أغش ، ولا أتساهل في ذلك ، وأن أعاملهم بالأخلاق الإسلامية والإنسانية الفاضلة ، وأن التزم بالأحكام الشرعية في عملي هذا . وأن اعتبر ذلك أمانة في عنقي ، يسألني الله عنها يوم ألقاه ، وأن أعمل على أداء هذه الأمانة على أكمل وجه .
وأشهد الله تعالى على ذلك ، والله خير الشاهدين . .
< فهرس الموضوعات > الفصل الثالث :
< / فهرس الموضوعات > الفصل الثالث :
< فهرس الموضوعات > ماذا عن : الطبيب . . والعلاج < / فهرس الموضوعات > ماذا عن : الطبيب . . والعلاج
الطبيب أمام الواجب :
إن من الواضح : أن المريض لا يستطيع أن يعلق آماله فيما هو فيه على أحد ، حتى على أقرب الناس إليه ؛ حتى ولده ، وأبويه ، لأنه يعرف : أنهم لا يملكون لإنقاذه حيلة ، ولا يجدون للتخفيف من آلامه سبيلاً .
وإنما هو يتجه بآماله وتوقعاته إلى ذلك الذي أمره الله بمراجعته في حالات كهذه ، ألا وهو الطبيب العارف . . فالطبيب هو الذي يستطيع أن يقدم له معونة من نوع ما ، وهو الذي يمكنه أن يخفف من آلامه ، وينقذه مما هو فيه . .
ومن البديهي : أن التداوي والرجوع إلى الطبيب لا ينافي التوكل ، كما لا ينافيه الأكل والشرب لدفع الجوع ، كما ذكروه[1].
وإذن . . فالطبيب يتحمل أعظم مسؤولية في هذا المجال . . سواء على صعيد تقديم العون المادي بالدواء والعلاج النافع . . أو على صعيد المعونة الروحية والنفسية ، فهو الذي يستطيع أن يبعث البهجة في نفس المريض ، وينعش فيه أملاً ، ويعيد إليه الثقة بالحياة وبالمستقبل .
[1]البحار ج 62 ص 77 وفتح الباري ج 10 ص 114 والطب النبوي لابن القيم ص 10 .
وعلى هذا . . فقد كانت مسؤوليات ومواصفات الطبيب في نفسه ، وبالنسبة لعلاقته بمن يفترض فيه ان يعالجه كثيرة ومتنوعة من وجهة نظر إسلامية . . ونحن نجمل بعضها في هذا الفصل على النحو التالي :
< فهرس الموضوعات > المبادرة إلى العلاج :
< / فهرس الموضوعات > المبادرة إلى العلاج :
فلا يجوز للطبيب التعلل بعدم الأجرة ، أو بقلتها ، فإن التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة ، لأن جارحه أراد فساده ، وهذا لم يرد صلاحه كما تقدم .
فالسلبية هنا لا تعني إلا اتخاذ الموقف المضاد ، لأنها تعني فسح المجال لفتك المرض بصاحبه ، والتغلب على سائر ما يملكه من قدرات ومناعات ، وبالتالي إلحاق أفدح الخسائر فيه .
وبعد . . فإن المبادرة إلى العلاج هو ما تفرضه الأخلاق الفاضلة ، والإنسانية الرفيعة ، والفطرة السليمة والمستقيمة . وتنسجم مع أريحية الإنسان ، ومع عواطفه النبيلة ، وسجاياه الرضية الكريمة .
< فهرس الموضوعات > مداواة حكام الجور :
< / فهرس الموضوعات > مداواة حكام الجور :
وبالنسبة لمداواة حكام الجور ، فعدا عن أن ذلك يكون من قبيل تهيئة الفرصة لهم للاستمرار في بغيهم وظلمهم ، وإن لم يكن مساعدة مباشرة لهم على ذلك - عدا عن ذلك - فإننا نجد الإمام الحسين ( عليه السلام ) يقول :
« لا تصفن لملك دواء ، فإن نفعه لم يحمدك ، وإن ضره اتهمك »[1].
وواضح : أن مراده ( عليه السلام ) هنا : هو ملوك الجور ، لأنهم هم الذين يمتازون
[1]البحار ج 78 ص 127 عن أعلام الدين و ج 75 ص 382 عنه وميزان الحكمة ج 3 ص 367 عن البحار ج 75 ص 282 أيضاً .
بهذه الصفة غير الحسنة . . كما هو معلوم .
عدم التمييز بين الغني والفقير :
أما لزوم عدم التمييز بين الغني والفقير ، فنحسب أنه لا يحتاج إلى بيان ولا إلى إقامة برهان ، فإن الوجوب الشرعي الكفائي ، أو العيني أحياناً ، لم يلاحظ فيه الغني دون الفقير ، ولا الأبيض دون الأسود .
بل يمكن أن يقال : إن اهتمام الإسلام بالفقير يفوق كثيراً اهتمامه بالغني أضف إلى ذلك : أن الغني يقدر على الوصول إلى ما يريد ، عن طريق بذل ماله دون الفقير .
