يتقي الله ، ويغض بصره عن المحارم :
ولعل أكثر الناس ابتلاءً بالنظر إلى ما يحرم في الأحوال العادية النظر إليه ، هم الأطباء . . وواضح : أن الأمر بغض البصر عما يحرم النظر إليه يبقى واجب الامتثال حتى تحكم الضرورة ، فيجوز حينئذ النظر بمقدار ما ترتفع به الضرورة .
فلو استطاع أن يعالج المريض علاجاً صحيحاً ، استناداً إلى وصف المريض له ما يعانيه من أعراض ، فإنه يجب الاقتصار على ذلك ، ولا يجوز النظر . . وإذا استطاع أن يعالج بالنظر إلى دائرة أضيق لم يجز له التعدي إلى ما زاد .
بل إنه إذا تمكن من المعالجة بواسطة النظر في المرآة لم يجز التعدي إلى النظر المباشر ، وقد أمرهم أمير المؤمنين بذلك بالنسبة للنظر إلى الخنثى كما سيأتي في الفصل التالي .
وبعد . . فإنه إذا استطاع أن يعالجه استناداً إلى النظر لم يجز له التعدي إلى اللمس . . وهكذا يقال بالنسبة إلى التعدي من اللمس القليل إلى الكثير هذا إن لم يمكن اللمس بواسطة .
ومن هنا نجده ( عليه السلام ) يأمر الطبيب أول ما يأمره بتقوى الله ، ثم بأن ينصح ويجتهد ، فعن علي ( عليه السلام ) : « من تطبب فليتق الله ، ولينصح ، وليجتهد » .
ولسوف نتحدث عن هذا الامر أيضاً في الفصل التالي إن شاء الله تعالى .
وأخيراً . . فقد جاء في نصائح علي بن العباس : « وان لا ينظر إلى النساء بريبة ، سواء كان النظر للسيدة ، أم للخادمة ، ولا يدخل إلى منازلهن إلا
للمداواة » وقال : « وعليه أن يكون رحيماً ، بريء النظرة »[1].
وجاء في قسم أبقراط : « وأحفظ نفسي في تدبيري على الزكاة والطهارة » إلى أن قال : « وكل المنازل التي أدخلها ، إنما أدخل إليها لمنفعة المرضى ، وانا بحال خارجة عن كل جور وظلم ، وفساد إرادي مقصود إليه في سائر الأشياء ، وفي الجماع للنساء والرجال ، الأحرار منهم والعبيد »[2].
تجويز الإفطار للصائم ونحو ذلك :
ونجد بعض الأطباء ، إذا جاءهم المريض في شهر رمضان مثلاً ، وكان صائماً فإنهم يبادرون إلى تجويز الإفطار له ، بل إنهم يوجبون عليه ذلك في كثير من الأحيان مع عدم وجود ضرورة تقتضي ذلك . . بل قد لا يكون هناك ضرورة أصلاً . . ومثل ذلك أمرهم له بالصلاة من جلوس مع قدرته على القيام ، وعدم الضرر فيه عليه ، وما أشبه ذلك .
ونحن لا بد وأن نشير هنا : إلى أن الطبيب يتحمل مسؤولية في ذلك أمام الله تعالى ولأجل ذلك ، فإن عليه أن يتروى فيه ، ويحققه قبل أن يقدم عليه فلا يجوز له الإفطار أو الصلاة من جلوس مثلاً لأسباب تافهة لا تقتضي ذلك إلا إذا احتمل الحاجة إلى ذلك احتمالاً قوياً ، لأن المريض إنما يجوز له ان يأخذ بقوله ويستند إليه على اعتبار أنه من أهل الخبرة ، فلا بد وأن يستعمل خبرته في اكتشاف السبب الذي يحتم عليه ذلك ، والذي يعتمد عليه المكلف في عملية اكتشافه ، وتشخيصه .
[1]راجع : تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب كامل الصناعة الطبية الملكي .
[2]عيون الأنباء ص 45 .
< فهرس الموضوعات > من وصايا الأهوازي :
< / فهرس الموضوعات > من وصايا الأهوازي :
وقال علي بن العباس الأهوازي : « على الطبيب أن يكون نظيفاً ، يخاف الله ، عذب اللسان ، حسن السلوك ، وان يبعد عن كل سوء ، وكل مشين ، وأن لا ينظر إلى النساء . . الخ »[1].
