علاج المريض ، ورجل طبيب أي حاذق ، سمي بذلك لحذقه[1].
3 - وأما الأمانة وأداؤها في المجال الطبي ، فهي من أوجب الأمور ، لأن الطب - كما قدمنا - مسؤولية شرعية ، عرفية ، أخلاقية ، إنسانية ، وحتى عقلية أيضاً ، هذا بالإضافة إلى ما أشار إليه الإمام ( عليه السلام ) من أن أداء الأمانة في الصنعة يوجب اجتلاب المكسب بها . . حيث يطمئن الناس إليه ، ويعتمدون عليه ، ويقبلون إليه بكل رضا واطمئنان ، كما هو أوضح من أن يحتاج إلى بيان .
1 - النصح 2 - الاجتهاد 3 - التقوى :
وعدا عن أن النصح ، والاجتهاد وتقوى الله وظائف إنسانية وأخلاقية ، فإنها وظيفة شرعية أيضاً - وخصوصاً في الطب - فعن علي ( عليه السلام ) أنه قال : « من تطبب فليتق الله ، ولينصح ، وليجتهد »[2].
وقال ابن إدريس : « ويجب على الطبيب أن يتقي الله سبحانه فيما يفعله بالمريض ، وينصح فيه »[3].
1 - نعم . . لا بد من الاجتهاد في معالجة المريض ، ولا يجوز التعلل ولا التساهل في ذلك على الإطلاق ، ولا بد أيضاً من النصح في ذلك ، لان الغش فيه معناه الجناية على نفس محترمة ، وتعريضها للخطر الجسيم ، الأمر الذي يكشف عن نفس مريضة وحاقدة ، لا تملك شيئاً من الخلق الإنساني الرفيع ، بل هي أقرب إلى النفس السبعية ، التي لا تعرف إلا الاعتداء ، والظلم والشر ، بل هي أكثر بشاعة وخطراً منها ، حينما يمتزج الظلم بالخداع ،
[1]الطب النبوي لابن القيم ص 107 / 108 .
[2]البحار ج 62 ص 74 عن الدعائم ، ومستدرك الوسائل ج 3 ص 127 .
[3]البحار ج 62 ص 65 عن السرائر .
والاعتداء بالتدليس وتزييف البغيض المقيت .
2 - ولا بد كذلك من تقوى الله في المريض ، لأن بتقوى الله لا يبقى غش ، ولا اعتداء ، ولا تزييف ، ولا يبقى أيضاً تساهل ، أو تعلل ، ولا يبقى كذلك أي لون من ألوان الرذيلة في داخل الإنسان ، وبتقوى الله يندفع الإنسان إلى القيام بواجباته الشرعية والإنسانية على النحو الأكمل والأفضل . . ولأجل ذلك نلاحظ أنه ( عليه السلام ) قد قدم الأمر بتقوى الله على الأمر بالنصح ، وبذل الجهد وليس ذلك عفوياً ، بل هو متعمد ومقصود ، ولا سيما في توجيه الطبيب الذي بيده راحة المرضى ، فهو إذن بأمس الحاجة إلى هذه التقوى : حتى لا يفرط فيما جعله الله مسؤولاً عنه .
3 - وبعد . . فإن « الله يحب عبداً إذا عمل عملاً أحكمه » كما روي عنه ( صلى الله عليه وآله ) حينا لحد سعد بن معاذ[1]، كما أننا نجد في نصائح علي بن العباس : أن « على الطبيب أن يجد في معالجة المرضى ، وحسن تدبيرهم ، ومعالجتهم ، سواء بالغذاء أو بالدواء »[2].
النصح : حدوده وأبعاده :
ومن الواضح : أن على الطبيب أن يمتنع هو أولاً عما يطلب من غيره الامتناع عنه عند الحاجة ، وأن يلتزم هو بالتوصيات قبل أن يطلب من غيره الالتزام بها .
وإلا . . فإنه إذا لم يستطع أن يعالج نفسه قبل أن يعالج غيره ، فإنه يكون ولا شك غير ناصح لذلك الغير ، بل هو إما يجري عليه بعض تجاربه التي
[1]الفصول المهمة للحر العاملي ص 503 .
[2]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 .