وبعد . . فإن الأوامر القاضية برجحان قضاء حاجة المريض ، والاهتمام بأمره ، وترتيب الثواب على ذلك - وهي متواترة - لم تخصص غنياً ، ولا فقيراً ولا غيرهما بذلك .
وكذلك الحال بالنسبة للروايات القاضية بلزوم المبادرة إلى شفاء المجروح من جرحه . . بل جميع الروايات التي تتعلق بالطب ، وهي تعد بالمئات ، لا يمكن أن تلمح فيها أثراً لظاهرة التمييز هذه ، مهما كان حجمه ، ونوعه .
هذا . . ولا يجب أن ننسى تلك الروايات التي تذم من يحترم الغني ، ويجعل له امتيازاً من اجل غناه . . ويكفي أن نذكر هنا ما روي عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) : « من لقي فقيراً مسلماً ، فسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقى الله عز وجل يوم القيامة وهو عليه غضبان »[1].
[1]أمالي الصدوق ص 396 ، وسفينة البحار ج 2 ص 379 ، والوسائل ج 8 ص 442 وفي هامشه عن عيون أخبار الرضا ص 219 وعن الأمالي .
ثم هناك حكاية الرجل الذي بنى قصراً ، ثم صنع طعاماً ، فدعا إليه الأغنياء ، وترك الفقراء ، فإذا جاء الفقير قيل له : إن هذا الطعام لم يصنع لك ، ولا لأشباهك . . فجاء ملكان في زي الفقراء فمنعا ، ثم جاءا في زي الأغنياء فسمح لهما بالدخول ، فأمرهما الله بخسف المدينة بمن فيها[1].
والروايات في مدح الفقراء ، ومحبة الله لهم ، وأنه ينبغي الاهتمام بشأنهم وملاحظة أحوالهم كثيرة .
وأخيراً . . فإن حكم العقل ، والفطرة ، والأخلاق الفاضلة ، لا يفرق بين غني ، وفقير ، ولا بين كبير وصغير . . هذا . . إن لم نقل أن إكرام الغني لغناه ليس فيه إكرام للإنسان والإنسانية ، بل هو يعبر عن رذالة في الطبع ، وخسة في النفس ، وانحطاط أخلاقي مرعب وخطير .
وإذا كان الفقير يعاني في أحيان كثيرة من الآلام النفسية أكثر من الجسدية حيث إنه يشعر بعقدة الفقر الذي ربما يتحول إلى حقد ، ثم من عقدة الخوف من عدم تمكنه من الحصول على أدنى ما يجب الحصول عليه - إذا كان كذلك - فإن القربة إلى الله تعالى تكون في مساعدته أكثر ، والنتيجة التي تترتب على هذه المساعدة أعظم وأكبر .
وقال علي بن العباس : إن على الطبيب : « أن يجدّ في معالجة المرضى ، ولا سيما الفقراء منهم ، ولا يفكر في الانتفاع المادي ، وأخذ الأجرة من هذه الفئة ، بل إذا استطاع أن يقدم لهم الدواء من كيسه هو فليفعل ، وإذا لم يفعل فليجدّ في معالجتهم ليلاً ونهاراً ، ويحضر إلى معالجتهم في كل
[1]سفينة البحار ج 2 ص 380 .
وقت . . الخ »[1].
نعم . . وهذا هو ما يجعل الفقير يثق بنفسه وبمجتمعه ، ويطمئن إلى مستقبله ، ويجعله أكثر حيوية ، ونشاطاً ، وتفاعلاً مع سائر الفئات الفاعلة في المجتمع .
كما أنه يزرع الحب والوفاء والرجاء في نفسه ، ويبعد الحقد ، والحسد وسائر الصفات الذميمة عن روحه ونفسه ، ولا يعود يعاني من عقدة الاحتقار والمهانة ، والخوف ، وذلك واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان .
إقدام الطبيب على ما يعرف :
وإذا كان الطبيب متخصصاً في أمراض العين مثلاً ، فليس له أن يتصدى للنظر في أمراض القلب ، وكذا العكس ، لأنه جاهل في حقيقة الأمراض التي تعرض من هذه الجهة ، فيلحق بالجهال من الأطباء ، الذين على الإمام أن يحبسهم إذا أرادوا التصدي للتطبيب في مجال يجهلونه .
وكذلك فإنه يكون من القول بغير علم ، الذي جاءت الآيات الكثيرة ، والأقوال المتواترة عن المعصومين في المنع والردع عنه[2]، وذلك واضح للعيان فلا يحتاج إلى مزيد بيان ، ولا إلى إقامة برهان .
وعن زين العابدين ( عليه السلام ) ، أنه قال : « من لم يعرف داءه أفسد دواءه »[3].
وقد جاء في القسم المنسوب إلى أبقراط : « واحفظ نفسي في تدبيري
[1]راجع كتاب : تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب : كامل الصناعة الطبية الملكي ، الباب الثاني ؛ المقالة الأولى .
[2]راجع على سبيل المثال : البحار ج 2 ص 111 حتى ص 124 وغيره من المصادر .
[3]البحار ج 78 ص 160 وميزان الحكمة ج 3 ص 367 عنه .