في دفع المرض واستئصاله لكنه يعلم أن له مضاعفات سيئة على المريض فإن كانت هذه المضاعفات مما لا يتسامح العرف ولا الشرع بالإقدام عليها لم يجز له ذلك ، وإلا جاز . وكذا الحال بالنسبة للمريض نفسه ، فإنه يجوز له تناول الدواء وإن كان يحتمل ضرره احتمالاً لا يعتد به العرف والعقلاء . . ويشير إلى هذا ما عن الدعائم ، عن جعفر بن محمد ( عليه السلام ) : « أنه رخص في الكي فيما لا يتخوف فيه الهلاك ولا يكون فيه تشويه »[1].
وعن يونس بن يعقوب قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) : عن الرجل يشرب الدواء وربما قتل ، وربما سلم ، وما يسلم منه أكثر ، قال : فقال : « أنزل الله الدواء ، وأنزل الشفاء ، وما خلق الله داء إلا وجعل له دواء ، فاشرب وسم الله تعالى »[2].
وعن يونس بن يعقوب ، قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : الرجل يشرب الدواء ، ويقطع العرق ، وربما انتفع به ، وربما قتله ، قال يقطع ويشرب[3].
وفي هذا المعنى روايات أخرى أيضاً[4].
حفظ الأسرار الطبية :
سيأتي في بحث عيادة المريض : البحث في أنه هل ينبغي للمريض كتمان مرضه أم لا ؟ والذي نريد : أن نشير إليه هنا هو كتمان الطبيب للأسرار الطبية ، ولا بد من التكلم في ذلك من ناحيتين :
الأولى : أنه لا بد وأن يحفظ الطبيب سر المريض فلا يبوح به لأحد . .
[1]البحار ج 62 ص 74 .
[2]الوسائل ج 17 ص 178 / 179 وطب الأئمة ص 63 .
[3]الوسائل ج 17 ص 177 - 178 وروضة الكافي ص 194 .
[4]الوسائل ج 17 ص 176 - 179 وفي هامشه مصادر أخرى .
وقد ورد في الشريعة المطهرة الحث على كتمان سر المؤمن . ووعد الله أن يجعل من يكتم سر أخيه المؤمن يستظل بظل عرش الله يوم القيامة ، يوم لا ظل إلا ظله[1].
وعن عبد الله بن سنان قال : قلت له : عورة المؤمن على المؤمن حرام ؟ قال نعم ، قلت : سفلته ؟ قال : ليس حيث تذهب ، إنما هو إذاعة سره[2].
كما أنه إذا اطمأن المريض إلى أن سره محفوظ ؛ فإنه يصير أكثر شجاعة على البوح للطبيب بكثير من الأمور التي قد يكون لها أكبر الأثر ، أو الأثر الكبير في معرفة حقيقة الداء ، الأمر الذي يسهل على الطبيب وصف المناسب والناجع من الدواء . . كما أنه يمكن أن تصدر من المريض الكثير من الأمور التي يحب ان لا يعلمها منه أحد . وهذا أمر طبيعي وواضح . .
نعم . . وقد أمر الشارع المريض بأن لا يكتم الطبيب مرضه ، لأن كتمانه إياه يجعل الطبيب غير قادر على فهم حقيقة ما يعاني منه مريضه من جهة . .
هذا إن لم يكن ذلك سبباً في أن يفهم غير ما هو الواقع ؛ فيصف له ليس فقط ما لا يجدي ، بل وما قد يضر بحالته ويكون له مضاعفات خطيرة جداً عليه من جهة أخرى . . وورد أن علياً ( عليه السلام ) أشار إلى الجهة الأولى بقوله : « من كتم مكنون دائه عجز طبيبه عن شفائه »[3]. وعنه ( عليه السلام ) : « لا شفاء لمن كتم طبيبه داءه »[4].
[1]قصار الجمل ج 2 ص 179 عن الوسائل كتاب النكاح باب 12 حديث 3 .
[2]أصول الكافي ج 2 ص 267 ط . المكتبة الإسلامية والمحاسن ص 104 والوسائل ج 8 ص 408 و ج 2 ص 367 وراجع هامشها .
[3]غرر الحكم ج 2 ص 668 .
[4]غرر الحكم ج 2 ص 833 .
وأشار إلى الجهة الثانية فقال ( عليه السلام ) فيما روي عنه : « من كتم الأطباء مرضه خان بدنه »[1].
ولقد جاء في القسم المنسوب إلى أبقراط : « . . وأما الأشياء التي أعاينها في أوقات علاج المرضى ، وأسمعها في غير أوقات علاجهم في تصرف الناس في الأشياء ، التي لا ينطق بها خارجاً ، فامسك عنها ، وارى أن أمثالها لا ينطق به . . »[2].