وقد تقدمت مواصفات طالب العلم الطبي في الفصل السابق ، فلا نعيد .
< فهرس الموضوعات > الدواء . . والعلاج :
< / فهرس الموضوعات > الدواء . . والعلاج :
وأما بالنسبة للدواء والعلاج ، فيمكن أن يستفاد من النصوص : أنه كلما أمكن أن لا يتداوى الإنسان كلما كان ذلك أصلح له . . وذلك مثل ما روي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : « من ظهرت صحته على سقمه ، فيعالج نفسه فمات ، فأنا إلى الله منه بريء »[2].
وكتلك الروايات التي تؤكد على عدم تناول الدواء ما احتمل البدن الداء أو مع عدم الحاجة إلى الدواء[3].
[1]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب كامل الصناعة الطبية الملكي .
[2]الخصال ج 1 ص 26 والفصول المهمة ص 404 . وسفينة البحار ج 2 ص 78 والوسائل ج 2 ص 629 وطب الأئمة ص 61 والبحار ج 81 ص 207 و ج 62 ص 64 و 65 عن الخصال وعن علل الشرايع ج 2 ص 150 و 151 .
[3]الكافي ج 6 ص 382 ، والمحاسن للبرقي ص 571 ، ومستدرك الوسائل ج 1 ص 82 والفصول المهمة ص 404 و 442 ، وطب الإمام الصادق ص 75 عنه ، وسفينة البحار ج 2 ص 78 ، والوسائل ج 2 ص 630 و ج 17 ص 190 ، عن العلل ومكارم الأخلاق وغيرهما ، ومجمع الزوائد ج 5 ص 86 عن الطبراني ، والبحار ج 81 ص 207 و 211 و ج 62 ص 63 و 64 و 65 و 66 و 260 و 269 و 287 و ج 66 ص 456 وفي هامشه عن كثير ممن تقدم وعن الدعوات للراوندي ، ومكارم الأخلاق ص 418 وعن فقه الرضا ص 46 وعن الشهيد ( رحمه الله ) وغير ذلك .
وكذلك الروايات التي تنهى عن الاضطجاع مع وجود القدرة على القيام[1].
والتي تقول : امش بدائك ما مشى بك[2].
والتي تقول : ليس من دواء إلا ويهيج داء وليس في البدن انفع من إمساك اليد إلا عما يحتاج إليه[3].
وعن الكاظم ( عليه السلام ) : « ادفعوا معالجة الأطباء ما اندفع الداء عنكم فإنه بمنزلة البناء قليله يجر إلى كثيره »[4].
والتي تقول : لا يتداوى المسلم حتى يغلب مرضه على صحته[5].
والتي تقول : شرب الدواء للجسد كالصابون للثوب ، ينقيه ، ولكن يخلقه[6].
[1]البحار ج 81 ص 204 ومستدرك الوسائل ج 1 ص 82 عن النهج .
[2]نهج البلاغة قسم الحكم رقم 26 والوسائل ج 2 ص 629 و 630 عنه والبحار ج 62 ص 68 و ج 81 ص 204 والفصول المهمة ص 404 وسفينة البحار ج 2 ص 78 . وغرر الحكم ج 1 ص 112 .
[3]روضة الكافي ص 273 والبحار ج 62 ص 68 و 142 وميزان الحكمة ج 3 ص 363 و 364 والوسائل ج 2 ص 629 ، وسفينة البحار ج 2 ص 78 ، ومقدمة طب الأئمة للخرسان ص 4 .
[4]البحار ج 62 ص 63 و ج 81 ص 207 وفي هامشه عن علل الشرايع ج 2 ص 150 و 151 وعلل الشرايع ص 465 وميزان الحكمة ج 3 ص 363 .
[5]راجع : طب الإمام الصادق ( عليه السلام ) ص 75 عن الفصول المهمة ، ومستدرك الوسائل ج 1 ص 82 ، والوسائل ج 17 ص 17 وفي هامشه عن الخصال ج 2 ص 153 فصاعداً والبحار ج 62 ص 70 و ج 81 ص 203 عن الخصال أيضاً ص 161 ، وتحف العقول ص 73 ح 400 .
