بهذه الصفة غير الحسنة . . كما هو معلوم .
عدم التمييز بين الغني والفقير :
أما لزوم عدم التمييز بين الغني والفقير ، فنحسب أنه لا يحتاج إلى بيان ولا إلى إقامة برهان ، فإن الوجوب الشرعي الكفائي ، أو العيني أحياناً ، لم يلاحظ فيه الغني دون الفقير ، ولا الأبيض دون الأسود .
بل يمكن أن يقال : إن اهتمام الإسلام بالفقير يفوق كثيراً اهتمامه بالغني أضف إلى ذلك : أن الغني يقدر على الوصول إلى ما يريد ، عن طريق بذل ماله دون الفقير .
وبعد . . فإن الأوامر القاضية برجحان قضاء حاجة المريض ، والاهتمام بأمره ، وترتيب الثواب على ذلك - وهي متواترة - لم تخصص غنياً ، ولا فقيراً ولا غيرهما بذلك .
وكذلك الحال بالنسبة للروايات القاضية بلزوم المبادرة إلى شفاء المجروح من جرحه . . بل جميع الروايات التي تتعلق بالطب ، وهي تعد بالمئات ، لا يمكن أن تلمح فيها أثراً لظاهرة التمييز هذه ، مهما كان حجمه ، ونوعه .
هذا . . ولا يجب أن ننسى تلك الروايات التي تذم من يحترم الغني ، ويجعل له امتيازاً من اجل غناه . . ويكفي أن نذكر هنا ما روي عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) : « من لقي فقيراً مسلماً ، فسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقى الله عز وجل يوم القيامة وهو عليه غضبان »[1].
[1]أمالي الصدوق ص 396 ، وسفينة البحار ج 2 ص 379 ، والوسائل ج 8 ص 442 وفي هامشه عن عيون أخبار الرضا ص 219 وعن الأمالي .
ثم هناك حكاية الرجل الذي بنى قصراً ، ثم صنع طعاماً ، فدعا إليه الأغنياء ، وترك الفقراء ، فإذا جاء الفقير قيل له : إن هذا الطعام لم يصنع لك ، ولا لأشباهك . . فجاء ملكان في زي الفقراء فمنعا ، ثم جاءا في زي الأغنياء فسمح لهما بالدخول ، فأمرهما الله بخسف المدينة بمن فيها[1].
والروايات في مدح الفقراء ، ومحبة الله لهم ، وأنه ينبغي الاهتمام بشأنهم وملاحظة أحوالهم كثيرة .
وأخيراً . . فإن حكم العقل ، والفطرة ، والأخلاق الفاضلة ، لا يفرق بين غني ، وفقير ، ولا بين كبير وصغير . . هذا . . إن لم نقل أن إكرام الغني لغناه ليس فيه إكرام للإنسان والإنسانية ، بل هو يعبر عن رذالة في الطبع ، وخسة في النفس ، وانحطاط أخلاقي مرعب وخطير .
وإذا كان الفقير يعاني في أحيان كثيرة من الآلام النفسية أكثر من الجسدية حيث إنه يشعر بعقدة الفقر الذي ربما يتحول إلى حقد ، ثم من عقدة الخوف من عدم تمكنه من الحصول على أدنى ما يجب الحصول عليه - إذا كان كذلك - فإن القربة إلى الله تعالى تكون في مساعدته أكثر ، والنتيجة التي تترتب على هذه المساعدة أعظم وأكبر .
وقال علي بن العباس : إن على الطبيب : « أن يجدّ في معالجة المرضى ، ولا سيما الفقراء منهم ، ولا يفكر في الانتفاع المادي ، وأخذ الأجرة من هذه الفئة ، بل إذا استطاع أن يقدم لهم الدواء من كيسه هو فليفعل ، وإذا لم يفعل فليجدّ في معالجتهم ليلاً ونهاراً ، ويحضر إلى معالجتهم في كل
[1]سفينة البحار ج 2 ص 380 .
وقت . . الخ »[1].