لم تصل بعد لديه إلى درجة النجاح ، وإما أنه يعطيه دواءً يعلم هو أنه لا ينفعه ، إن لم يكن فيه الكثير من الضرر له . . إما لأجل أن يحصل منه ومن أمثاله على المال ، أو من أجل الحفاظ على الشهرة الفارغة والصيت الاجوف ، أو لغير ذلك من أمور .
ولا أقل من أن يفكر المريض والمراجع له هذا التفكير ، الذي يملك كل المبررات الموضوعية والأخلاقية ، يقول أبو الأسود الدؤلي :
يا أيها الرجل المعلم غيره * هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا * كيما يصح به وأنت سقيم
وأما إذا كان الطبيب يجر الداء إلى نفسه ، فإن من الواضح أنه سوف لن يكون ناصحاً لغيره ، لأنه لن يحب غيره أكثر من محبته لنفسه ، ولن يستطيع أن يضر نفسه وينفع غيره ، ومن هنا فإن من حق كل أحد أن يشير إليه بأصابع الاتهام والشك ، وقد روي عن عيسى ( عليه السلام ) هذا المعنى ، قال ( عليه السلام ) في حديث : « فإذا رأيتم الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاتهموه ، واعلموا : أنه غير ناصح لغيره »[1].
1 - الرفق بالمريض 2 - حسن القيام عليه :
ولا نرى أن ذلك يحتاج إلى بيان ، ويكفي أن نذكر : أنه قد ورد في بعض النصوص التعبير عن الطبيب ب « الرّفيق » من الرفق ، فعن علي ( عليه السلام ) : « كن كالطبيب الرفيق ، الذي يدع الدواء بحيث ينفع »[2].
وفي رواية عن الرضا ( عليه السلام ) قال : « سمعت موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، وقد
[1]البحار ج 2 ص 107 ح 5 و ج 73 ص 140 ، وقصار الجمل ج 2 ص 65 و ج 1 ص 197 عنه .
[2]البحار ج 2 ص 53 عن مصباح الشريعة ، وقصار الجمل ج 2 ص 63 عن البحار .
اشتكى فجاء المترفقون بالأدوية ، يعني الأطباء »[1].
وفي بعض النصوص : « أن الله عز وجل الطبيب ، ولكنك رجل رفيق » وفي نص آخر : « أنت الرفيق والله الطبيب »[2].
ومن أولى من المريض بان يكون موضعاً للعناية ، والرفق ، والمداراة ، ومراعاة الجانب .
وقد روي : أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد قطع أيدي سراق ، ثم قال : « يا قنبر ، ضمهم إليك فداو كلومهم ، وأحسن القيام عليهم » ، وبعد أن برئت كلومهم كساهم ثوبين ثوبين ، وخلى سبيلهم ، وأعطى كل واحد منهم ما يكفيه إلى بلده ، وزاد في نص آخر : أنه أمرهم أن يدخلوا دار الضيافة ، وأمر بأيديهم أن تعالج فأطعمهم السمن ، والعسل ، واللحم حتى برئوا[3].
وعن الصادق ( عليه السلام ) في حديث : « فإنك قد جعلت طبيب نفسك ، وعرفت آية الصحة وبين لك الداء ، ودللت على الدواء ، فانظر كيف قيامُك على نفسك »[4].
وعن علي ( عليه السلام ) : « من كنت سبباً في بلائه وجب عليك التلطف في علاج
[1]الفصول المهمة ص 415 .
[2]راجع : كنز العمال ج 10 ص 3 و 1 عن أبي داود ، وعن أحمد ، وأبي نعيم في الطب وإرشاد الساري ج 8 ص 360 ، والتراتيب الإدارية ج 1 ص 462 .
[3]التهذيب للشيخ ج 10 ص 125 - 127 ح 118 و 119 و 126 ، والكافي ج 7 ص 264 و 286 ، والوسائل ج 18 ص 528 و 529 عنهما ، ومستدرك الوسائل ج 3 ص 239 عن دعائم الإسلام .
[4]ميزان الحكمة ج 5 ص 534 عن تحف العقول ص 224 وعن الوسائل ج 11 ص 122 وعن الكافي ج 2 ص 454 .
دائه »[1]فعبر بالتلطف لما ذكرناه .