[6]شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 300 وقصار الجمل ج 1 ص 209 عنه .
وأما شرب الدواء من غير علة ، فلا ريب في أنه غير صالح ، وأنه يعقب مكروهاً كما ورد في بعض النصوص ، فعن الصادق ( عليه السلام ) : « ثلاثة تعقب مكروهاً : حملة البطل في الحرب في غير فرصة ، وإن رزق الظفر ، وشرب الدواء من غير علة ، وإن سلم منه . . الخ »[1]، كما أنه قد ورد عنه ( عليه السلام ) قوله : « ثلاثة لا ينبغي للمرء الحازم أن يقدم عليها : شرب السم للتجربة ، وإن نجا منه وإفشاء السر إلى القرابة . . الخ »[2].
لا إسراف في الدواء :
ومن الجهة الأخرى ، فإن على الطبيب : أن لا يحاذر في إعطاء الدواء للمريض من أن ذلك قد يعد إسرافاً ، إذا وجد للدواء موضعاً ، كما ورد في بعض النصوص[3]مهما كان ذلك الدواء كثيراً ، أو ثمنه غالياً ، فإن صحة الإنسان وسلامته أغلى من ذلك مهما بلغ . . أما إذا لم يجد للدواء موضعاً فإن عليه أن يمسك ، ليس لأجل أن ذلك يخلق البدن ، ولأنه يهيج داء فقط . . وإنما لأجل أن ذلك يعد إسرافاً أيضاً . . وقد جاء في بعض النصوص :
« ليس فيما اصلح البدن إسراف ، إنما الإسراف فيما أتلف المال وأضر البدن »[4].
[1]تحف العقول ص 237 والبحار ج 78 ص 234 عنه .
[2]تحف العقول ص 237 / 238 ، والبحار ج 78 ص 235 عنه ، وغرر الحكم ج 1 ص 365 .
[3]روضة الكافي ص 345 ، والوسائل ج 11 ص 401 و ج 2 ص 629 والبحار ج 82 ص 53 ، وقصار الجمل ج 2 ص 63 .
[4]المحاسن للبرقي ص 312 ، وطب الإمام الصادق ص 77 عن الفصول المهمة والبحار ج 75 ص 303 و 304 و ج 76 ص 75 و 81 و 82 عن كامل الزيارة ، وعن المحاسن ، ومكارم الأخلاق ص 57 ، والتهذيب للشيخ ج 1 ص 376 ، والكافي ج 6 ص 499 ، ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 68 ، والوسائل ج 1 ص 397 و 398 .
وعن علي ( عليه السلام ) : « الكلام كالدواء قليله ينفع ، وكثيره يهلك »[1].
وذلك واضح ولا يحتاج إلى مزيد بيان .
عدم إطالة فترة العلاج :
وأما بالنسبة لإطالة فترة العلاج وعدمها ، فيمكن أن يستفاد من النصوص المتقدمة الآمرة بعدم العلاج لمن ظهرت صحته على سقمه ، ومن قوله ( عليه السلام ) : « ما من دواء إلا ويهيج داء » ، ومن قوله : « إن الدواء يخلق الجسم » ، وغير ذلك مما تقدم تحت عنوان : « الدواء . . والعلاج » ، يمكن أن يستفاد منه : أن الشارع يرغب في الإسراع بالتخلص من هذا الوضع الاستثنائي وفي عدم الاستسلام له .
كما ويستفاد ذلك بوضوح من قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) المتقدم ، الأمر للطبيب بالاجتهاد في العلاج .
ومما تقدم من أن التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة وذلك أن الجارح أراد فساد المجروح ، والتارك لإشفائه لم يشأ ، صلاحه . . الخ .
وواضح : أن إطالة فترة المعالجة من قبل الطبيب تنافي الاجتهاد فيه ، كما انها نوع من ترك شفاء المريض ، ومن عدم النصح له .
وبعد . . فقد تقدم في نصائح الأهوازي قوله : « على الطبيب أن يجد في معالجة المرضى ، وحسن تدبيرهم ، ومعالجتهم . . الخ » .