نعم . . وهذا هو ما يجعل الفقير يثق بنفسه وبمجتمعه ، ويطمئن إلى مستقبله ، ويجعله أكثر حيوية ، ونشاطاً ، وتفاعلاً مع سائر الفئات الفاعلة في المجتمع .
كما أنه يزرع الحب والوفاء والرجاء في نفسه ، ويبعد الحقد ، والحسد وسائر الصفات الذميمة عن روحه ونفسه ، ولا يعود يعاني من عقدة الاحتقار والمهانة ، والخوف ، وذلك واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان .
إقدام الطبيب على ما يعرف :
وإذا كان الطبيب متخصصاً في أمراض العين مثلاً ، فليس له أن يتصدى للنظر في أمراض القلب ، وكذا العكس ، لأنه جاهل في حقيقة الأمراض التي تعرض من هذه الجهة ، فيلحق بالجهال من الأطباء ، الذين على الإمام أن يحبسهم إذا أرادوا التصدي للتطبيب في مجال يجهلونه .
وكذلك فإنه يكون من القول بغير علم ، الذي جاءت الآيات الكثيرة ، والأقوال المتواترة عن المعصومين في المنع والردع عنه[2]، وذلك واضح للعيان فلا يحتاج إلى مزيد بيان ، ولا إلى إقامة برهان .
وعن زين العابدين ( عليه السلام ) ، أنه قال : « من لم يعرف داءه أفسد دواءه »[3].
وقد جاء في القسم المنسوب إلى أبقراط : « واحفظ نفسي في تدبيري
[1]راجع كتاب : تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب : كامل الصناعة الطبية الملكي ، الباب الثاني ؛ المقالة الأولى .
[2]راجع على سبيل المثال : البحار ج 2 ص 111 حتى ص 124 وغيره من المصادر .
[3]البحار ج 78 ص 160 وميزان الحكمة ج 3 ص 367 عنه .
وصناعتي على الزكاة والطهارة ، ولا أشق أيضاً عما في مثانته حجارة ، ولكن أترك ذلك إلى من كانت حرفته هذا العلم »[1].
1 - الحذق 2 - الأمانة 3 - استجلاب الثقة :
1 و 2 - فالطبيب الحاذق هو الذي يستطيع أن يؤدي واجبه على النحو الأكمل والأفضل ، وهو بالتالي الذي يكون خطؤه أقل ، واستفادة المريض من خبراته أتم ، ومنفعته أعم . . وهو أقدر على الحصول على ثقة المريض ، واعتماده عليه ، وتسليمه له . . الأمر الذي يسهل عليه علاجه ، كما أنه يسهل على المريض الالتزام بنصائحه ، والعمل بتوجيهاته .
بل إن على الطبيب نفسه أن يسعى للحصول على هذه الثقة ، كما يشير إليه ما روي عن الصادق ( عليه السلام ) : « كل ذي صناعة مضطر إلى ثلاث خصال يجتلب بها المكسب ، وهو أن يكون حاذقاً بعمله ، مؤدياً للأمانة فيه ، مستميلاً لمن استعمله »[2].
وقد لوحظ : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) يتحرى لمعالجة بعض من جرح من أصحابه أطب الرجلين اللذين دعيا لهذا الغرض[3].
نعم . . وهذا هو المنسجم مع الفطرة ، ومع حكم العقل السليم ، والنصيحة للمسلمين . . ومن أولى منه ( صلى الله عليه وآله ) بذلك ، وبغيره من مكارم الأخلاق ومعاليها ؟
وبعد . . فقد قيل : إن الطب معناه الحذق بالأشياء ، وإن كان في غير
[1]عيون الأنباء ص 45 .
[2]تحف العقول ص 238 والبحار ج 78 ص 236 .
[3]موطأ مالك المطبوع مع تنوير الحوالك ج 3 ص 121 ، وزاد المعاد ج 3 ص 107 والطب النبوي لابن القيم ص 105 .
علاج المريض ، ورجل طبيب أي حاذق ، سمي بذلك لحذقه[1].