وجاء في الوصية المنسوبة لأبقراط أيضاً أن الطبيب : « ينبغي أن يكون مشاركاً للعليل مشفقاً عليه ، حافظاً للأسرار ، لأن كثيراً من المرضى يوقفونا على أمراض بهم لا يحبون أن يقف عليها غيرهم »[3].
وقال علي بن العباس : « يجب على الطبيب أن يحفظ أسرار المريض ، ولا يفشيها ، لا لأقاربه ولا لغيرهم ممن يتصل به ، لأن كثيراً من المرضى يكتمون ما بهم عن أقرب الناس إليهم ، حتى والديهم ، ويبوحون به للطبيب كاوجاع الرحم والبواسير . . فعلى الطبيب أن يحافظ على سر المريض أكثر من المريض نفسه »[4]. .
الثانية : كتمان أسرار الطب عمن يمكن أن يسيء استعمالها . . وقد روي عن الصادق ( عليه السلام ) أن : « لكل شيء زكاة ، وزكاة العلم أن يعلمه أهله »[5].
[1]غرر الحكم ج 2 ص 663 .
[2]عيون الأنباء ص 45 .
[3]عيون الأنباء ص 46 / 47 .
[4]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب كامل الصناعة الطبية الملكي .
[5]البحار ج 2 ص 25 وقصار الجمل ج 2 ص 56 وراجع أصول الكافي ج 1 باب سؤال العلم وتذاكره .
وفي معناه غيره .
وعن علي ( عليه السلام ) : « شكر العالم على علمه أن يبذله لمن يستحقه »[1].
وفي البحار ج 2 روايات متعددة يستفاد منها هذا المعنى .
وواضح أن من يسيء استعمال العلم ليس ممن يستحق العلم ، ولا هو من أهله ولعل من أظهر مصاديق هؤلاء العدو الغاشم ، فلا بد من الاحتياط منه وعدم اطلاعه لا على الأدوية ولا على أسرارها ؛ فعن علي ( عليه السلام ) : ثلاثة لا يستحى من الختم عليها : « المال فنفي التهمة ، والجوهر لنفاسته ، والدواء للاحتياط من العدو »[2].
وأما بالنسبة لغير العدو فقد قال علي بن العباس : إن على الطبيب أن « لا يجوز لهم الدواء الخطر ، ولا يصفه لهم ، ولا يدل المريض على أدوية كهذه ، ولا يتكلم عنها أمامه ، ولا يجوز لهم الأدوية المسقطة للجنين ، ولا يدل عليها أحداً »[3].
وما ذلك إلا لأن الطب لم يكن إلا لخدمة الإنسانية ، والتخفيف من آلامها ، فإذا أسيء استعماله ، وكان مضراً بالإنسان والإنسانية ، فإن الإنسانية تكون في غنى عنه ، وليست بحاجة إليه .
وقد جاء في القسم المنسوب إلى أبقراط : « وأما الأشياء التي تضر بهم ، وتدني منهم بالجور عليهم فأمنع منها بحسب رأيي ، ولا أعطي إذا طلب مني دواء قتالاً ، ولا أشير أيضاً بمثل هذه المشورة . وكذلك أيضاً لا أرى أن أدني
[1]البحار ج 2 ص 81 عن كنز الكراجكي وقصار الجمل ج 2 ص 60 .
[2]شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 289 .
[3]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب : كامل الصناعة الطبية المكي .
من النسوة فرزجة تسقط الجنين »[1].
< فهرس الموضوعات > تحري الدقة في إجراء الفحوصات :
< / فهرس الموضوعات > تحري الدقة في إجراء الفحوصات :
وبعد . . فإن على الطبيب أن يتحرى الدقة التامة في مجال إجرائه الفحوصات للمريض ، فإن ذلك بالإضافة إلى أنه من مقتضيات الأمانة ؛ فإنه مما تفرضه المشاعر الإنسانية النبيلة بالنسبة لهذا الإنسان الذي سلم أمره إليه ، وعلق الكثير من آماله عليه . . وقد أشار أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) إلى ذلك حينما قال - فيما روي عنه - : « لا تقاس عين في يوم غيم »[2]. وقد تقدم ما فيه إشارة إلى ذلك أيضاً .
< فهرس الموضوعات > الثقة بالعلاج - التشويه :
< / فهرس الموضوعات > الثقة بالعلاج - التشويه :
وبعد فإنه لم يرخص بالمعالجة بما يتخوف فيه الهلكة . . فلا بد من الاطمئنان لصلاحية العلاج ، كما أن على الطبيب الحاذق أن يحافظ على سلامة المظهر لمريضه ، فلا يستعمل علاجاً يوجب تشويهاً .