ومن ذلك الذي لا يحب أن يتخلص من الألم والمرض بسرعة ، لينصرف
[1]غرر الحكم ج 1 ص 105 .
إلى تدبير أموره ، والنظر في شؤون معاشه ومعاده ؟ !
ولماذا لا يحاول الطبيب مساعدته في هذا الأمر الذي يرغب فيه ، ويخلصه من الآلام التي يعاني منها ؟ ! ، وهل إطالة فترة المعالجة إلا منافية لما يحكم به العقل ، والشرع والوجدان ؟ !
فلسفة الدواء للمريض :
وإن مما يزيد في ثقة المريض بالطبيب ، وبمعرفته بالعلاج الذي يقدم على تجويزه له ، وبالدواء الذي يفترض في المريض أن يتجرعه ، ويساعد بالتالي على نجاح العلاج له . . هو أن يفلسف الطبيب له - بنحو ما - سر تجويزه هذا الدواء له ، ويبين له بعض منافعه ليطمئن إلى أن هذا الدواء إن لم ينفع في دفع المرض عنه ، فإنه لن يضره جزماً ، مع قوة احتمال نفعه من الجهة أو الجهات الأخرى . . ولقد رأينا النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) من بعده يذكرون منافع الأدوية التي يوصون مراجعيهم بتناولها في موارد كثيرة جداً ، لا تكاد تحصر[1].
وقد قال علي ( عليه السلام ) : « من لم يعرف مضرة الشيء لم يقدر على الامتناع منه »[2].
كما أن للاعتقاد دور هام في تأثير الدواء ، ودفعه للمرض . . ولأجل ذلك نجد الإمام الصادق ( عليه السلام ) حينما يروي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) دواء لوجع الجوف ، ويعترض عليه البعض : بأنهم قد بلغهم ذلك ففعلوه ، فلم ينفع - نجده ( عليه السلام ) - يغضب ويقول :
[1]راجع على سبيل المثال : الوسائل ج 17 ص 76 و 135 و 136 وهوامشها والبحار ، والفصول المهمة ، وطب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وطب الأئمة ، وغير ذلك كثير جداً .
[2]غرر الحكم ج 2 ص 703 .
« إنما ينفع الله بهذا أهل الإيمان به ، والتصديق لرسوله ، ولا ينفع به أهل النفاق ، ومن أخذه على غير تصديق منه للرسول »[1].
إطعام المريض عند اشتهائه :
وبعد . . فقد جاء في فقه الرضا ( عليه السلام ) وغيره ، في حديث قوله :
« . . فإذا اشتهى الطعام ، فأطعموه ، فلربما فيه الشفاء »[2].
ولعل مرد ذلك إلى أن الجسد ربما يكون قد بدأ يشعر بما يحتاج إليه ويحاول التعويض عن النقص الذي يعاني منه ، ومعنى ذلك هو : أن مقتضيات الصحة والعافية قد بدأت تتغلب على عوامل المرض فيه . . وإذن . . فلا بد من تلبية حاجة الجسد هذه ، وعدم منعه عما يتطلبه .
ولعل إلى هذا يشير ما روي عنهم ( عليهم السلام ) : « إذا جعت فكل ، وإذا عطشت فاشرب ، وإذا هاج بك البول فبل ، ولا تجامع إلا من حاجة ، وإذا نعست فنم » ( 3 ) .
فإذا لم يكن لدى المريض اشتهاء إلى الطعام ، فإن إكراهه عليه لن يكون مفيداً كثيراً ، إن لم نقل : إنه لربما يؤدي إلى مضاعفات غير حميدة : نفسياً ، وجسدياً . ولأجل ذلك نجد بعض النصوص تقول :
[1]مستدرك الوسائل ج 1 ص 96 ، والبحار ج 62 ص 261 عن فقه الرضا ص 46 وراجع : كنز العمال ج 10 ص 7 و 46 عن ابن ماجة عن ابن عباس ، وعن ابن أبي الدنيا وعبد الرزاق عن عمر ، وراجع البحار ج 81 ص 224 ومجمع الزوائد ج 5 ص 97 عن الطبراني ، وسنن ابن ماجة ج 1 ص 463 ، والطب النبوي لابن القيم ص 84 .
[2]مستدرك الوسائل ج 3 ص 128 .