3 - وأما الأمانة وأداؤها في المجال الطبي ، فهي من أوجب الأمور ، لأن الطب - كما قدمنا - مسؤولية شرعية ، عرفية ، أخلاقية ، إنسانية ، وحتى عقلية أيضاً ، هذا بالإضافة إلى ما أشار إليه الإمام ( عليه السلام ) من أن أداء الأمانة في الصنعة يوجب اجتلاب المكسب بها . . حيث يطمئن الناس إليه ، ويعتمدون عليه ، ويقبلون إليه بكل رضا واطمئنان ، كما هو أوضح من أن يحتاج إلى بيان .
1 - النصح 2 - الاجتهاد 3 - التقوى :
وعدا عن أن النصح ، والاجتهاد وتقوى الله وظائف إنسانية وأخلاقية ، فإنها وظيفة شرعية أيضاً - وخصوصاً في الطب - فعن علي ( عليه السلام ) أنه قال : « من تطبب فليتق الله ، ولينصح ، وليجتهد »[2].
وقال ابن إدريس : « ويجب على الطبيب أن يتقي الله سبحانه فيما يفعله بالمريض ، وينصح فيه »[3].
1 - نعم . . لا بد من الاجتهاد في معالجة المريض ، ولا يجوز التعلل ولا التساهل في ذلك على الإطلاق ، ولا بد أيضاً من النصح في ذلك ، لان الغش فيه معناه الجناية على نفس محترمة ، وتعريضها للخطر الجسيم ، الأمر الذي يكشف عن نفس مريضة وحاقدة ، لا تملك شيئاً من الخلق الإنساني الرفيع ، بل هي أقرب إلى النفس السبعية ، التي لا تعرف إلا الاعتداء ، والظلم والشر ، بل هي أكثر بشاعة وخطراً منها ، حينما يمتزج الظلم بالخداع ،
[1]الطب النبوي لابن القيم ص 107 / 108 .
[2]البحار ج 62 ص 74 عن الدعائم ، ومستدرك الوسائل ج 3 ص 127 .
[3]البحار ج 62 ص 65 عن السرائر .
والاعتداء بالتدليس وتزييف البغيض المقيت .
2 - ولا بد كذلك من تقوى الله في المريض ، لأن بتقوى الله لا يبقى غش ، ولا اعتداء ، ولا تزييف ، ولا يبقى أيضاً تساهل ، أو تعلل ، ولا يبقى كذلك أي لون من ألوان الرذيلة في داخل الإنسان ، وبتقوى الله يندفع الإنسان إلى القيام بواجباته الشرعية والإنسانية على النحو الأكمل والأفضل . . ولأجل ذلك نلاحظ أنه ( عليه السلام ) قد قدم الأمر بتقوى الله على الأمر بالنصح ، وبذل الجهد وليس ذلك عفوياً ، بل هو متعمد ومقصود ، ولا سيما في توجيه الطبيب الذي بيده راحة المرضى ، فهو إذن بأمس الحاجة إلى هذه التقوى : حتى لا يفرط فيما جعله الله مسؤولاً عنه .
3 - وبعد . . فإن « الله يحب عبداً إذا عمل عملاً أحكمه » كما روي عنه ( صلى الله عليه وآله ) حينا لحد سعد بن معاذ[1]، كما أننا نجد في نصائح علي بن العباس : أن « على الطبيب أن يجد في معالجة المرضى ، وحسن تدبيرهم ، ومعالجتهم ، سواء بالغذاء أو بالدواء »[2].
النصح : حدوده وأبعاده :
ومن الواضح : أن على الطبيب أن يمتنع هو أولاً عما يطلب من غيره الامتناع عنه عند الحاجة ، وأن يلتزم هو بالتوصيات قبل أن يطلب من غيره الالتزام بها .
وإلا . . فإنه إذا لم يستطع أن يعالج نفسه قبل أن يعالج غيره ، فإنه يكون ولا شك غير ناصح لذلك الغير ، بل هو إما يجري عليه بعض تجاربه التي
[1]الفصول المهمة للحر العاملي ص 503 .
[2]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 .
