .
[3]كنز العمال ج 10 ص 16 ، ورمز إلى : مستدرك الحاكم ، وسنن أبي داوود ، وابن ماجة ، والبيهقي ، والنسائي ، والطب النبوي لابن القيم ص 107 عن بعض من ذكر ، والتراتيب الإدارية ج 1 ص 466 عن الدارقطني وغيره ومعالم القربة ص 255 وسنن ابن ماجة الحديث رقم 3466 وميزان الحكمة ج 5 ص 533 عنه وعن كنز العمال .
فما دونها ، فهو ضامن »[1]. . والتعبير بتطبب ظاهر بأنه يريد : أنه قد دخل فيما فيه عسر وكلفة ، من قبيل تشجع ، وتصبر ، ونحو ذلك . .
وأخيراً . . فقد روي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قوله : من كنت سبباً في بلائه ، وجب عليك التلطف في علاج دائه[2].
ضمان العارف بالطب :
هذا . . ولا ريب في ضمان العارف بالطب ، إذا قصر في أداء مهمته ، سواء أخذ البراءة من المريض ، أو من وليه ، أم لا ، وسواء عالجه بإذن منه ، أم لا . والظاهر عدم الخلاف في ذلك . هذا . . عدا عما يترتب على ذلك من مسؤولية شرعية .
والظاهر : أن ما ورد : من ان علياً ( عليه السلام ) قد ضمن ختاناً قطع حشفة غلام[3]. قد كان من أجل تقصيره في أداء وظيفته . .
قال ابن إدريس ، « والرواية هذه صحيحة لا خلاف فيها »[4]، وقد حمل الرواية على صورة التفريط ؛ فراجع .
وأما إذا لم يقصر في أداء مهمته ، وكان حاذقاً ماهراً ، وتلف المريض ،
[1]التراتيب الإدارية ج 1 ص 266 ، وكنز العمال ج 10 ص 17 عن ابن عدي في الكامل ، وابن السني ، والبيهقي ، وأبي نعيم في الطب . وراجع المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 470 . وميزان الحكمة ج 5 ص 533 عن كنز العمال .
[2]غرر الحكم للآمدي ج 2 ص 718 وميزان الحكمة ج 1 ص 500 عنه .
[3]التهذيب للشيخ ج 10 ص 234 ، والسرائر ص 429 ، والكافي ج 7 ص 364 ، والوسائل ج 19 ص 195 ، والمسالك ، كتاب الديات ، بحث موجبات الضمان ، والرياض ج 2 ص 539 ، وقصار الجمل ج 1 ص 404 ، ومباني تكملة المنهاج ج 2 ص 233 ، وجاء في المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 470 : أن عمر قد فعل ذلك .
[4]السرائر ص 429 .
أو تعطل بعض أعضائه بسببه ، فإن كان المريض صغيراً ، أو مجنوناً ، وكان الطبيب قد أخذ البراءة من وليه ، أو كان المريض بالغاً عاقلاً وقد أخذ البراءة منه . . فإنه لا يضمن .
فعن الضحاك بن مزاحم قال : خطب علي الناس ، فقال : يا معشر الأطباء البياطرة والمتطببين ، من عالج منكم إنساناً أو دابة ، فليأخذ لنفسه البراء ؛ ، فإنه إن عالج شيئاً ولم يأخذ لنفسه البراءة ؛ فعطب فهو ضامن[1].
وعن علي ( عليه السلام ) قال في الطبيب : إن لم يشهد على ما يعالج فلا يلومن إلا نفسه . يقول : يضمن[2].
وقد روي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، أنه قال : قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « من تطبب أو تبيطر ، فليأخذ البراءة من وليه ، وإلا فهو له ضامن »[3].
وضعف سندها منجبر بعمل المشهور . بل ادعي عليه الإجماع[4]. وليس هذا من الإبراء قبل ثبوت الحق ، وإنما هو من قبيل الإذن في الشيء ، المقتضي لعدم ثبوت الحق ، مضافاً إلى أنه لو لم يجز التبري لم يقدم طبيب على علاج[5].
[1]المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 471 .
[2]المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 470 / 471 .
[3]الكافي ج 8 ص 364 ، والتهذيب ج 10 ص 234 ، والوسائل ج 19 ص 195 ؛ والنهاية للشيخ ص 762 ، وقصار الجمل ج 1 ص 404 ، والمسالك ، كتاب الديات ، في موجبات الضمان . والشرايع نفس البحث ج 4 ص 249 والرياض ج 2 ص 537 ، ومباني تكملة المنهاج ج 2 ص 222 وبمعناه عن علي ( عليه السلام ) في المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 471 .