رفع معنويات المريض :
وإذا كان ضعف الإنسان وانهزامه نفسياً أمام المرض في بادئ الأمر يكون أمراً طبيعياً ، بسبب شعوره بآلام ومتاعب يجد نفسه عاجزاً عن دفعها ، ومواجهتها - إذا كان كذلك - فإن من الطبيعي ، أن يكون لرفع معنويات المريض ، وبعث الثقة في نفسه بالشفاء أكبر الأثر في تقوِّيه وسيطرته على المرض ، وبالتالي في شفائه منه ، والتخلص من آثاره .
وأما الانهزام النفسي أمام المرض ، فإنه يعود بأسوأ الآثار عليه ، ويجعل من الصعب عليه التغلب على المرض ، ومواجهة عوارضه ، لأن الانهيار النفسي يتبعه الانهيار الجسدي المريع والخطير دون شك .
ولذلك نلاحظ : أن الإسلام يهتم في تطييب نفس المريض بل يكون دور العلاج الجسدي بالنسبة للعلاج النفسي ثانوياً للغاية ، ومما يوضح لنا هذه الحقيقة الهامة : أننا نجد في بعض النصوص بعد محاولة ربط المريض بالله تعالى ، وإفهامه أنه هو الشافي له وليس سواه يشير إلى أن دور الطبيب هو أن يطيب نفس المريض ، ويبعث الأمل في نفسه ، فقد ورد : أن المعالج يسمى بالطبيب لأنه يطيب بذلك أنفسهم[2].
بل لقد جاء أنه حتى الذين يقومون بعيادة المريض ينبغي لهم : أن يفسحوا له في الأجل ، كما سيأتي .
[1]غرر الحكم ج 2 ص 718 .
[2]العلل للصدوق ص 525 ، وروضة الكافي ص 88 ، والوسائل ج 17 ص 176 عنهما ، والبحار ج 62 ص 62 و 75 عنهما ايضاً وعن الدعائم ، والفصول المهمة ص 400 ، وطب الإمام الصادق ( عليه السلام ) ص 75 وميزان الحكمة ج 5 ص 532 من البحار .
يتقي الله ، ويغض بصره عن المحارم :
ولعل أكثر الناس ابتلاءً بالنظر إلى ما يحرم في الأحوال العادية النظر إليه ، هم الأطباء . . وواضح : أن الأمر بغض البصر عما يحرم النظر إليه يبقى واجب الامتثال حتى تحكم الضرورة ، فيجوز حينئذ النظر بمقدار ما ترتفع به الضرورة .
فلو استطاع أن يعالج المريض علاجاً صحيحاً ، استناداً إلى وصف المريض له ما يعانيه من أعراض ، فإنه يجب الاقتصار على ذلك ، ولا يجوز النظر . . وإذا استطاع أن يعالج بالنظر إلى دائرة أضيق لم يجز له التعدي إلى ما زاد .
بل إنه إذا تمكن من المعالجة بواسطة النظر في المرآة لم يجز التعدي إلى النظر المباشر ، وقد أمرهم أمير المؤمنين بذلك بالنسبة للنظر إلى الخنثى كما سيأتي في الفصل التالي .
وبعد . . فإنه إذا استطاع أن يعالجه استناداً إلى النظر لم يجز له التعدي إلى اللمس . . وهكذا يقال بالنسبة إلى التعدي من اللمس القليل إلى الكثير هذا إن لم يمكن اللمس بواسطة .
ومن هنا نجده ( عليه السلام ) يأمر الطبيب أول ما يأمره بتقوى الله ، ثم بأن ينصح ويجتهد ، فعن علي ( عليه السلام ) : « من تطبب فليتق الله ، ولينصح ، وليجتهد » .
ولسوف نتحدث عن هذا الامر أيضاً في الفصل التالي إن شاء الله تعالى .
وأخيراً . . فقد جاء في نصائح علي بن العباس : « وان لا ينظر إلى النساء بريبة ، سواء كان النظر للسيدة ، أم للخادمة ، ولا يدخل إلى منازلهن إلا
للمداواة » وقال : « وعليه أن يكون رحيماً ، بريء النظرة »[1].