لم تصل بعد لديه إلى درجة النجاح ، وإما أنه يعطيه دواءً يعلم هو أنه لا ينفعه ، إن لم يكن فيه الكثير من الضرر له . . إما لأجل أن يحصل منه ومن أمثاله على المال ، أو من أجل الحفاظ على الشهرة الفارغة والصيت الاجوف ، أو لغير ذلك من أمور .
ولا أقل من أن يفكر المريض والمراجع له هذا التفكير ، الذي يملك كل المبررات الموضوعية والأخلاقية ، يقول أبو الأسود الدؤلي :
يا أيها الرجل المعلم غيره * هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا * كيما يصح به وأنت سقيم
وأما إذا كان الطبيب يجر الداء إلى نفسه ، فإن من الواضح أنه سوف لن يكون ناصحاً لغيره ، لأنه لن يحب غيره أكثر من محبته لنفسه ، ولن يستطيع أن يضر نفسه وينفع غيره ، ومن هنا فإن من حق كل أحد أن يشير إليه بأصابع الاتهام والشك ، وقد روي عن عيسى ( عليه السلام ) هذا المعنى ، قال ( عليه السلام ) في حديث : « فإذا رأيتم الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاتهموه ، واعلموا : أنه غير ناصح لغيره »[1].
1 - الرفق بالمريض 2 - حسن القيام عليه :
ولا نرى أن ذلك يحتاج إلى بيان ، ويكفي أن نذكر : أنه قد ورد في بعض النصوص التعبير عن الطبيب ب « الرّفيق » من الرفق ، فعن علي ( عليه السلام ) : « كن كالطبيب الرفيق ، الذي يدع الدواء بحيث ينفع »[2].
وفي رواية عن الرضا ( عليه السلام ) قال : « سمعت موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، وقد
[1]البحار ج 2 ص 107 ح 5 و ج 73 ص 140 ، وقصار الجمل ج 2 ص 65 و ج 1 ص 197 عنه .
[2]البحار ج 2 ص 53 عن مصباح الشريعة ، وقصار الجمل ج 2 ص 63 عن البحار .
اشتكى فجاء المترفقون بالأدوية ، يعني الأطباء »[1].
وفي بعض النصوص : « أن الله عز وجل الطبيب ، ولكنك رجل رفيق » وفي نص آخر : « أنت الرفيق والله الطبيب »[2].
ومن أولى من المريض بان يكون موضعاً للعناية ، والرفق ، والمداراة ، ومراعاة الجانب .
وقد روي : أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد قطع أيدي سراق ، ثم قال : « يا قنبر ، ضمهم إليك فداو كلومهم ، وأحسن القيام عليهم » ، وبعد أن برئت كلومهم كساهم ثوبين ثوبين ، وخلى سبيلهم ، وأعطى كل واحد منهم ما يكفيه إلى بلده ، وزاد في نص آخر : أنه أمرهم أن يدخلوا دار الضيافة ، وأمر بأيديهم أن تعالج فأطعمهم السمن ، والعسل ، واللحم حتى برئوا[3].
وعن الصادق ( عليه السلام ) في حديث : « فإنك قد جعلت طبيب نفسك ، وعرفت آية الصحة وبين لك الداء ، ودللت على الدواء ، فانظر كيف قيامُك على نفسك »[4].
وعن علي ( عليه السلام ) : « من كنت سبباً في بلائه وجب عليك التلطف في علاج
[1]الفصول المهمة ص 415 .
[2]راجع : كنز العمال ج 10 ص 3 و 1 عن أبي داود ، وعن أحمد ، وأبي نعيم في الطب وإرشاد الساري ج 8 ص 360 ، والتراتيب الإدارية ج 1 ص 462 .
[3]التهذيب للشيخ ج 10 ص 125 - 127 ح 118 و 119 و 126 ، والكافي ج 7 ص 264 و 286 ، والوسائل ج 18 ص 528 و 529 عنهما ، ومستدرك الوسائل ج 3 ص 239 عن دعائم الإسلام .
[4]ميزان الحكمة ج 5 ص 534 عن تحف العقول ص 224 وعن الوسائل ج 11 ص 122 وعن الكافي ج 2 ص 454 .