[4]راجع : المسالك ج 2 كتاب الديات باب موجبات الضمان والجواهر ج 43 ص 46 / 47 .
[5]راجع : الجواهر ج 43 ص 47 و 48 وهامش الوسائل ج 19 ص 195 والشرايع ج 4 ص 249 .
وهل يكفي إذن المريض أو وليه للطبيب بالعلاج من دون إبراء في عدم ضمانه ؟ ربما يقال : إنه لا يضمن حينئذ ، وذلك « لأن الضمان يسقط بالإذن ، ولأنه فعل سائغ شرعاً » فلا يستعقب ضماناً[1].
ولكن هذه الحجة غير كافية ، فإن كونه سائغاً شرعاً لا يوجب سقوط الضمان[2]، والسائغ هو المعالجة لا الإتلاف ، وهو لم يؤذن به . . ، وأما قوله : إن الضمان يسقط بالإذن . . فيمكن أن يكون له وجه ، إذا قلنا : إنه من قبيل إقدام المريض ، أو وليه على تحمل نتائج عمل الطبيب ، ورضاهم بها ، لو اتفق وقوعها . . فهو من قبيل الإبراء . . ولكن الظاهر : هو أن إذنهم لا يدل على عدم مطالبتهم بالدية والضمان في صورة التلف ، فهم يأذنون بالعلاج استناداً إلى ان الشارع قد ضمن لهم حقهم في صورة إتلاف الطبيب لمريضه ، أو لعضو منه ، فتبقى قاعدة : الضمان على من أتلف على حالها . . ولأجل كون ذلك مرتكزاً لدى العرف نجد : أنه لو أخذ البعض ولده إلى الطبيب ، فعالجه ، فمات بسبب ذلك العلاج ؛ فإنه يشتكي عليه ، ويعتبره مسؤولاً عن إتلاف ولده[3].
وبعد كل ما تقدم يتضح : أنه لا يمكن الأخذ بما روي عن ابن عمر ، عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « ليس على مداو ضمان » الخ[4].
إلا أن يكون المقصود هو عدم ضمانه ، إن كان قد أخذ البراءة ، وذلك بعد حمل هذا المطلق على ذلك القيد .
[1]الشرايع ج 4 ص 249 والجواهر ج 43 ص 45 .
[2]الجواهر ج 43 ص 46 ومثل له بالضرب للتأديب .
[3]راجع : الجواهر ج 43 ص 46 .
[4]المجروحون ج 2 ص 82 وراجع : ميزان الاعتدال ج 3 ص 198 .
وأما الاستدلال على الضمان هنا بالإجماع ، فهو في غير محله ، لأن الظاهر ، أو على الأقل يحتمل : أنه إجماع على القاعدة ، التي هي : الضمان على من أتلف ؛ فلا يكون حجة . .
وكذا لا يصح الاستدلال بإطلاق رواية تضمين علي ( عليه السلام ) للختان . . على الضمان هنا ، لأنها قضية في واقعة لا إطلاق فيها ، فيحتمل قوياً أن يكون تضمينه له بسبب تفريطه وتقصيره في أداء مهمته ، كما أشرنا إليه سابقاً . وقد أشار إلى ما ذكرناه أيضاً في الجواهر ، فراجع .
ولو أقدم الطبيب الحاذق على العلاج من دون إذن أحد ، استناداً إلى وجوب ذلك عليه ، لرواية : التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة ، وذلك مقدمة لحفظ النفس المحترمة ، فتلف المريض بسببه ، فإنه يضمن أيضاً ، لأن التلف سبب للضمان ، فهو من قبيل تأديب الصبي ، ونحوه[1].
روايتان لا ربط لهما بالضمان :
وفي رواية « قلت [ أي للإمام الصادق ( عليه السلام ) ] : أنا نبط الجرح ، ونكوي بالنار ؟ قال : لا بأس . قلت : نسقي هذه السموم : الأسمحيقون ، والغاريقون ؟ قال : لا بأس قلت : إنه ربما مات ، قال : وإن مات »[2].
وعن حمدان بن إسحاق ، قال : كان لي ابن ، وكانت تصيبه الحصاة ، فقيل لي : ليس له علاج إلا أن تبطه ، فبططته ، فمات ، فقالت الشيعة : شركت في دم ابنك قال : فكتب إلى أبي الحسن ، صاحب العسكر ، فوقع -
[1]راجع : المسالك والجواهر ج 43 ص 45 .
[2]روضة الكافي ص 193 والفصول المهمة ص 402 والبحار ج 62 ص 67 والوسائل ج 17 ص 177 وطب الإمام الصادق ص 59 .