وجاء في قسم أبقراط : « وأحفظ نفسي في تدبيري على الزكاة والطهارة » إلى أن قال : « وكل المنازل التي أدخلها ، إنما أدخل إليها لمنفعة المرضى ، وانا بحال خارجة عن كل جور وظلم ، وفساد إرادي مقصود إليه في سائر الأشياء ، وفي الجماع للنساء والرجال ، الأحرار منهم والعبيد »[2].
تجويز الإفطار للصائم ونحو ذلك :
ونجد بعض الأطباء ، إذا جاءهم المريض في شهر رمضان مثلاً ، وكان صائماً فإنهم يبادرون إلى تجويز الإفطار له ، بل إنهم يوجبون عليه ذلك في كثير من الأحيان مع عدم وجود ضرورة تقتضي ذلك . . بل قد لا يكون هناك ضرورة أصلاً . . ومثل ذلك أمرهم له بالصلاة من جلوس مع قدرته على القيام ، وعدم الضرر فيه عليه ، وما أشبه ذلك .
ونحن لا بد وأن نشير هنا : إلى أن الطبيب يتحمل مسؤولية في ذلك أمام الله تعالى ولأجل ذلك ، فإن عليه أن يتروى فيه ، ويحققه قبل أن يقدم عليه فلا يجوز له الإفطار أو الصلاة من جلوس مثلاً لأسباب تافهة لا تقتضي ذلك إلا إذا احتمل الحاجة إلى ذلك احتمالاً قوياً ، لأن المريض إنما يجوز له ان يأخذ بقوله ويستند إليه على اعتبار أنه من أهل الخبرة ، فلا بد وأن يستعمل خبرته في اكتشاف السبب الذي يحتم عليه ذلك ، والذي يعتمد عليه المكلف في عملية اكتشافه ، وتشخيصه .
[1]راجع : تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب كامل الصناعة الطبية الملكي .
[2]عيون الأنباء ص 45 .
< فهرس الموضوعات > من وصايا الأهوازي :
< / فهرس الموضوعات > من وصايا الأهوازي :
وقال علي بن العباس الأهوازي : « على الطبيب أن يكون نظيفاً ، يخاف الله ، عذب اللسان ، حسن السلوك ، وان يبعد عن كل سوء ، وكل مشين ، وأن لا ينظر إلى النساء . . الخ »[1].
وقد تقدمت مواصفات طالب العلم الطبي في الفصل السابق ، فلا نعيد .
< فهرس الموضوعات > الدواء . . والعلاج :
< / فهرس الموضوعات > الدواء . . والعلاج :
وأما بالنسبة للدواء والعلاج ، فيمكن أن يستفاد من النصوص : أنه كلما أمكن أن لا يتداوى الإنسان كلما كان ذلك أصلح له . . وذلك مثل ما روي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : « من ظهرت صحته على سقمه ، فيعالج نفسه فمات ، فأنا إلى الله منه بريء »[2].
وكتلك الروايات التي تؤكد على عدم تناول الدواء ما احتمل البدن الداء أو مع عدم الحاجة إلى الدواء[3].
[1]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب كامل الصناعة الطبية الملكي .
[2]الخصال ج 1 ص 26 والفصول المهمة ص 404 . وسفينة البحار ج 2 ص 78 والوسائل ج 2 ص 629 وطب الأئمة ص 61 والبحار ج 81 ص 207 و ج 62 ص 64 و 65 عن الخصال وعن علل الشرايع ج 2 ص 150 و 151 .
[3]الكافي ج 6 ص 382 ، والمحاسن للبرقي ص 571 ، ومستدرك الوسائل ج 1 ص 82 والفصول المهمة ص 404 و 442 ، وطب الإمام الصادق ص 75 عنه ، وسفينة البحار ج 2 ص 78 ، والوسائل ج 2 ص 630 و ج 17 ص 190 ، عن العلل ومكارم الأخلاق وغيرهما ، ومجمع الزوائد ج 5 ص 86 عن الطبراني ، والبحار ج 81 ص 207 و 211 و ج 62 ص 63 و 64 و 65 و 66 و 260 و 269 و 287 و ج 66 ص 456 وفي هامشه عن كثير ممن تقدم وعن الدعوات للراوندي ، ومكارم الأخلاق ص 418 وعن فقه الرضا ص 46 وعن الشهيد ( رحمه الله ) وغير ذلك .