وأما الاستدلال على الضمان هنا بالإجماع ، فهو في غير محله ، لأن الظاهر ، أو على الأقل يحتمل : أنه إجماع على القاعدة ، التي هي : الضمان على من أتلف ؛ فلا يكون حجة . .
وكذا لا يصح الاستدلال بإطلاق رواية تضمين علي ( عليه السلام ) للختان . . على الضمان هنا ، لأنها قضية في واقعة لا إطلاق فيها ، فيحتمل قوياً أن يكون تضمينه له بسبب تفريطه وتقصيره في أداء مهمته ، كما أشرنا إليه سابقاً . وقد أشار إلى ما ذكرناه أيضاً في الجواهر ، فراجع .
ولو أقدم الطبيب الحاذق على العلاج من دون إذن أحد ، استناداً إلى وجوب ذلك عليه ، لرواية : التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة ، وذلك مقدمة لحفظ النفس المحترمة ، فتلف المريض بسببه ، فإنه يضمن أيضاً ، لأن التلف سبب للضمان ، فهو من قبيل تأديب الصبي ، ونحوه[1].
روايتان لا ربط لهما بالضمان :
وفي رواية « قلت [ أي للإمام الصادق ( عليه السلام ) ] : أنا نبط الجرح ، ونكوي بالنار ؟ قال : لا بأس . قلت : نسقي هذه السموم : الأسمحيقون ، والغاريقون ؟ قال : لا بأس قلت : إنه ربما مات ، قال : وإن مات »[2].
وعن حمدان بن إسحاق ، قال : كان لي ابن ، وكانت تصيبه الحصاة ، فقيل لي : ليس له علاج إلا أن تبطه ، فبططته ، فمات ، فقالت الشيعة : شركت في دم ابنك قال : فكتب إلى أبي الحسن ، صاحب العسكر ، فوقع -
[1]راجع : المسالك والجواهر ج 43 ص 45 .
[2]روضة الكافي ص 193 والفصول المهمة ص 402 والبحار ج 62 ص 67 والوسائل ج 17 ص 177 وطب الإمام الصادق ص 59 .
صلوات الله عليه - يا احمد ليس عليك فيما فعلت شيء ، إنما التمست الدواء ، وكان أجله فيما فعلت[1].
فالرواية الأولى ليست ناظرة للضمان ولا لعدمه . . وإنما هي ناظرة إلى جواز الإقدام على ذلك وعدمه . . وإن أدى إلى موت المريض .
وفي الثانية كان الممارس لبط الجرح هو الولي نفسه ، وتعليله ( عليه السلام ) بقوله : إنما التمست الداء وكان أجله فيما فعلت ، ليس تعليلاً لعدم الضمان ، ليؤخذ بعموم التعليل ، بل هو ناظر لنفي العقاب الأخروي ، حيث اعتبر الشيعة : أنه قد أشرك في دم ابنه . . هذا بالإضافة إلى عدم وضوح سند الرواية .
والخلاصة : انه لا بأس بان يأخذ الطبيب الحاذق البراءة من ولي المريض ، إذا كان المريض صبياً أو مجنوناً ، أو من المريض نفسه ، إذا أراد أن يقدم على العلاج الذي يحتمل فيه الخطر على المريض ، حتى لا يتعرض للضمان الذي ينشأ عن التلف المحتمل .
[1]الكافي ج 6 ص 53 والبحار ج 62 ص 68 .
< فهرس الموضوعات > الفصل الثاني :
< / فهرس الموضوعات > الفصل الثاني :
< فهرس الموضوعات > التلميذ . . قبل أن يصير طبيباً . .
< / فهرس الموضوعات > التلميذ . . قبل أن يصير طبيباً . .
مواصفات طالب العلم الطبي :
أما عن مواصفات طالب العلم الطبي ، فلعلها لا تحتاج إلى بيان ، إذا اتضح لدينا حقيقة نظرة الإسلام إلى المريض ، ومكانته عند الله ، وما أعد الله له ، كما يتضح ذلك بالمراجعة إلى الروايات الكثيرة جداً ، ولا مجال لعدها وحصرها . . وإذا اتضح لدينا أيضاً حقيقة المسؤولية الملقاة على عاتق الطبيب تجاه المريض ، وواجباته تجاهه ، والتي سنتحدث عنها في الفصل التالي إن شاء الله تعالى .
ونستطيع أن نجمل هنا مواصفات طالب العلم الطبي بكلمة واحدة وهي أن يتحلى بجميع مواصفات الإنسان المسلم ، الذي يمثل الإسلام وعياً وعمقاً ، وخلقاً ، وسلوكاً ، ويعيش أهداف الإسلام ، وتعاليمه ، وقيمه ، بكل جهات وجوده ، ومختلف شؤون حياته .