فعن جعفر بن محمد ( عليه السلام ) : « أنه رخص في الكي فيما لا يتخوف منه الهلكة ، ولا يكون فيه تشويه »[3].
< فهرس الموضوعات > من مواصفات الطبيب الحاذق :
< / فهرس الموضوعات > من مواصفات الطبيب الحاذق :
وأخيراً . . فقد ذكر البعض بعض المواصفات التي يفترض بالطبيب الحاذق أن يراعيها ويهتم بها . . وقد تقدم بعض ما يشير إلى نقاط منها . . وبقي أن نشير منها إلى ما يلي :
[1]عيون الأنباء ص 45 . والفرزجة : شيء يتداوى به النساء . .
[2]الوسائل ج 19 ص 280 والتهذيب ج 10 ص 268 والفقيه ج 4 ص 101 .
[3]دعائم الإسلام ج 2 ص 146 .
1 - ان يعرف نوع المرض .
2 - أن يعرف سببه .
3 - معرفة المزاج الطبيعي للبدن .
4 - معرفة المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي .
5 - سن المريض .
6 - عادات المريض .
7 - ملاحظة حالة الجو الحاضرة وما ينسجم معها .
8 - ملاحظة كونه في أي فصل من فصول السنة .
9 - النظر في إمكان المعالجة لتلك العلة ، أو تخفيفها ، أم لا يمكن .
10 - ملاحظة بلد المريض وتربته .
11 - النظر في إمكان المعالجة بغير الدواء ، كالحمية والغذاء والهواء ، ثم بالأدوية البسيطة ، ثم بالمركب . . وهكذا . .
12 - النظر في الدواء المضاد لتلك العلة ، ثم الموازنة بين قوته وقوة ذلك المرض ، بالإضافة إلى قوة المريض نفسه .
13 - أن يربط المريض بالله ، واعتباره القادر على شفائه ، وتوجيهه نحو تصفية النفس ، والإخلاص له تعالى[1]. .
انتهى ما أردناه من كلامه ، مع تصرف ، وزيادة ، وحذف . . وبعضه
[1]الطب النبوي لابن القيم ص 112 - 114 .
يمكن استخلاصه مما تقدم ومن غيره من روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) ، أو يدخل في قواعد عامة صدرت عنهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . .
معالجة غير المسلم للمسلمين :
ولم يمنع الإسلام من مداواة اليهودي والنصراني للمسلم ، فقد روي عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، قال : سألته عن الرجل يداويه النصراني واليهودي ، ويتخذ له الأدوية ، فقال : لا بأس بذلك ، إنما الشفاء بيد الله[1].
وعن عبد الرحمن بن الحجاج قال : قلت لموسى بن جعفر ( عليه السلام ) : إني احتجت إلى طبيب نصراني ، أسلم عليه ، وأدعو له ، قال : نعم ، إنه لا ينفعه دعاؤك[2].
وقد داوى رجل يهودي بعض الناس على عهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأخرج من بطنه رجراجاً ، كما تقدم[3]كما أن الحارث بن كلدة قد عالج بعض الصحابة بأمر من النبي - كما يقولون - مع انهم يقولون : أنه لا يصح أن الحارث قد أسلم ، فراجع كتب تراجم الصحابة ، والمصادر المتقدمة في الفصل الأول من الكتاب .
وقال الشهيد في الدروس : يجوز المعالجة بالطبيب الكتابي ، وقدح العين عند نزول الماء[4].
[1]الوسائل ج 17 ص 181 ، والبحار ج 62 ص 65 و 73 والفصول المهمة ص 439 وقصار الجمل ج 1 ص 209 .
[2]الفصول المهمة ص 440 ، والوسائل ج 8 ص 457 وقال في هامشه : « الأصول ص 615 : أخرجه عنه ؛ وعن كتب أخرى في كتب أخرى في ج 2 في 1 / 46 من الدعاء » انتهى . وقرب الإسناد ص 129 والبحار ج 75 ص 389 .
[3]تقدمت المصادر لذلك . .
[4]البحار ج 62 ص 65 و 288 .
وذلك يدل بوضوح على أن الإسلام يهتم بالكفاءات أينما وجدت ، ولأن ذلك لا يؤثر على عقيدة الإنسان المسلم ، ولا في سلوكه ، بل هو يساهم في إعادة السلامة والمعافاة له . . الأمر الذي يمكنه من العودة إلى مجال الحياة والنشاط فيها ، وخدمة نفسه ومجتمعه على مختلف الأصعدة .
إلا إذا كان ذلك يوجب مودة لليهود والنصارى ، ومحبة لهم ، تكون سبباً في الانحراف عن الجادة المستقيمة ، والوقوع في مهاوي الجهل والحيرة والضياع . .