وقد ذكر القدماء بعض المواصفات لطالب العلم الطبي ، لا نرى بأساً بالإشارة إليها هنا ، ما دامت توافق مقتضيات الفطرة السليمة ، والإسلام دين الفطرة وإن كان في بعضها بعض الهنات .
فقد نسبوا إلى أبقراط الوصية المعروفة بترتيب الطب ، ويقول فيها :
« ينبغي أن يكون المتعلم للطب في جنسه حراً[1]وفي طبعه جيداً ، حديث السن ، معتدل القامة ، متناسب الأعضاء ، جيد الفهم ، حسن الحديث ، صحيح الرأي عند المشورة ، عفيفاً ، شجاعاً ، غير محب للفضة ، مالكاً لنفسه عند الغضب ، ولا يكون تاركاً له في الغاية ، ولا يكون بليداً .
وينبغي أن يكون مشاركاً للعليل ، مشفقاً عليه ، حافظاً للأسرار ، لأن كثيراً من المرضى يوقفونا على أمراض بهم لا يحبون أن يقف عليها غيرهم .
وينبغي أن يكون محتملاً للشتيمة ، لأن قوماً من المبرسمين[2]، وأصحاب الوسواس السوداوي يقابلونا بذلك ، وينبغي لنا ان نحتملهم عليه ، ونعلم : أنه ليس منهم ، وأن السبب فيه المرض الخارج عن الطبيعة .
وينبغي أن يكون حلق رأسه معتدلاً مستوياً ، لا يحلقه ، ولا يدعه كالجمة ، ولا يستقصي قص أظافير يديه[3]، ولا يتركها تعلو على أطراف أصابعه .
وينبغي أن تكون ثيابه بيضاء نقية ، ولا يكون في مشيه مستعجلاً ، لأن ذلك دليل على الطيش ، ولا متباطئاً ، لأنه يدل على فتور النفس .
وإذا دعي إلى المريض ، فليقعد متربعاً ، وليختبر منه حاله بسكون وتأن
[1]هذا الشرط لا معنى له إسلامياً ، إلا إذا كان العبد لا يستطيع أن يقوم بوظيفته بالشكل المناسب .
[2]البرسام : علة يهذي فيها المريض .
[3]لقد ورد في بعض الروايات أن المرأة لا تستقصي قص أظافير يديها ، ولم نجد مثل ذلك بالنسبة للطبيب . . فيبقى استحباب قص أظافيره على النحو الكامل بلا معارض . . إلا إذا كانت طبيعة عمله تستدعي ذلك .
لا بقلق واضطراب . . الخ »[1].
وفي كتاب : « كامل الصناعة الطبية الملكي » لعلي بن العباس في الباب الثاني ، المقالة الأولى ، مجموعة وصايا جيدة في هذا المجال ، وبعضها منسوب إلى أبقراط أيضاً ، كما يظهر لمن راجع كتاب ابن أبي أصيبعة ، ويمكن أن يفهم منها إضافة لما سبق :
أن على طالب العلم الطبي : أن يطيع أوامر الله تعالى ، ويحترم أساتذته ويكون في خدمتهم ، ويعتبرهم بمنزلة والديه ، ويحسن إليهم ، ويشركهم في أمواله .
كما أن عليه أن يعتبر ابن معلمه أخاً له ، ويعلمه هذه الصناعة بلا أجرة ، ولا شرط ، ويشرك أولاده وأولاد معلمه في العلوم والوصايا ، وكذلك سائر التلاميذ الذين يستحقون تعلم هذه الصناعة ، دون غيرهم ممن لا يستحق ذلك .
وبعد أن ذكر أموراً أخرى ، ومن جملتها لزوم حفظ المطالب ، وعدم الاعتماد على الكتاب ، ذكر : أن عليه أن يتعلم مطالب هذا العلم في أيام صباه ، لأن ذلك أسهل عليه من أيام الشيخوخة . . وعلى طالب هذا العلم أن يبقى في المستشفيات في خدمة أساتذته العلماء ، والحذاق في هذه الصناعة ، فيمارس العمل في هذا المجال ، ويشرف على المرضى وعلى أحوالهم ، ويستفيد من صحبة الأساتذة ، وخدمة المرضى ما يرتبط بأحوال وعوارض الأمراض ، حسناً وسوءاً ، ويطبق ما قرأه عملياً . . الخ[2].
[1]عيون الأنباء ص 46 / 47 .
[2]راجع كتاب : تاريخ طب در إيران ج 2 ص 456 - 458 بتصرف وعيون الأنباء ص 45 قسم أبقراط ، وطبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل ص 73 ، الترجمة الفارسية ، في الهامش عن منتخب صوان الحكمة ص 82 .